في السجون الصهيونية المظلمة، يواصل الأسرى نضالهم في سبيل التحرير، تحرير الوطن والانسان من الظلم والتوحشّ والإرهاب الصهيوني. لقد تنوّع انتاجهم الأدبي والفكري والفني، رغم ظروف الاعتقال السيئة، حيث أن مصلحة السجون الصهيونية وأدواتها القمعية تعاقب الأسرى وتمنع عنهم الاستقرار، وفي محطات كثيرة من فترات اعتقالهم، يتم نقلهم من سجن لآخر، أو من قسم لآخر، ويتم تفتيش غرفهم ومصادرة كتاباتهم، وأحيانا إتلافها، ما يعني أن الظروف التي يعيشها الأسرى غير مناسبة للانتاج الفكري.
رغم ذلك، يبدع الأسرى في اختراع أدوات للكتابة أو الرسم، عندما تكون مصادرة من قبل السجان، أو لحفر الأنفاق والتواصل مع بعضهم ومع الخارج، وفي إيجاد طرق لتهريب إنتاجهم الى الخارج، ايمانا منهم بأن عليهم مواصلة الكفاح، بما يناسب وضعهم كأسرى حرب، بانتظار تحرّرهم.
تمثل كتابات الأسرى عن حياتهم الاعتقالية في سجون العدو أهم المراجع والشهادات عما يجري داخل السجون الصهيونية من تنكيل وتعذيب، وعن الظروف القاسية التي يعيشون فيها في الغرف أو في العزل، وعن الأمراض التي تلاحقهم دون أي رعاية صحية من قبل السجان، وعن اقتحامات القوات القمعية الخاصة، ومسائل عديدة مثل الزيارات، ورحيل أفراد من العائلة دون وداعهم، والفورة ووجبات الطعام الرديئة.
ولكن من جهة أخرى، هي شهادات عن نضالاتهم ومعاركهم العديدة وتحدّيهم اليومي للسجان، في تنظيم شؤونهم وتدبير حياتهم والتضامن فيما بينهم ومشاركتهم أحزانهم وأفراحهم، وتفعيل الحلقات التثقيفية والتعليمية، وتهريب النطف من أجل مواصلة الحياة خارج السجن، واتصالاتهم الهاتفية عبر الهواتف والشرائح المهربة... كلها أمور كتب عنها الأسرى والأسيرات، من داخل السجن أو بعد التحرّر.
كتب ومؤلفات الأسرى
وتناولت بعض الكتب الحياة الاعتقالية بصورة عامة وكيف ينظّم الأسرى صفوفهم داخل تنظيماتهم لمواجهة المحتل، وهو موضوع كتاب "عالم السجون الصهيونية" (2020) للأسير المحرّر رومل كامل العطاونة من الخليل. وكتب الأسير القائد أحمد سعدات، الأمين العام للجبهة الشعبية، في كتابه "صدى القيد" عن سياسة العزل التي ينتهجها العدو لمحاربة الأسرى القياديين. وخصّص الأسير المحرر جمعة التايه، من قرية كفر نعمة محافظة رام الله، كتابه حول "البوسطة"، كأحد الأمكنة حيث يمارس السجان عنجيته ووحشيته، فروى قصصا حقيقية وقعت خلال رحلة هذه العلبة الحديدية، التي تنقل الأسرى من مكان الى آخر.
وكتب الأسير المحرر وليد الهودلي، من قرية العباسية قضاء مدينة يافا، والمولود في مخيم الجلزون، عن سجن الرملة بعنوان "مدافن الأحياء" وما يعتبره السجان عيادة السجن، حيث ينقل الأسرى المرضى للعلاج أو انتظار الاستشهاد، وله كتاب آخر عن التحقيق والتعذيب بعنوان "ستائر العتمة"، الذي تم تحويله الى فيلم، وكان قد نبّه الى مسألة "العصافير"، هؤلاء العملاء الذين ينقلون أخبار الأسرى الى المخابرات الصهيونية ويساهمون في ايقاع الأسير.
