منذ معركة "سيف القدس" قبل عام، وعملية الهروب الكبيرة من سجن جلبوع، التي نفّذها أبطال جنين، بدأ مشهد الصراع مع الكيان الصهيوني يتوضّح أكثر فأكثر حتى وصلت الأمور الى ما هو عليه اليوم: كيان استعماري استيطاني إرهابي مدعوم من قوى عالمية، أولها الولايات المتحدة، يشنّ هجوما وحشيا على الشعب الفلسطيني الرافض لسرقة وطنه وأراضيه وتهويد مقدساته. في المقابل، شعب شجاع ومضحيّ يقف وحده في الميدان، يواجه بكل قواه الحيّة الآلة الحربية الصهيونية، وشعب مبدع في كل الميادين، لا يترك وسيلة لمقاومة الاحتلال والصمود في أرضه والدفاع عن المقدسات إلا وينتهجها. قد تسمى مقاومة شعبية أو مقاومة مسلّحة، فهي مقاومة شعب يختار ما يناسبه في المكان والزمان المعيّن، بعد الحصار العربي عليه ومنع تدفّق الأسلحة والمال لدعم مقاومته.
وضوح المشهد الحالي يكمن في العودة الى أساس الصراع وإزالة الأغلفة التضليلية التي تراكمت منذ عقود : الصراع على الأرض والتاريخ والجغرافيا والعقيدة، أو كما قال القائد المجاهد، أمين عام حركة الجهاد الإسلامي، زياد النخالة قبل أيام "نختلف على نفس الجغرافيا ونفس الأرض ونفس المقدّس". من أعلى قمة السلطة السياسية والحربية الى أسفل سلّم مجتمع المستوطنين، الجدد والقدامى، المنتمين الى دول الشرق أو الغرب، كلهم يتزاحمون لنيل أعلى درجة الوحشية والكراهية والعدوانية إزاء شعب يرفض الرضوخ لاملاءاتهم.
لقد استعادوا الوحشية التي مارسوها خلال النكبة، عندما كانت عصابات المستوطنين تطلق هجماتها على القرى وأحياء المدن الفلسطينية لترهيب الناس وجعل أهلها ينزحون تاركين وراءهم حياتهم وأمواتهم وتاريخهم، وأحيانا أطفالهم وشيوخهم ومرضاهم. بذريعة "أمنهم المقدّس"، يدوس الغزاة على كافة القيم الانسانية، يعذّبون المعتقلين، ومنهم الأطفال (أحمد مناصرة)، يمنعون العلاج للأسرى المرضى، ويقتحمون السجون وكأنهم في ساحة حرب حقيقية، ويعدمون الفتيات والفتيان على حواجزهم المنصوبة في الضفة الغربية لإذلال الناس واصطيادهم.
توضّح المشهد أكثر مع صمت المجتمع الدولي بزعامة الولايات المتحدة، وكل من يدور بفلكها، الأنظمة العربية المطبّعة وغير المطبّعة بل المستسلمة للنظام العالمي الظالم وتبحث عن رضاه، وتشارك بعض الدول العربية، بأموالها، بهذه الهجمة الإرهابية، وبإعلامها وعلاقاتها التجارية مع كيان لم يعد يخفي همجيته وكراهيته للشعوب الحرة.
اتضّح المشهد بالمقابل عندما انتهج الشعب الفلسطيني، بكل مكوّناته، نهج المقاومة، على أرض فلسطين التاريخية، المحتلة عام 1948 وما بعد. صعدت موجة الاحتجاجات الشعبية ضد المؤسسة الصهيونية القمعية ومستوطنيها الهمجيين في كل مدن وبلدات الداخل، الى جانب مدينة القدس وضواحيها، قبل وأثناء وبعد معركة "سيف القدس" وتعمّق الشرخ في كيان العدو بين الفلسطينيين الذين يرفضون وهم المواطنة "الإسرائيلية" وبين المستوطنين اليهود الغزاة.
لقد منعت هذه المواطنة توضيح الصورة الحقيقية للصراع، بين المستوطنين الذين تم شرعنة كيانهم من قبل مجتمع دولي متواطئ وجبان، وبين الشعب الأصيل الذي يستمد قوته من حقه الخالص بأرضه ووطنه ومقدساته، والذي يتشبّث بتاريخه وجغرافيته. وما عمليتا بئر السبع والخضيرة البطوليتان إلا تعبيرا عن إرادة شعب حرّ يسعى للتخلّص من الاستعمارالمجرم، بكل ما يملكه من وسائل.
