قائمة الموقع

"إن هذا الوحش هو وهم من غبار"

2022-07-14T06:06:26+03:00
الأسير البطل محمود العارضة
بقلم: راغدة عسيران

هذا ما قاله الأسير البطل محمود العارضة في آخر جلسة محاكمته، هو وأخوانه الأسرى، في مدينة الناصرة المحتلة، قبل أشهر.

الأسير محمود العارضة، بطل من أبطال جنين. قاد عملية الهروب الكبيرة من سجن جلبوع قبل 10 أشهر، في 6 أيلول/سبتمبر 2021، والتي تمت مع خمسة أسرى آخرين من منطقة جنين، والتي أطلق عليها اسم "الطريق الى القدس". هي العملية البطولية التي هزّت الكيان الصهيوني في أعماقه، ورغم إعادة اعتقال هؤلاء الأبطال، فإن هذه العملية أظهرت أن هذا الكيان "وهم من غبار"، ولذلك، يسعى لترميم صورته المهشّمة بالانتقام من هؤلاء الأبطال، الذين هربوا والذين ساعدوا في عملية الهروب، وحتى من الأسرى الآخرين، باتخاذ إجراءات انتقامية عديدة. أما المحاكمة التي تمت، فهي صورية كمحاكم الاحتلال الأخرى، حيث يتفنّن العدو بإقامتها وتوظيف جلساتها لإظهاره كدولة عادية يحكمها القانون.

من بين هذه المحاكم التي يقيمها العدو، المحاكم التي تصدر أوامر الاعتقال الإداري، والتي يقاطعها الأسرى الإداريون منذ أشهر، لأنها غير شرعية، يتحكم بها "الشاباك"، وحيث لا يمكن للأسير معرفة سبب اعتقاله وتمديد اعتقاله الى ما لا نهاية. هذه المحاكم الصهيونية التي تتحكم بحياة الفلسطينيين ليست إلا إرهابا منظّما يريد منها العدو السيطرة على الفلسطينيين وعلى عقولهم وأحلامهم وأفكارهم، ويريد أيضا التحكّم، من خلال أحكامه الجائرة، بمصير عائلات الأسرى الإداريين وتنغيص حياتهم، حيث لا أحد يعرف متى سينتهي هذا الاعتقال، بسبب التمديد الذي يصدر أحيانا في آخر لحظة، وهذا جزء من سادية المحتل.

المحاكم الخاصة بالاعتقال الإداري، التي تسيطر عليها الأجهزة الأمنية الصهيونية، تصدر أحكاما مبنية على ملف "سري" اخترعه الشاباك، لا يمكن للمحامي ولا حتى للأسير معرفة محتواه.

لهذه الأسباب، تعتبر مقاطعة هذه المحاكم المجرمة خطوة مهمة، لكنها غير كافية لإنهاء الاعتقال الإداري بحد ذاته. فلذلك، من المفيد التوسع في مقاطعة سائر المحاكم والإدارات الصهيونية، إسنادا للأسرى الإداريين ورفضا للاحتلال ووجوده، وتأكيدا على عدم شرعية محاكمه في ظل كيان إستعماري إستيطاني إرهابي. ما يعني أنه يجب اعتبار الكيان ومحاكمه "غبار" يجب تكنيسها ورفضها وتنظيف البلاد منها.

من جهة أخرى، وصف الأسير المجاهد محمود العارضة هذا الكيان بالوحش، للدلالة على  وحشيته منذ إقامته على أرض فلسطين. فهو وحش بمستوطنيه وجنوده وشرطته وكافة اجهزته الأمنية والمدنية (إن كان هنالك شيء مدني في هذه الثكنة العسكرية)، لأن الأصل هو الاستعمار الاستيطاني الذي لا يترك مجالا للشعب الفلسطيني، الذي يريد إقتلاعه عن أرضه، إلا مقاومته من أجل مواصلة حياته وحياة مجتمعه في أرضه ووطنه.

تتجلى وحشية الكيان الصهيوني في كل ميادين حياة الشعب الفلسطيني، وخاصة في السجون وفي معاملة الأسرى، ومواجهة من يقف أمامه وإجراءاته التعسفية. ولأنه كيان استيطاني عنصري وإرهابي، يتفنّن لايجاد أساليب وحشية للتخلص من الأسرى وقتلهم أو تحويلهم الى أفراد بلا جذور وطنية واجتماعية. فهو يعتبر الأسرى "إرهابيين"، ويبرّر لنفسه استخدام كافة الآليات لقتلهم، أهمهما الإهمال الطبي، وكانت الأسيرة الموقوفة الشهيدة سعدية فرج الله مطر (68 عاما)، من بلدة إذنا في الخليل، آخر ضحية هذا الإهمال المتعمد الإجرامي.

