بعد اجتماعمها بصورة واحدة، خلال الاحتفال بالذكرى الـ60 لتحرير الجزائر، وطرد الاستعمار الفرنسي من أراضيها، جمع الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون، في لقاء وصفته الرئاسة الجزائرية بـ"التاريخي"، رئيس سلطة رام الله محمود عباس والوفد المرافق له ووفد حركة حماس بقيادة رئيس مكتبها السياسي إسماعيل هنية، بعد سنوات طويلة، لم يجتمعا فيها حول طاولة واحدة.
ولم يعلن ما إذا خلص اللقاء إلى نتائج، لكنه يعد "إنجازاً سياسياً بالغ الأهمية بالنسبة للدبلوماسية الجزائرية" -على حد قول الاعلام الجزائري-، التي تسعى وتعمل لتحقيق "مصالحة فلسطينية" تختم بها مسار مبادرتها التي أطلقتها في كانون الثاني/يناير، في سياق ترتيبات تمهيدية لعقد مؤتمر الفصائل الفلسطينية، المقرر (جزائريا) التآمه قبل القمة العربية في الجزائر في الأول من شهر تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.
وكانت السلطات الجزائرية قد جددت دعوتها للفصائل الفلسطينية لاستكمال "مسار المصالحة) في 21 أيار/مايو الماضي، ويُرتقب أن تتفرغ الجزائر بعد انتهاء العاب البحر المتوسط التي تحتضنها مدينة وهران غربي الجزائر، ومن الاحتفال بستينية التحرير والاستقلال، للعودة إلى مبادرتها.
واستقبلت الجزائر بعيد إطلاق المبادرة، كبار القيادات السياسية للفصائل الفلسطينية، لجمع مقترحاتهم حول مسار المصالحة وإنهاء الانقسام الداخلي، حيث استقبلت الجزائر كلاً من رئيس الدائرة السياسية لحركة الجهاد الإسلامي الدكتور محمد الهندي والوفد المرافق، ووفد من حركة فتح بقيادة عزام الأحمد، ووفد من حركة حماس ضم كلاً من خليل الحية وعلي بركة، ووفد الجبهة الديمقراطية بقيادة نائب الأمين العام فهد سليمان، ووفد عن الجبهة الشعبية- القيادة العامة، بقيادة الأمين العام الدكتور طلال ناجي.
واللافت في الأمر أن الحركتين المتخاصمتين، منذ 16 عاما ونيف، حصرت ردود فعلهما على اللقاء، بإطلاق محمود عباس اسم الجزائر على شارع في رام الله، ووقع رمزياً برفقة الرئيس الجزائري على قرار التسمية.
أما حركة حماس فقد اعتبرت أن المشاركة باحتفالات الذكرى الستين للتحرير تنم "عن عمق العلاقة بين الجزائر وفلسطين والشعبين الفلسطيني والجزائري، وتؤكد مدى اعتزاز المقاومة الفلسطينية بالدور الجزائري الداعم لفلسطين، ومكانة حركة حماس لدى القيادة الجزائرية والشعب الجزائري، الذي مثلت ثورته مصدر إلهام للأمة ولكل الأحرار على مستوى العالم".
لا شك ان الحراك الجزائري باتجاه إنجاز المصالحة بين حركتي فتح وحماس، ينم عن صدق النوايا والمشاعر الجزائرية الطيبة تجاه القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني المقاوم والمضحي، وهي تدرك أكثر من غيرها أهمية إنهاء الانقسام الواقع، وتوحيد الصف الفلسطيني لمواجهة التحديات والمخاطر ومخططات التصفية والتطبيع المحدقة بالقضية الفلسطيني في هذه المرحلة، التي تدير حلقاتها الادارة الأمريكية تحت شعار: تعزيز أمن الكيان الصهيوني وتوسيع دائرة التطبيع معه وإقامة "ناتو شرق أوسطي" بقيادة كيان العدو لمواجهة محور المقاومة...
بموازاة الحراك الجزائري، عملت سلطة رام الله خلال الأيام الفليلة الماضية على تكريس ملء الشواغر وتوزيع المسؤوليات داخل أطر منظمة التحرير الفلسطينية، وأبرزها تثبيت عضو اللجنتين (التنفيذية والمركزية) حسين الشيخ في أمانة سر المنظمة ورئاسة ملف المفاوضات، بما يؤشر لحسم ملف التوريث لصالح مرشح سلطات الاحتلال والإدارة الأمريكية.
وقد اعتبرت أوساط فلسطينية وازنة فصائلية وإعلامية أن هذا الأمر من شأنه تعقيد ملف المصالحة، إن لم نقل تعطيله بشكل نهائي، بخاصة إذا ما أضيف الى الشروط السياسية (للمصالحة) التي أطلقها عزام الأحمد (في الجزائر) ورئيس السلطة، وروجها جبريل الرجوب خلال زيارته لدمشق وبيروت والتي تتلخص بضرورة اعتراف الفصائل بـ"إسرائيل"، والموافقة على اتفاق أوسلو وكل تبعاته، والاعتراف بكل الاتفاقيات التي أبرمتها منظمة التحرير والسلطة مع كيان العدو، إضافة الى وقف المقاومة المسلحة ونبذ ما تسميه السلطة بـ"الإرهاب"، ناهيك عن ضرورة الموافقة على شروط "الرباعية الدولية".
فهل تشكل هذه الشروط مدخلا للمصالحة أم أساسا لتعزيز الانقسام؟