وكتب الأسير أسامة الحروب من جنين، قبل تحرره في العام 2018، رواية "قيود الرياحين" عن حياة الأسيرات، وظروف اعتقالهن، عبر سرده لرحلة عذاب لطالبتين يتم توقيفهن على حاجز شمال الضفة الغربية، واعتقالهن والتحقيق معهن، الى يوم الإفراج عنهن بعد 18 شهرا.
جمع كتاب "ترانيم اليمامة" (2022)، ذكريات 11 أسيرة تحرّرت من السجن. كانت قد اعتقلت منذ انتفاضة الحجارة في العام 1987، كالأسيرة المحرّرة شريفة علي أبو نجم من قرية قريوت قضاء نابلس، أو قبل، في العام 1986، حيث تم اعتقال الطفلة نهاد عبد الله وهدان، في مخيم الجلزون (16 عاما)، أو خلال انتفاضة الأقصى، والفترة بين الانتفاضتين. تروي كل أسيرة كيف وأين تم اعتقالها، ثم تعذيبها، وعزلها، بطريقتها الخاصة وفقا لتجربتها ومشاعرها في ذلك الوقت.
من خلال هذه الشهادات المؤثرة، يمكن متابعة تجربة الحركة الأسيرة النسائية، وتطورها الى يومنا هذا. في الكتاب شهادات للأسيرة المحررة عطاف عليان عن عزلها في معسكر عتصيون، عندما تم اعتقالها مجددا في العام 2002، والأسيرة المحررة منى قعدان من بلدة عرابة (جنين)، التي كان العدو قد اعتقلها مجددا في العام 1999، وأعاد اعتقلالها عام 2021. ضمّ الكتاب أيضا شهادات الأسيرة المحررة تغريد سعدي، من سخنين، والطفلة عهود عباس شويكي، من مخيم عسكر القديم، التي اعتقلت وكان عمرها 15 سنة، وغيرها من الأسيرات المحررات. والجدير بالذكر أن الاسيرتين عطاف عليان ومنى قعدان قد خاضتا الإضراب عن الطعام في سجون العدو، في العام 1998.
معارك الأمعاء الخاوية
عن تجربة الإضراب عن الطعام، الفردي والجماعي، صدرت عدة كتب تقيّم هذه التجربة، منها كتاب الشهيد سيطان الولي (1966-2011) بعنوان "سلال الجوع"، وهو أسير من الجولان السوري المحتل، تم الإفراج عنه بعد ان انتشر المرض في جسمه، كي لا يتحمّل العدو جريمة قتله بسبب الإهمال الطبي المتعمد. يقيّم في كتابه الإضراب عن الطعام الذي أعلنته الحركة الأسيرة في العام 2004، خلال الانتفاضة، وسبب فشله، وما العمل من أجل نجاح هذا النوع من النضال، بعد اتفاقيات أوسلو وتغيير البنية التنظيمية في السجون، بسبب الإفراجات من جهة وارتفاع عدد الأسرى منذ بداية الانتفاضة، من جهة أخرى. حاول الشهيد سيطان الولي دراسة التجربة من جميع نواحيها ليستخلص دروسا ومواصلة المقاومة في السجون وقدّم اقتراحات لإعادة بناء الحركة الأسيرة. يبقى هذه الكتاب وثيقة مهمة تركها أحد شهداء الحركة الأسيرة الفلسطينية، يدرس فيها تحول الأوضاع في السجون الصهيونية، في مرحلة مفصلية من تاريخ الصراع مع الصهاينة وانعاكاساته على الحركة الأسيرة.
كما صدر عدة كتب تقيّم الإضراب الذي خاضه 1600 أسير في يوم 17/4/2012، في معركة تميّزت "بقيمتها الانسانية والأخلاقية، وتنبع تلك القيمة في كون هذه المعركة خاضها الأسرى نصرة لزملائهم أو تضحية من أجل إخوانهم المعزولين".
