عمر طافش – وكالة القدس للأنباء
لو كنا نبحث عن طرف خيط للفن والفكر والأدب الفلسطيني في المخيمات الفلسطينية، سيأخذنا الحرف الى من اعتاد نسج القصص، فهذه هوايته التي يتقن. يأخذك بقصصه القصيرة الى ربوع الوطن، وكأنك تحلق فوق سحابة تأخذك نحو مآذن القدس، تحط على جبال الجرمق والكرمل، تطوف حول شواطئ عكا وحيفا ويافا، وضفاف الانهر، والينابيع، والبيارات وحقول الزيتون، وتعرف أهلها وترابها، تتعرف على زهورها وزعترها والدحنون فيها الذي يزين الأرض باللون الأحمر الزاهي.
إننا نتحدث عن ابن مخيم الجليل، الكاتب والقصصي الفلسطيني سعيد محمد أبو نعسة، المتحدر من قرية عين ماهل قضاء الناصرة، بالداخل الفلسطيني المحتل عام 48، حائز على شهادة ليسانس في العقيدة والفلسفة من جامعة الأزهر في مصر عام 1975، وعمل في حقل التعليم مدرساً لمادة الأدب العربي، وأصدر ثلاث مجموعات في مجال القصة القصيرة هي: (أغلى من الذهب)، (حكايات للزمن الآتي)، والمجموعة القصصية الأخيرة (قبل أن).

بعد إصدار مجموعته الأخيرة التي حملت عنوان (قبل أن)، عمدت "وكالة القدس للأنباء" للاتصال به، وباركت له إصداره الجديد، وأجرت معه مقابلة خاصىة، القى خلالها أضواء كاشفة على نتاجه القصصي، ومسيرته الأدبية، وأثرها على المجتمع الفلسطيني، وبالتالي على الأدب الفلسطيني، عامة، ومجال القصة القصيرة بخاصة.
(أغلى من الذهب).. حروف من ذهب
قال أبو نعسة عن باكورة أعماله (أغلى من الذهب) والتي صدرت عن "دار ومكتبة بيسان" في بيروت، عام 2000 "إنها مجموعة قصص قصيرة لامست مشاعر الفلسطيني الذي هُجر قسراً من أرضه، في تصوير أدبي وجداني بعيد عن التأريخ المباشر"، مشيراً الى أن هذه المشاعر انسابت على ألسنة العجائز والشبان ونبضت في قسماتهم.
ولفت الى أن "بعدها بعام واحد 2001 أصدر (أبو نعسة) مجموعته القصصية الثانية، وحملت عنوان: (حكايات للزمن الآتي) وهي تحكي معاناة الفلسطيني في مخيمات اللجوء خارج فلسطين، على كافة الأصعدة السياسية والاجتماعية.
تشابهت مع كنفاني عن معاناة الفلسطيني في المخيمات
وفي ما يتعلق بتشابه الاسلوب بينه وبين الكاتب القدير الفلسطيني غسان كنفاني، أكد الكاتب، أنه لا يوجد تشابه واضح في أسلوب الكتابة، إنما في تناول اليوميات الفلسطينية في المخيمات، وهي بالتأكيد تتشابه عند كل من كتب عن معاناة الفلسطيني في المخيمات، لأنها واحدة.
واضاف أبو نعسة لـ"وكالة القدس للأنباء"، أن غسان كنفاني أنزل الشخصية الفلسطينية من مقام السوبرمان المضخَم فكرا وقدرات، نضالا وتضحية، إلى الإنسان العادي الذي يشبه كل البشر، ويزيد عنهم بمعاناته الطبيعية داخل الوطن المحتل وفي مخيمات الشتات، كل ذلك بأسلوب أدبي دون مباشرة تقريرية، معتمدا التلميح بدل التصريح في معظم قصصه، موضحاُ أن هذا ما تتطلبه الكتابة الأدبية، وما يميزها عن الكتابة الإبلاغية التوجيهية. لذا كان أسلوبي مشابها لأسلوب الكبير غسان كنفاني من هذه الناحية العامة أيضا .
