/مقالات/ عرض الخبر

وسائل التواصل الإجتماعي من قلب الحدث: ما بين تاريخ فلسطين وحاضرها

2022/05/25 الساعة 11:01 ص

بقلم: ندى أحمد*

بدأ الغربيون برحلة بحث عن الوقائع الحقيقية في قضية الإحتلال "الإسرائيلي" للأرض الفلسطينية وقمع الشعب الفلسطيني بأبشع الوسائل وأعتى الطرق، وهذا التحول حصل بعد أن كشفت وسائل التواصل الإجتماعي الحديثة فداحة جرائم الإحتلال وممارساته الغاشمة لا سيما منذ معركة "سيف القدس" في العام المنصرم وحتى يومنا هذا. وقد شكّل الوعي الوطني والسياسي عند الجيل الفلسطيني الشاب قاعدةً متينة كان لها الدور الأكبر في تسليط الضوء على معاناتهم اليومية  من خلال التطبيقات التي تتخذها الغالبية العظمى من فئة الشباب حول العالم كوسيلة للترفيه وإضاعة الوقت. وكعادته يرتقي الشباب الفلسطيني بهذه التطبيقات لمستوى قضيتنا العادلة وبالصورة المباشرة.

وقد أجاد الشباب الفلسطيني في الداخل المحتل، لا سيما بمدينة القدس، استخدام كافة وسائل التواصل الاجتماعي في خدمة القضية. أخص بالذكر منهم من أقدم على تأسيس صفحات الرحالة على تطبيق "الإنستغرام"، والقيام برحلات إستكشافية تعريفية لا سيما في الأراضي المحتلة عام 1948، مع التعريف التاريخي والجغرافي والديموغرافي لكل مدينة أو قرية. يدخلنا رحالة فلسطين الى مدننا وقرانا المحتلة، بأزقتها وشوارعها ومساجدها ومحالها التجارية وأماكنها التاريخية. لنتعرف معهم كمتابعين من الشتات على المدن والقرى الفلسطينية، المحتل منها والمهجر وحتى الممحي عن الخريطة أثناء التطهير العرقي الذي قامت به عصابات اليهود إبان النكبة التي طالت البشر والحجر وحتى الشجر.

كما ينشر الناشطون والناشطات الأحداث من خلال النقل المباشر على "إنستغرام" بشكل فوري "لايف"، وتثبيته على صفحاتهم قبل أن تقوم إدارة التطبيق بحذر المنشور بحجة العنف ومخالفة سياسته. يحصل هذا طبعاً بسبب كثرة التبليغات التي تقدم من المشاركين الإسرائيليين والمتأسرلين على الإنستغرام، لا سيما اللجنة الإلكترونية الإسرائيلية المؤلفة من طلاب إسرائيليين، وهي تابعة لتطبيق "آكت.إسرائيل" التي ترسل توجيهاتها لهؤلاء الطلاب المجندين للتحرك إلكترونياً ضد منشور أو حساب معين في تخطيط لكتم صاحبه عن حرية التعبير وإخفاء الحقيقة عن أعين العالم.

 تيقظ الشباب الفلسطيني لطريقة عمل خوارزميات الحقيقة عن أعين العالم. عن حرية التعبير وإخفاء الإنستغرام ويقومون بالتلاعب الذكي وبشكل منتظم من خلال دمج الأحرف العربية بالأنكليزية مع بعض الإشارات مما يصعّب عمل لجان المراقبة والمتابعة.

أما المنافس الأول للإنستغرام فهو تطبيق "تيك توك" الصيني الذي يحظى بشعبية كبيرة في أوساط الشباب في فلسطين. هو تطبيق يُستخدم عادةً للترفيه، إلا أن شبابنا أجادوا استخدامه لنشر محتوى متعلق بالصراع الفلسطيني "الإسرائيلي" بدءاً بأحداث حي الشيخ جراح في ظل القيود المسلطة على المنصات الأخرى. ساهمت سياسة "تيك توك" في وصول رسائل الفلسطينيين وأخبارهم للملايين كونه يتدخل بشكل أقل في المحتوى.   

وقام بعض الشباب بفتح غرف المحادثات من خلال تطبيق "كلوب هاوس". حيث ترى الفلسطينيين يجتمعون في غرفة محادثة يتناولون فيها كافة القضايا الاجتماعية والسياسية والتاريخية والدينية وقضايا الأسرى والمعتقلين؛ وحتى غرف التحادث والتعارف والتقارب. ومن الجدير بالذكر أنه على الرغم من حداثة هذا التطبيق إلا أنه يشهد تفاوتاً في الفئات العمرية والمستوى الأكاديمي بين المشتركين. فالبعض منهم يفتح باب النقاش والحوار، والبعض يشارك بأفكاره وخبراته، والبعض الآخر يفضل الإستماع. يمكنني تشبيه هذا التطبيق بجهاز الراديو للمستمع أو بحلقة نقاش في إحدى المنتديات حيث يمكنك كمستمع أن ترفع يدك للقيام بمكالمة - مداخلة. ساهم هذا التطبيق بالجمع بين فلسطينيي الداخل والضفة وغزة والشتات من خلال المحادثات والتعارف وتبادل خبرات اللجوء والصمود وأحلام العودة التي باتت يقيناً بعد الانتصار في العام 2021، الذي قلب الموازين وغيّر قواعد لعبة الحرب ليصبح قرار الهجوم وبداية أي حرب جديدة بيد المقاومة الفلسطينية منفردة.