ما هي أسباب نجاح هذه المعركة، وكيف تطورّت، ومن هم بعض أبطالها؟
يقيّم الأسيران المحرّران علي رفيق شواهنة في كتاب "إضراب الكرامة 2012"، وطارق سلمي أبو شلوف في كتاب "في رحاب الجوع المقدس"، تجربة الإضراب عن الطعام في العام 2012، الذي تكلّل بالنجاح بعد رضوخ إدارة السجون لمطالب الأسرى المحقّة. ويمثل هذان الكتابان شهادتان متكاملتان حول أهم معارك "الأمعاء الخاومية" الجماعية التي خاضها الأسرى في هذه الفترة.
تناول كتاب "إضراب الكرامة" التحضيرات للإضراب بشكل واضح وممنهج، لشرح أهمية خوض هذه المعركة للخروج من "عقدة إضراب 2004"، وبعد "صفقة الأحرار" في تشرين الأول/أكتوبر 2011، واستكمالا لمعركة الكرامة التي خاضها الأسير المحرر الشيخ خضر عدنان في يوم 18/12/2011، وهو الذي "أشعل الثورة والكرامة والعنفوان في نفس كل أسير مخلص"، وحيث "أسس إضرابة نهجا وفكرا وثقافة جديدة ضمن فكرة وثقافة المواجهة والتحدي والانتصار للذات وللحركة الأسيرة بشكل عام".
لقد تشكلت اللجنة القيادية العليا من كافة الفصائل المشاركة في هذا الإضراب (9 أعضاء)، وتم ضبط عملها، لتجاوز أخطاء معركة 2004. ثم تم تحديد "الخطوات التكتيكية التصاعدية التي تسبق الخطوات الإستراتيجية"، ومنها خطوة "الفوضى المنظمة". ولضمان عدم الإستفراد بالقرارات وتوسيع المعركة، تم تشكيل لجان إعلامية ومجالس إستشارية، وتم تحديد العقوبات على من يفرط بالإضراب. ويصف الكاتب الإرهاب الصهيوني الممنهج وأساليبه الملتوية لإنهاء معركة الاسرى، ومحاولاته لضرب وحدتهم.
يؤكد الأسير المحرّر طارق سلمي أبو شلوف على أهمية معركة الكرامة التي خاضها الأسير المحرر الشيخ خضر عدنان، وبعده الأسيرة المحررة المبعدة هناء الشلبي وأخرون، في إشعال السجون والتفكير الجدّي في خوض معركة جماعية ضد السجان الصهيوني.
في هذا الكتاب – الشهادة، يؤدي الكاتب دور الصحفي الذي عليه مهمة توثيق المعركة، لكن صحفي غير محايد لأن "إنسانيتي الثورية انتصرت على المهنية المصطنعة، فالتزمت معسكر المقاتلين الذي انتمي اليه دوما".
لقد أورد الكاتب عدة بيانات كانت الحركة الأسيرة، و"لجنة التعبئة والتوجيه" قد أصدرتها قبل بدء المعركة، لتوضيح أسباب الإضراب وأهميته في هذا الوقت، ثم لشرح كيفية المحافظة على صحة المضرب من خلال بعض الإرشادات الطبية، قبل وأثناء وبعد الإضراب عن الطعام.
يروي الكاتب اللقاء مع لجنة الصليب الأحمر، "الظاهرة الصوتية"، حيث أكّدت مندوبتها أن "مساحتنا محدودة"، بعد الأسئلة التي وجهت اليها من قبل الأسرى المضربين، حول دور اللجنة في دعم معركة الأسرى. وأورد أيضا مقابلة مطوّلة مع أحد أعضاء الهيئة القيادية للإضراب، الأسير (المحرّر) جمعة التايه، ثم مع أسرى خاضوا هذه التجربة وكانوا أعضاء في اللجان التي تشكلت لخوض المعركة.
هذه الكتب ليست إلا عيّنة صغيرة عن انتاج الأسرى النوعي والمتنوّع. فهم لم يكتفوا بوصف وضعهم ونضالهم، بل خاضوا تجربة الرواية، والدراسات الدينية والفقهية والأدبية، والتاريخية والسياسية. بهذه الطريقة، يواصل الأسرى تحديهم للسجّان الصهيوني ويشاركون في مقاومة شعبهم، حيث يشكّل انتاجهم الفكري أهم مكوّنات ثقافة المقاومة.