ووصف الكاتب الفلسطيني أبو نعسة أسلوبه الأدبي مستشهداً بحديث الراحل الكبير المفكر والباحث الفلسطيني (أنيس صايغ) أنه يتميز بالكوميديا السوداء التي تقدم التراجيديا الفلسطينية أدبياً مع بسمة أمل يرتاح لها المتلقي، قائلاً: "أسلوب رافقني في كل ما كتبته من قصص قصيرة وقصيرة جدا، ومن نصوص ساخرة ستصدر قريبا في كتاب بعنوان (ثم ماذا؟) ومقالات نقدية اجتماعية ساخرة ستصدر قريبا أيضا".
لا فرق بين المقاوم الفلسطيني وشقيقه اللبناني
وتابع أبو نعسة: "القصص التي كتبتها بعد حكايات للزمن الآتي كانت عبارة عن روايات قصيرة لا تتعدى الواحدة منها خمسين صفحة، كانت سيرة غيرية تحكي بطولات المقاومين في لبنان شهداء وجرحى وأسرى وقرى شهيدة، عربون وفاء مني لما تقدمه المقاومة من دعم لامحدود للشعب الفلسطيني ومقاومته الصامدة".
وأشار إلى أن الجديد في هذه القصص هو إضفاء الروح الفلسطينية والشخصية الفلسطينية العنيدة ذات الإصرار الحديدي الصبور على أبطال القصص المقاوِمة، فلا تلمس فرقاً كبيراً بين البطل الفلسطيني وشقيقه اللبناني المقاوم، ويشعر القارئ بتوحد القضيتين ذات الهدف الواحد، لافتاً إلى أن قصصه تميزت باعتمادها التلميح الرامز والمفارقة الساخرة التي قلما يحفل بها كتّاب السير، إذ يعتمدون الوقائع بأسلوب يقترب من المباشرة. كما اتسمت ببروز الكوميديا السوداء التي يبوح بها أسلوبي.
ولفت أبو نعسة أنه في العام 2005 اعتكف الى المواقع الأدبية المختصة بالقصة القصيرة جداً لتطوير هذا النوع الأدبي الموجز المناسب للعصر وظروفه المنشغلة المتسارعة، مشيراً الى ان جعبته الادبية حتى كتابة هذا التقرير وصلت الى 112 قصة قصيرة جدا ضمنتها كتابي (قبل أن).
"قبل ان" تحذير من صمت العالم المريب إزاء القضية
وفي ما يتعلق باختيار عنوان: "قبل ان"، أوضح الكاتب أبو نعسة لـ"وكالة القدس للأنباء" أنه أسلوب التحذير الذي حضر ضمنياً في القصص كلها، تحذير من المراوحة بل التقهقر أمام عالم يتقدم بسرعة صاروخية، تحذير من صمت العالم المريب إزاء القضية الفلسطينية العادلة، وإزاء ما تفعله الأنظمة العربية بشعوبها، والاسترسال في قهرها وإذلالها، وتعرية هذه الأنظمة أمام شعوبها وأمام العالم دون تجنٍ أو تضخيم ومبالغة .
واكد أبو نعسة، أن لفلسطين حصة الأسد من هذه المجموعة حين أضاءت على النضال الأسطوري لكافة الفئات العمرية الفلسطينية بأسلوب هادئ دونما صراخ او استجداء تعاطف من أحد، فترى محمد الدرة وفارس عودة وبعض الاستشهاديين والاستشهاديات دون ذكر الأسماء لأنهم نموذج رامز للشعب الفلسطيني الذي يقف متأهبا للتضحية مثلهم، وترى العدو الجبان يتراجع غصباً عنه أمام الإصرار الفلسطيني ذي العزم.
وختم الكاتب سعيد أبو نعسة قائلاً: إن هذه القصص القصيرة تختزل الواقع العربي العربي، والعربي الفلسطيني، والفلسطيني الأعزل في مواجهة الصهاينة، كل ذلك بتكثيف مقصود يكشف القارئ معه بسهولة ما خلف الحروف، فيبتسم والدمعة تنحدر على خده، ثم يقوم ليأخذ دوره في التغيير قبل أن...
قبل أن ماذا ؟
قبل استفحال تهجير العرب وانقراضهم، وقبل الخروج من الجغرافيا بعد أن خرجوا من التاريخ.