يمارس كيان الاحتلال وحشيته إزاء الأسرى الذين يرفضون قوانينه وإجراءاته التعسفية، كالاعتقال الإداري. يخوض منذ أكثر من 3 - 4 أشهر الاسيران خليل عواودة من إذنا (الخليل) ورائد ريان (27 عاما) من بيت دقو (القدس) إضرابا عن الطعام رفضا للاعتقال الإداري. رغم وضعه الصحي الخطير، يرفض العدو نقل الأسير رائد ريان الى المستشفى لمتابعة وضعه، فهو يمارس الضغط عليه لوقف معركته، كما فعل سابقا مع الأسير خليل عواودة، الذي كان قد دخل مرحلة الخطورة الشديدة، بعد 111 يوما من الإضراب عن الطعام. بعد موافقة الأسير البطل خليل عواودة، قبل أسابيع، من تعليق إضرابه مقابل وعود الصهاينة التي تبيّن أنها كاذبة، اتضح أن العدو غدر بالأسير عواودة وتم تمديد اعتقاله الإداري، دون أي مراعاة لوضعه الصحي.

 لهذا السبب، استأنف الأسير عواوده معركته من أجل حريته وحرية شعبه، المهدّد يوميا بهذا النوع من الاعتقال. وتدلّ معاملة أجهزة الاحتلال مع ملف الأسير المجاهد خليل عواودة، الكذب والغدر والتلاعب بحياته، والمماطلة في النظر الى وضعه الصحي، والتهديد والابتزاز، والعزل، والتنقل المستمر المرهق، على أن هذا الكيان وحش، لا يبالي بالقيم الإنسانية، وخاصة إذا كانت ضحيته تنتمي الى الشعب الفلسطيني.

تتجلى أيضا الوحشية في السجون الصهيونية في المعاملة مع الاسرى المرضي والجرحى.لا يقدّم لهم العدو العلاج المناسب، بل يتركهم حتى يتدهور وضعهم الصحي، كما حصل مع العشرات من الأسرى في السنوات الأخيرة، أو يقوم باستخدام الأسرى كحقل تجارب لشركاته، دون موافقتهم أو علمهم. لا يحترم العدو الاتفاقيات الدولية حول الأسر والأسرى في زمن الحرب أو السلم، لأنه كيان مبني على هدف الاستيطان وطرد السكان الأصليين، وعلى عقيدة تفوّق اليهود على سائر البشر، وخاصة إن كانوا فلسطينيين.

يتعامل هذا الوحش الإرهابي مع الشعب الفلسطيني وكل من يرفض سيطرته على البشرية، كما تعامل الأوروبيون المستوطنون عندما استوطنوا البلاد الأميركية. حاول الإعلام الأميركي تصوير الشعوب الهندية التي قاومت غزو بلادها ونهبها بأنهم وحوش، وصنع الأفلام "الكاوبوي" حيث أظهر الهندي بصورة المتوحش والأبيض المستوطن بصورة المتمدن والإنساني. غير أن الحقيقة عكس ذلك تماما، كما اكّدته شهادات الضحايا بل شهادات المستوطنين الأوروبيين أنفسهم، الذين أصبحوا أميركيين، والوثائق التاريخية التي أكّدت وبرهنت أن الوحشية هي السمة الأساسية لدى المستوطنين في كل مكان استوطنوه، في القارة الأميركية والإفريقية، والجزائر على سبيل المثال، وآخرها في فلسطين.

في فلسطين، تنبع وحشية المستوطن من عقيدته الصهيونية، وليست إضافة لها، لكنها تبرز أكثر في وقت أزماته الوجودية، كما يحدث الآن بعد صعود المقاومة الفلسطينية ومحور المقاومة في المنطقة. ولأن كيانه "وهم من غبار"، كما وصفه البطل محمود العارضة، الذي واجه وحشية السجان والمخابرات والأجهزة الأمنية العديدة، استطاع الشعب الفلسطيني من زعزعة أمنه ببعض العمليات الفدائية وتحدي جيشه ومخابراته في منطقة جنين ونابلس، وكسر إرادته ببعض معارك الأمعاء الخاوية في سجونه.

لقد أدرك الأسير البطل محمود العارضة، جيدا، أنه يقف أمام "وهم من غبار"، صنعه المطبّعون مع هذا الكيان. فالمطبّعون والحكّام الذين ينتظرون دورهم للتطبيع، هم الذين أوهموا مجتمعاتنا بأن الكيان الصهيوني، المدعوم عالميا، كيان قوي لا يمكن إزالته وتنظيف المنطقة من "غباره". وبذلك، يتحمّل المطبّعون، مهما كان مستوى تطبيع علاقاتهم معه، مسؤولية جرائمه، لأنهم شرعنوا وجوده ووحشيته. ويتحمل المجتمع الدولي كذلك هذه المسؤولية لأنه لم يكتف بشرعنة وجوده على أرض فلسطين، بل برّر وغطى وحشيته، ودافع عنها، ودعم تطوير آلياته المجرمة، لسحق الشعب الفلسطيني والشعوب الحرة الداعمة له.

 

اخبار ذات صلة