اتضح المشهد بعد صعود المقاومة في جنين ومخيمها وبلداتها، حيث ظهرت كتيبة جنين بشبابها الأبطال التي قرّرت قتال العدو وتوجيه سلاحها ضد المحتل، وملاحقته وتكبيده أكبر قدر من الخسائر. وطغت صورة المقاومين على صورة الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة، التي تنسّق مع العدو لملاحقة الشباب الثائر والتي تحمي المستوطنين وتشرعن روايتهم الكاذبة حول المقدسات والأماكن التاريخية الفلسطينية. وتوضّح المشهد أكثر مع انتقال الثوار المجاهدين من منطقة جنين الى كل مدن الضفة، شمالا وجنوبا، وفي المخيمات والبلدات، رافضة لكل التنسيق والتعاون مع العدو، وعلا صوت المسيرات الغاضبة التي تجتاح الضفة وقطاع غزة، وأم الفحم وطمرة والناصرة، وتصاعدت المواجهات في المسجد الأقصى وحوله لمنع تهويده ومنع السيطرة الصهيونية على الحيّز العام الفلسطيني المقدسي، رغم الاحتلال العسكري للمدينة.
توضّح المشهد بعد معركة سيف القدس بترابط الساحات الفلسطينية كلها (قطاع غزة والقدس والداخل المحتل عام 1948 والضفة الغربية والشتات) وإرساء وحدة الشعب والأرض والقضية. تتدخّل المقاومة في قطاع غزة لنصرة حماة المسجد الأقصى وأهل القدس، ومخيم جنين، فيضطر العدو الى التراجع، ولو مؤقتا، بانتظار نجدته مجددا من الأنظمة العربية والدولية. لكن، لتسهيل اقتحام المسجد الأقصى، يضطر الى نشر المئات (بين 500 وألف) من عناصره وشنّ الهجوم على المصلين والمعتكفين داخله، واعتقال المئات من الشباب، وتدنيس المصليات وتكسير أبوابها ونوافذها، ونصب الحواجز في البلدة القديمة. المشهد هو حالة حرب بين غزاة همج وآلياتهم وسلاحهم، وبين شعب مقاوم بشبابه وأطفاله ونساءه وشيوخه، متسلحين بحبهم لوطنهم ومقدساتهم. يضطر العشرات من عناصر شرطة العدو الهجوم على مواطن واحد لإخراجه من المسجد لإخلاء الساحة للمستوطنين، كما لو كانوا يواجهون فرقا مدربّة على الحرب.
الصراع بين الحق الفلسطيني والرواية الكاذبة الصهيونية حول فلسطين والمنطقة بات واضحا. يحاول الصهاينة والمتعاونون معه في المجتمع الدولي، وأنظمة عربية خائنة لانتماء شعوبها، الاستيلاء على كل أرض فلسطين، بالقوة أو بالقوانين العنصرية والاستعمارية، وتشريد الشعب الفلسطيني أو إبقاءه على فتات من أرضه إذا استسلم ورفع الراية البيضاء وأصبح متصهينا وخادما لديهم. وفي المقابل، يواجه الشعب الفلسطيني، الذي يستمد قوته من ايمانه بالله ومن حقه ومن مساندة الشعوب الحرة، حرب الإبادة (إبادة شعب ومجتمع وحضارة وتاريخ) بمقاومة شاملة، مستخدما كل الأدوات والوسائل التي يملكها، من الصواريخ في قطاع غزة الى السكاكين في المناطق الأخرى، يقاتل ويقاوم ويحفر الأنفاق ويطعن. لم تعد تهمّه كثيرا التصريحات الرسمية العربية والعالمية التي تطلقها دول وأنظمة وهيئات، بعد انتقاء مفرداتها لتجنّب غضب الولايات المتحدة، بعد الجرائم الذي يرتكبها العدو، للمطالبة ب"التهدئة" و"العودة الى الوضع الراهن"، أي استمرار الاحتلال وتبعات الجريمة الكبرى.
وضوح المشهد في الميدان، بعد إزالة الأوهام (التسوية، حل الدولتين أو الدولة الواحدة مع المستوطنين، تجزئة الأرض والشعب والقضية) تزامن مع وضوح الخطاب الذي حمله الثوار الفلسطينيون والعرب منذ عقود، والذي اتهمه الواهمون بأنه حلم وغير واقعي وخطير، أو الذي نساه وتراجع عنه من وجد مصلحته الشخصية بالتلاقي مع المستوطنين، تحت مظلة الولايات المتحدة والعالم الرأسمالي، أو مع بعضهم، تحت شعار سياسي يتنكّر لطبيعة كيان الغزاة.