أما "كتاب الوجه" أي "الفايسبوك" فهو غني عن التعريف اليوم، فصفحاته أكثر إخبارية وشمولية بحيث تقوم صفحات وقنوات مثل الجرمق، غزة الآن، وكالة فلسطين اليوم الإخبارية، تلفزيون فلسطين اليوم، الميادين، والمنتديات الإخبارية الأخرى بنقل الحدث بالصورة والمباشر. إلا أن سياسة "فايسبوك" المنحازة "لإسرائيل" علناً تقترف ذات أساليب تكميم الأفواه وقمع حرية التعبير الفلسطيني تحديداً من خلال تجميد الحسابات الشخصية والصفحات العامة، وحظر النشر أو النقل المباشر بحجة مخالفة سياسة "فايسبوك"؛ متبعة بذلك نفس السياسة أسوةً بإدارة الإنستغرام. ومن الجدير ذكره هنا بأن مستشارة بنيامين نتنياهو والناشطة في حزب الليكود ورئيسة موظفي السفارة "الإسرائيلية" في واشنطن سابقاً والتي إنتقلت للعيش في "إسرائيل" في العام 2007، جوردانا كاتلر، هي نفسها مديرة السياسات العامة "لفايسبوك" في "إسرائيل والشتات اليهودي"، وهي مخوّلة بحذف أي منشور ضد دولة الإحتلال يتم نشره من أي حساب حول العالم. 

ويُعدّ "تويتر" تطبيقاً أكثر إخبارياً شخصياً، يقوم من خلاله صاحب الحساب بتوجيه الرسائل للمتابعين والعموم. تجد العديد من السياسيين حول العالم أكثر نشاطاً على تويتر دون سواه من التطبيقات. يتم استخدامه من قبل الشبان الفلسطينيين المتكلمين باللغات الأجنبية على وجه الخصوص، بحيث تتوجه تغريداتهم للمنظمات الحقوقية أو لسياسيين معينين من خلال ذكرهم لربط المنشور بحساباتهم الخاص.

حديثاً، بدأ تطبيق "التلغرام" بأخذ دور هام في عالم التواصل السريع، يمكن إستخدامه للمحادثات الخاصة كما الواتساب، أو لفتح صفحات إخبارية سريعة تبث الأحداث لحظةً بلحظة، كما يتضمن نشر للصور والفيديوهات بدون رقابة. هي مساحة أكثر حريةً تسمح للمتابعين بالتفاعل من خلال التعليق والإعجاب. وقد تجد العديد من هذه الصفحات نفسها على تطبيق "الإنستغرام" وسواه. هنالك صفحات عامة مثل قناة الميادين وغزة الآن؛ كما تجد الأكثر تحديداً منها كما صفحات جنين، الضفة الآن، أخبار القدس وفلسطين وغيرها الكثير.

وهناك التطبيق العربي "باز"، أول تطبيق باللغة العربية. يتم التداول به بين فئة الشبان والشابات تحديداً لنشر الصور ومشاركتها. لا يزال هذا التطبيق مستحدثاً بالمقارنة مع سواه من التطبيقات الأخرى.

إن هذه الوسائل بغالبيتها هي سيف ذو حدين. فعلى الرغم من دورها الفعّال في نشر الوقائع الفلسطينية وفضح المحتل وجرائمه باللغات العربية والانكليزية بشكل خاص، إلا أنها سيف مسلّط على رقاب الشباب الفلسطيني المعرّض للإعتقال بسبب منشورٍ ما، أو من خلال تصويره الخبر حين تواجده في قلب الحدث. تماماً كما حصل في الأسبوع الماضي عند مشاهدتي لفيديو يوثق لحظة اعتقال الشاب أبو غربية من باب العامود في القدس المحتلة بسبب صورة تم نشرها على الأخبار بحسب ما أفاد. هذا على الرغم من تواجد كاميرات المراقبة في كل زوايا الأرض المحتلة، وبالأخص مدينة القدس.

وبالتالي نجحت هذه الوسائل بكشف كذب الإحتلال، وما يدّعيه من ديمقراطية وحرية تعبير وتعايش مع الشعب الفلسطيني في الداخل، وفضحت قمعهم لحرية التعبير والتنقل والصلاة لا سيما من خلال أحداث المسجد الأقصى والإقتحامات المتتالية وتدنيس المسجد وتكسيره، وحتى لحرية إرتداء أي قطعة قماش تدل على فلسطين أو رمز من رموز المقاومة الفلسطينية.

لقد أشعلت معركة "سيف القدس" شرارة التحرير، وجاءت إعتداءات قوات الإحتلال على المرابطين والمصلين في المسجد الأقصى كما الإقتحامات والإستفزازات المستمرة من قبل المستوطنين المحميين من جنودهم لتصب الزيت فوق تلك الشرارة. وكان ما كان للنقل المباشر من خلال وسائل التواصل من تأثير في تأجيج الرأي العام العربي والعالمي والتفافه مجدداً حول راية المقاومة الفلسطينية بكافة فصائلها. 

لم تنته أحداث الأمس بعد، نوافيكم دائماً بالجديد. 

*كاتبة فلسطينية –الولايات المتحدة الأمريكية  

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/182261

اقرأ أيضا