قائمة الموقع

تجدّد صورة الإرهاب الصهيوني

2022-03-24T09:18:39+02:00
عصابات المستوطنين المسلحة
بقلم: راغدة عسيران

لم تختف فعليا صورة الإرهاب الصهيوني منذ بداية الزحف الاستيطاني الى فلسطين، لكنها قد تخفت بين الحين والآخر، عندما تشعر دولة المستوطنين أنها تتحكّم بمجريات الأمور، وأنها تضبط الساحة من خلال أجهزة أمنية متعددة تمتلك التقنيات العالية لقمع ومراقبة وردع الفلسطينيين، وعندما يفتح لها الغرب الاستعماري مجال تجميل صورتها كدولة عصرية مشابهة له، لديها مؤسسات ومحاكم وقضاء وأحزاب.

لكن عادت الصورة الى الواجهة من جديد منذ بضع سنوات، مع دخول الكيان الصهيوني في أزمة وجودية عميقة، بعد الهزائم التي مني بها في حروبه الأخيرة ضد المقاومة في قطاع غزة ولبنان. فلم تساعده كل عمليات التطبيع التي تمت في السنوات الماضية، ولا الاتفاقيات الأمنية والاقتصادية التي أُبرمت معه، على تبييض صورته، بل على العكس، إذ بدت صورة الدول المطبّعة والمطبّعين أكثر سوادا، كونهم يتلاقون ويتفاهمون مع كيان استيطاني إرهابي ويدعمون إجرامه اليومي، ويستقبلون أركانه في دولهم ويرفعون أعلامه.

منذ بضع سنوات، صعّدت عصابات يهودية عملياتها الإرهابية ضد الشعب الفلسطيني، في كل أنحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة، في الضفة الغربية ومدينة القدس والأراضي المحتلة عام 1948، تحت مسميات مختلفة. قد تكون أحيانا هذه العصابات غير مرتبطة بأحزاب، لكن معظمها مرتبط بحاخامات أو بمدارس دينية تلمودية، التي تبيح قتل الفلسطينيين والعرب والمسلمين، وكل "الأغيار" بشكل عام، وتبيح الاعتداء على المقدسات الإسلامية والمسيحية وتدنيسها، وتحطيم الشواهد في المقابر وسرقة الأحجار وحرق المزروعات، أي تدمير كل ما له صلة بتاريخ وحاضر البلاد الفلسطينية وبمعتقدات سكانها الأصليين.

كانت أبرز هذه العمليات الإرهابية حرق الطفل محمد أبو خضير في القدس، في شهر تموز/يوليو 2014، بعد أن كانت الوزيرة الإرهابية الحالية إيليت شاكيد قد حرّضت على قتل الأطفال الفلسطينيين ونعتهم بالثعبان الصغار. بعد عام من الجريمة، في تموز/يوليو 2015، هجمت عصابة يهودية على منزل عائلة دوابشة في قرية دوما، بمحافظة نابلس، وأحرقت المنزل وسكانها (الأب والأم ورضيع)، ولم ينج إلا الطفل أحمد (4 سنين) من هذه الجريمة الفظيعة، التي تدلّ على طبيعة المستوطنين الوحشية.

ما قبل هاتين الجريمتين الإرهابيتين وما بعدها، توالت عمليات الترهيب التي تنظّمها عصابات مدرّبة تعشعش في المستوطنات الجاثية على أراضي الضفة الغربية، أمثال "شبيبة التلال" و"تدفيع الثمن" وغيرها، والتي تجتاح كل مناطق فلسطين، في المدن الساحلية حيث تخط شعارات عنصرية كـ"الموت للعرب" على جدران المنازل والحارات، أو في الضفة الغربية ومدينة القدس، حيث تثقب إطارات السيارات وتخط شعاراتها على المساجد والكنائس، وتدهس المواطنين، من كبار السن والأطفال خاصة، وتقتلهم لأنهم فلسطينيون.

في الآونة الأخيرة، تم الإعلان رسميا عن تشكيل عصابة إرهابية جديدة، "ميليشا بارئيل" المدعومة من الشرطة "الإسرائيلية" وروساء مستوطنات يهودية في النقب، والتي تضم المئات من المستوطنين اليهود، وفقا لمؤسسها الشرطي السابق ألموغ كوهين. قامت هذه الميليشيا بالاعتداء على السائق الفلسطيني صلاح أبو زيد من رهط، وحاولت حرقه وحرق مركبته، قبل أن يتم تخليصه من قبل فلسطينيين تواجدوا في المكان، وذلك بعد أيام من قتل الشهيد سند الهربد من رهط من قبل مستعربين. اعتقلت الشرطة الصهيونية السائق وضغطت عليه كي لا يقدّم شكوى ضد الإرهابيين الجدد، قبل الإفراج عنه، كما جاء في وسائل الإعلام.