لقد نقل القائد المجاهد زياد النخالة، في تصريحاته الأخيرة، هذا الخطاب الواضح الذي تبناه معظم الشعب الفلسطيني، في فلسطين المحتلة وفي الشتات، بالقول أولا أن "ما يجري ليس فقط ردة فعل على السلوك "الإسرائيلي"، ما يجري هو تجسيد لحالة الصراع القائم على أرض فلسطين"، أي أن الصراع مستمر منذ قرن من الزمن، بين الصهاينة والفلسطينيين، لأنه صراع على الأرض والجغرافيا والمقدّس، وأن "وجود العدو على أرضنا هو سبب دائم للمواجهة.. والمقاومة هنا هي حالة واجبة طالما هناك احتلال، فالمقاومة هي الرد الطبيعي على الاحتلال". العمليات الفدائية ليست للانتقام من جرائم العدو الأخيرة، أو رد فعل عليها، بل هي الحالة الطبيعية التي يجب أن تسود، لأن الشعب الفلسطيني واقع تحت الاحتلال وعليه واجب الدفاع عن نفسه وتحرير الأرض. وإن "لم يقاتل اليوم سيقتل غدًا؛ بالإهانة، أو بالجوع، أو بالرصاص، لا فرق، ومن لم يقاتل اليوم سيرى أن ما بقي من أرضه ووطنه يذهب ولا يعود، من لم يقاتل اليوم سيرى القدس يهودية بأمّ عينيه، وسيرى أن فلسطين كل فلسطين أصبحت "إسرائيل"، ومن لم يقاتل اليوم سيرى نفسه بعد ذلك يقف في طابور الذل ليعمل في أرضه عبدًا لدى العدو (مقابلة مع موقع العهد اللبنانية (26/3/2022).
أما بالنسبة لمدينة القدس و"الخط الأحمر" الذي يهدّد البعض بعدم تجاوزه، أمام اعتداءات الصهاينة على المسجد الأقصى والقدس، فوضّح القائد النخالة أن "كلمة خط أحمر هي تضليل، المسجد الأقصى هو تحت الاحتلال الصهيوني المباشر منذ عام 1967"، وأن الصراع اليوم يدور حول "السيطرة الدينية على المسجد الأقصى. العدو مسيطر عسكرياً وسياسياً على المسجد الأقصى، والآن يريد السيطرة الدينية". يأتي هذا التوضيح لتذكير الذين يضعون "خط أحمر" لتحذير العدو من تجاوزاته، أن الصراع ليس فقط على الجزء المتبقي من السيطرة الفعلية، بل على أساس وجود الصهاينة في القدس. ماذا يفعل "الخط الأحمر" ومدينة القدس محتلة بكاملها، أين تأثير "الخط الأحمر" المتزحزح كلما تقدّم العدو بعدوانه وواصل تهويد المدينة والمقدسات؟ قد يكون ذبح القرابين خطوة مفصلية نحو تدمير المسجد الأقصى المبارك، لكن الأساس هو الانتهاكات اليومية التي يشهدها المسجد منذ سنوات، وفرض الوصاية الصهيونية عليه والتحكّم بدخول المصلين اليه، والتي تُوّجت مؤخرا، بسبب التواطؤ العربي وأوهام التسوية، بجريمة ذبح القرابين.
في هذا السياق، وضّح القائد المجاهد زياد النخالة موقف الدول العربية إزاء الصراع مع الكيان، حيث ان "المحيط العربي .. قرر سلفًا شطب فلسطين والقدس من أجندته لصالح العدو". واليوم، بعد قمة الشر والعار في النقب، "يتدخلون أيضا من أجل تهدئة الفلسطينيين حتى نصمت على اقتحامات المسجد الأقصى".
لم تقف بعض الدول العربية موقف المتفرج والصامت، بل تتدخّل لصالح العدوان، وإن صدر عنها بيانات تستنكر الاعتداءات على المسجد الأقصى والمصلّين، قبل يومين، فذلك بسبب المقاومة البطولية التي سطرّها المقدسيون وسائر الفلسطينيين للهجمة الإرهابية التي شنّتها قوات العدو، والتي أثارت الرأي العام لدى الشعوب الحرة، ولأنهم كسروا القرار العربي بعدم الاعتكاف في المسجد. يأتي توضيح الموقف العربي إزاء الصراع لحث الشعب الفلسطيني على اتخاذ المبادرة ومواصلة المواجهة دون الركون الى أي مساعدة عربية رسمية، حتى معنويا وإعلاميا. فمعظم الأنظمة العربية تدعم الكيان الصهيوني لإرضاء الولايات المتحدة والعالم الرأسمالي. فهي، بهذا الموقف، تعادي شعوبها. وعلى شعوبها الالتفاف حول المقاومة ودعمها إعلاميا وماليا والتصدي الجماهيري لمخططات الولايات المتحدة في بلدانها.