بقلم: راغدة عسيران
مع تصاعد حالات التوحش الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني، كثرت التساؤلات حول المجتمع الدولي ودوره في حماية الشعب الفلسطيني، كما تردّدت النداءات المطالبة بتدخله لوضع حد للقتل الممنهج الذي يمارسه الاحتلال بحق أبناء الشعب الفلسطيني، وبحق الأطفال خاصة، ووضع حد للاستيطان، وحماية الأسرى والمقدسات.
وخلال الفترة الأخيرة، تم المقارنة بين التدخّل السريع لهذا المجتمع الدولي أو الجزء منه، الى جانب أوكرانيا ضد روسيا، وبين فلسطين التي تعاني الدمار والقتل والنهب منذ عقود من الزمن، والتي لم يلتفت اليها المجمتع الدولي لحماية شعبها.
هذه التساؤلات والنداءات المحقة والنابعة من الشعور بالظلم والقهر وأحيانا العجز، تطرح أسئلة مبدئية حول دور المجتمع الدولي، فيما يخص القضية الفلسطينية والعالم العربي، ومتى يستجيب هذا المجتمع، المؤلف من هيئات ودول نصَّبت نفسها كمرجعية سياسية في العالم، الى نداءات الشعوب المقهورة التي تطالب بلجم العدوان عليها وحمايتها.
ماذا يعني التوجّه الى المجتمع الدولي، وهل يمكن الاعتماد عليه لدعم التحرّر من الاحتلال واسترجاع الحقوق الشرعية، حقوق الشعب الفلسطيني وحقوق الأمة وشعوبها؟
يتكوّن ما يسمى بالمجتمع الدولي من الدول التي سيطرت على مجلس الأمن في هيئة الأمم المتحدة، وأهمها الولايات المتحدة الأميركية، التي فرضت داخله نظرتها وسياستها العدوانية على شعوب العالم، رغم التناقض أحيانا بين دول المعسكر الغربي من جهة ودولتي روسيا والصين من جهة أخرى، لا سيما في الفترة الأخيرة. الى جانب هذه الدول، يضم المجتمع الدولي منظمات دولية وهيئات يتم تشكيلها من أجل حلّ بعض الصراعات التي تندلع بين الدول والكيانات والشعوب. لذلك، لا يمكن اعتبار المجتمع الدولي منظمة أو هيئة بحد ذاته، بل منظومة متشكلّة من عدة قوى سياسية واقتصادية وعسكرية تتدخّل في الصراعات، أحيانا بالحرب، وأحيانا أخرى بالحصار والعقوبات الاقتصادية، وتقترح أو تفرض حلولا بما يناسب مصالح القوى العظمى المسيطرة عليها.
وتختلف هذه المنظومة المعادية لمصلحة الشعوب عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي تشارك فيها كافة الدول والكيانات المعترف بها من قبل الأمم المتحدة، والتي تصدر أحيانا قرارات وبيانات لصالح حرية الشعوب ونضالاتهم، دون أن تملك أي قوة لتنفيذ قراراتها. فيمكن اعتبارها نوع من الدعم المعنوي لحقوق الشعوب وأحيانا، من خلال التصويت على قضايا معينة، كالقضية الفلسطينية، مؤشر على مدى تفاعل الشعوب وحكامها مع الشعب الفلسطيني ومظلوميته، أو على مدى تغلغل النفوذ الصهيو – أميركي في هذه الدولة أو تلك.
لذلك، لا يتدخّل المجتمع الدولي من أجل دعم شعب أو حركة تحررية في العالم، رغم الشعارات التي يتغنى بها حول الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، لأن الحركات التحررية، وأهمها الحركة الفلسطينية، تناضل أساسا ضد السيطرة الأميركية وأدواتها، إذ يعتبرها المجتمع الدولي تهديدا لمواصلة هيمنته ونهبه لثروات الشعوب، وإن تدخّل، فيكون لصالح القوى والكيانات المعتدية، التي تؤمن سيطرته، وذلك عندما يتهددها الخطر ويشعر بزعزعة وضعها واستقرارها، ومصيرها.
هذا ما يمكن استنتاجه من تدخّل المجتمع الدولي في العام 2002 خلال انتفاضة الأقصى، لصالح كيان العدو، حين حشدت الإدارة الأمريكية رؤساء العالم في شرم الشيخ، بجمهورية مصر العربية، لممارسة الضغط على المقاومة الفلسطينية، لوقف عملياتها التي استهدفت مدن الكيان الغاصب.. وكانت أبرزت نتائج هذه "القمة" تشكيل ما سمي بـ"الرباعية الدولية"، المؤلفة من أربعة كيانات هي: (الأمم المتحدة، الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي وروسيا) وترأسها وزير خارجية بريطانيا السابق توني بلير.
قد يعتقد البعض أن تشكيل هذه "الرباعية" وتدخلها في الصراع بين الكيان الاستيطاني الصهيوني من جهة، والشعب الفلسطيني وتمثيله بالسلطة الفلسطينية من جهة أخرى، جاء على أساس حماية الشعب الفلسطيني من القتل والعدوان "الإسرائيلي"، إلا أن مسارها أثبت أنها تشكّلت من أجل الضغط على السلطة الفلسطينية لإيقاف الانتفاضة التي هزّت الكيان الصهيوني بالعمق، خاصة بالعمليات الاستشهادية. وهو ما يؤكد وظيفة المجتمع الدولي الذي يتدخّل لإنقاذ أصدقائه، المستوطنين الصهاينة وكيانهم، رغم ادعاءاته بأنه يطمح الى إرساء "السلام" في المنطقة، وإيجاد حل نهائي للصراع "الإسرائيلي – الفلسطيني" عبر إقامة دولة فلسطينية الى جانب الكيان الصهيوني.