يشير صعود العصابات اليهودية الإرهابية في كيان العدو وتكاثرها الى أزمة الأجهزة الأمنية الرسمية التي لم تعد تسيطر على المجتمع الفلسطيني، رغم ضخامة أعدادها وتقنياتها، بسبب صمود الشعب الفلسطيني وانتشار مقاومته، من جهة، والفساد والضعف الذي ينخرها من جهة أخرى. لقد استطاعت الجماهير الفلسطينية الصامدة في كل أنحاء الوطن المحتل من إضعاف الأجهزة الأمنية من خلال تشتيت قواها وإشغالها بالملاحقات اليومية واقتحام المدارس واعتقال أطفالها، واقتحام البيوت الآمنة بعد منصف الليل بعشرات الآليات والمجنّدين لبث الرعب، وحماية الطرقات الاستيطانية والمستعمرات والأراضي التي تسعى الى نهبها، واشغالها على مئات الحواجز المنصوبة في الضفة الغربية، وتأمين حماية المستوطنين وتنقلاتهم، وإشغال أفراد الشرطة الصهيونية وحرس الحدود في التفتيش ومراقبة الأوراق الثبوتية قبل الدخول الى القدس والى المسجد الأقصى، لمئات بل الآلاف العائلات التي تصرّ، كل يوم جمعة، على زيارة القدس والصلاة في المسجد الأقصى.

ومن ناحية أخرى، انشغل أفراد جيشهم وضباطهم ومخابراتهم بسرقة الأموال والمقتنيات من منازل الفلسطينيين والمركبات، والمتاجرة بالسلاح والمخدرات، إضافة الى قضايا التحرّش والتمييز العنصري فيما بينهم.

رغم التنسيق الأمني بين أجهزة السلطة الفلسطينية وأجهزة الاحتلال، تلاشت قوة الردع لدى الصهاينة أمام شعب عنيد وصامد، وبات أفراد جيشهم يهربون من نقاط تواجدهم عندما يسمعون صوت إطلاق النار، كما حصل أكثر من مرة، خلال الفترة الماضية، في مدينتى الخليل وجنين، واستطاع موقوفون فلسطينيون من الإفلات من قبضتهم والهروب بين أزقة البلدة والحارة، قبل الوصول الى مراكز التوقيف، دون أن يتمكّن الجنود من ملاحقتهم. غير إن إعلامهم يركّز على اعتقال الأطفال في الأماكن الخالية، وكأنها عملية بطولية: جنود مدججين بالسلاح والعتاد يقفون أمام أطفال مذعورين (في البداية، قبل أن يصبحوا فدائيين بعد سنوات) ليلتقطوا صورة بطولتهم الخارقة. كما تؤكد صورة فرقهم الأمنية الخاصة التي تقتحم السجون والغرف بأعداد كبيرة، لضرب الأسرى ورشهم بالغازات، كم هي جبانة عندما تواجه أسرى عزّل لا يملكون أي سلاح للدفاع عن أنفسهم.

بسبب تراجع فعّالية أداء الأجهزة الأمنية الرسمية، صعدت الميليشيات الإرهابية، بدعم من الأولى، كي تقوم بترهيب الفلسطينيين، من خلال القتل والهجوم المسلح على القرى والبلدات والأحياء المقدسية، لا سيما وأن هذه العصابات مؤهلة فكريا وايديولوجيا للقيام بهذا الدور. تهيّئ المدارس "الإسرائيلية" أطفالها وشبابها على كراهية الفلسطيني والعربي وعلى وجوب طردهم وملاحقتهم وقتلهم، وتصنع جيلا من القتلة، يعيد استنساخ جيل أوائل العصابات الإرهابية التي غزت فلسطين قبل إقامة كيان العدو، بمباركة الدول الأوروبية والولايات المتحدة.

لقد لعبت هذه العصابات الإرهابية دورا مميّزا في حملات الترهيب والقمع خلال معركة سيف القدس في مدن وبلدات الداخل المحتل عام 1948، وواصلت حملتها في اللد، بدعم من البلدية الصهيونية. وقد أشار تقرير لمركز "مدار" أن الميليشيات التي هاجمت أهل اللد والرملة ويافا جاءت، بالأغلب، من مستوطنات شمال الضفة الغربية المحتلة، وأقامت في مقرات ومبان وفّرتها لها الدوائر الرسمية الصهيونية لتأدية مهماتها الإرهابية، وقد عملت تحت إشراف ضباط في جيش العدو. ولضمان نجاح الهجمة الاستيطانية المسعورة في منطقة النقب وترحيل أهلها، وبحجة محاربة "الجريمة"، تم إنشاء "ميليشيا بارئيل" من المستوطين المحليين، لتكون الذراع المبادر والمحفزّ والمساعد في عمليات القتل والملاحقة والترهيب.

لم يعد خافيا أن هذه العصابات الإرهابية مدعومة سياسيا من قبل أعضاء في الكنيست الصهيوني والحكومة، وقضائيا وإعلاميا من قبل أجهزة صهيونية متنوعة، تأكيدا على أن الكيان الصهيوني مستعمرة عسكرية أولا وآخرا، وأن اليهود الصهاينة كلهم جنود فيها. قد تتصاعد وتيرة أعمال هذه العصابات الإجرامية بالتزامن مع تراجع قوة ردع الأجهزة الرسمية، التي تشتتها المقاومة وتضعفها كلما اشتدت وصعّدت عملياتها البطولية.

تشبه هذه الحالة، في بعض نواحيها، تشكيل "منظمة العمل السرية" من قبل ضباط في جيش الاستعمار الفرنسي، لمواجهة المقاومة الوطنية الجزائرية، عندما اقتربت من موعد الاستقلال والحرية. 

 

 

اخبار ذات صلة