وتشير المراجع حول الموضوع الى المبادئ التي تستند اليها الرباعية الدولية التي وضعت "خريطة الطريق" لإيجاد "الحل الدائم"، وهي: "نبذ العنف" والاعتراف بشرعية كيان العدو وقبول الاتفاقات السابقة، ما يدلّ على أن ما يسمى "الشرعية الدولية" تدخّلت لإنقاذ السيطرة الصهيونية الأمنية على فلسطين المحتلة وليس لتطبيق القرارات الدولية الخاصة بالقضية الفلسطينية، وإن كان بعضها مجحف بالحق الفلسطيني الخالص بوطنه.
هذا ما أكده الراحل د. رمضان عبد الله شلح، الأمين العام السابق لحركة الجهاد الإسلامي في العام 2002، عندما صرّح أن "عجز قوات الاحتلال رغم استخدامها كل وسائل القوة لديها لكبح الانتفاضة واستمرار المقاومة في ضرب العمق الصهيوني جعل "إسرائيل" تلجأ إلى أميركا والاتحاد الأوروبي للعمل على وقف العمليات الاستشهادية التي كبدت الاحتلال خسائر بشرية ومادية لم يعد قادراً على دفع المزيد منها، وهنا جاء الضغط الأميركي الأوروبي على مجموعة من الفلسطينيين المرتبطين معهم بثقافاتهم وأموالهم لكي يصدروا بيانات ومواقف تضغط على الساسة والقوى الفلسطينية حتى يتحدثوا بلسان عدم جدوى الانتفاضة وعدم القدرة على المقاومة المسلحة في مواجهة الآلة العسكرية "الإسرائيلية" وأنّ الحجارة لا تجدي نفعاً والعمل الاستشهادي هو انتحار وارهاب للمدنيين في "إسرائيل" لا يجب اللجوء اليه حتى لا نخسر أمام الرأي العام العالمي!"
لقد مارست الرباعية الدولية، الممثلة للمجتمع الدولي، الضغوط المستمرة على السلطة الفلسطينية، ليس فقط من أجل إيقاف الانتفاضة المندلعة، بل من أجل الذهاب الى مفاوضات مع الكيان المحتل والتنازل التدريجي له، أمنيا من خلال "التنسيق الأمني" وملاحقة المقاومين وزجهم في السجون.. واقتصاديا من خلال إلحاق الاقتصاد الفلسطيني بالكيان الاستيطاني وتدمير ممنهج لأي اقتصاد شبه مستقل في أراضي السلطة الفلسطينية، والتركيز على بناء مؤسسات السلطة، وخاصة "الأجهزة الأمنية"، بدلا من التركيز على نهب الأرض وتوسيع الاستيطان، حتى بات المستوطنون في الضفة الغربية يشكلون أكثر من نصف مليون نسمة، يهدّدون بعنفهم وحمايتهم المسلحة من قبل جيش العدو، الفلسطينيين وقراهم وبلداتهم وطرقهم ومزارعهم.
لكن، بالنسبة للرباعية الدولية وسائر الكيانات السياسية الغربية، فـ"العنف" هو عنف المقاومة التي يجب محاربته وإيقافه، "لتعزيز عملية السلام في الشرق الأوسط". وتواصلت ضغوط الكيانات السياسية الغربية على السلطة، كلما تراجعت، الى حد أنها تبنّت كليا الرؤية الصهيونية إزاء المناهج التعليمية الفلسطينية وأصبحت تبتز السلطة بوقف تمويلها مقابل تغيير هذه المناهج، كونها تروي التاريخ وتعبّر عن الهوية الفلسطينية، بالحدود المسموح بها في ظل "الشرعية الدولية".
المجتمع الدولي لا يتدخّل إلا لحماية مصالحه ومصالح أصدقائه، كما توضّح ذلك في الصراع بين روسيا وأوكرانيا، الممثلة للمصالح الأميركية والغربية عموما في وجه روسيا. وقد يتدخل في الصراع العربي – الصهيوني الى جانب "إسرائيل" إذا توسعّت المقاومة الفلسطينية وباتت تهدّد استقرارها وأمن المستوطنين.
لذلك، فإن المجتمع الدولي لم ولن يصغِ الى الأصوات المطالبة بتدخلّه لكفّ العدوان الهمجي الصهيوني المتواصل على الشعب الفلسطيني، بل سيتدخل من أجل إنقاذ "إسرائيل" في حال اشتدت المقاومة الفلسطينية وتوسّعت. حينها سيطالب بـ"التهدئة" وسيقترح من جديد مفاوضات من أجل "السلام". ما يعني أن الحلّ هو بالمقاومة أولا وأخيرا، وليس بالاستجداء، لأن وجود ما يسمى بالمجتمع الدولي هو أساسا من أجل الدفاع عن الكيان الصهيوني والقوى الشبيهة والداعمة له.
