بقلم: راغدة عسيران
في يوم 15 آذار/مارس 2022، استشهد ثلاثة شبان فلسطينيين، سند سالم الهربد (27 عاما) من مدينة رهط في النقب المحتل، والفتى نادر هيثم ريان (17 عامًا) في نابلس، والشاب علاء شحام في العشرينيات من عمره في مخيم قلنديا شمال القدس المحتلة. تؤكد هذه الاعدامات التي اقترفها العدو الصهيوني في يوم واحد على أنه لا يميّز بين فلسطينيي 48 وفلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة، فكلهم أعداء، وأنه ماضٍ في سياسة القتل طالما هو موجود على أرض فلسطين، لأنه لا يعرف غير لغة القتل والاعتقال والهدم والسرقة في مواجهة الشعب الفلسطيني، كما أنه لا يميّز بين الأراضي التي احتلها عام 1948 وأقام فيها كيانه الإرهابي، والأراضي التى احتلها عام 1967 والتي تعتبرها هيئة الأمم المتحدة "أراضٍ محتلة" من قبل الكيان، والتي تعتبرها سلطة أوسلو "دولة فلسطين".
ليست هذه المرة الأولى التي يقتل فيها العدو فلسطينيين من الأراضي المحتلة عام 1948، لقد ارتقى شهداء كثر منذ إقامة الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، قبل يوم الأرض عام 1976 وأثناءه وبعده، أثناء انتفاضة الأقصى عام 2000 وبعدها، أثناء انتفاضة القدس عام 2015 وبعدها، الى اليوم. يقتل العدو أبناء فلسطين لأنهم فلسطينيون، ولأنهم يرفضون الاستسلام للقوة الهمجية والعنصرية التي تتحكّم بوطنهم. إن اعتبارهم "مواطنين" في كيان الاحتلال لم يمنع القوى الأمنية الصهيونية من التعامل معهم كأعداء و"قنبلة موقوتة"، لأنهم حافظوا على انتمائهم الفلسطيني وعلى هويتهم المناضلة، رغم القمع والرقابة الشديدة عليهم.
حاولت المؤسسة الصهيونية، في بعض الأحيان، عندما كانت بحاجة الى أصواتهم الانتخابية أو لمواجهة الانتقادات الدولية، وخاصة الأوروبية، للتمييز العنصري الذي تمارسه ضد الفلسطينيين، من تليين مواقفها العدائية وتقديم بعض من حقوقهم المسلوبة لكن سرعان ما كانت تتراجع عند أي أزمة أو حادثة، لتتضح صورة الكيان الفعلية، ككيان استعماري استيطاني إحلالي، يسعى الى ترحيل الفلسطينيين عن أرض فلسطين، والى تفتيت مجتمعهم، عبر ممارسات قمعية وتمييزية تطال كل مناحي حياتهم.
لم يعترف الكيان الصهيوني يوما ، بما يسمى "الخط الأخضر"، الذي يفصل بين فلسطين 48 وباقي مناطق فلسطين، وأن هذا الخط لا يعني شيئا له. بعد اتفاقيات أوسلو، وربما قبلها، كانت إدارات الكيان والمؤسسات الصهيونية المختلفة تطبع خرائط "إسرائيل" بتجاوز هذا الخط، كما تجاوزه الجدار الفاصل الذي ينهش الأراضي الزراعية المتاخمة له، ذلك لأن الصهاينة يهدفون الى توسيع مناطق استيطانهم الى الضفة الغربية بكاملها، وتضييق المساحة المتروكة للفلسطينيين أكثر فأكثر. رغم ذلك، ظلت الأحزاب المتوهمة بامكانية إحلال "سلام عادل" تعاند الواقع وتخطط على أساس الفصل بين المجتمعات الفلسطينية، يوما باسم المواطنة "الإسرائيلية" ويوما باسم "دولة كل مواطنيها"، ويوما آخر باسم "الحل العادل للقضية الفلسطينية" و"إقامة دولة مستقلة في الاراضي المحتلة عام 1967عاصمتها القدس الشريف".
حملة القمع والاعتقالات والقتل التي رافقت معركة سيف القدس وما بعدها، وحملات الترويج للأخبار الكاذبة بعد العملية البطولية التي نفذها الأحرار في سجن جلبوع، والتبجّح بامكانية السيطرة على منطقة النقب من خلال القمع والترحيل وزيادة المستوطنات، تدلّ كلها على أن المؤسسة الصهيونية فقدت قوة جذب وقوة ردع الشعب الفلسطيني في الداخل المحتل عام 1948. لم تعد تجذب بنظامها السياسي بعد تأكيدها على أن الكيان الصهيوني لا يمكن أن يكون إلا دولة يهودية "للشعب اليهودي"، ولا مكان للمجتمع الأصلاني فيه، باسثناء الأفراد الذين ينخرطون في الفكرة الصهيونية.
ولم تعد تجذب بنظامها التعليمي أو الطبي أو الاقتصادي، بعد أن توضّحت استحالة تلبية الطموحات الفلسطينية بسبب طبيعة هذا الكيان العنصري، مهما طالب الفلسطينيون بحقوقهم وناضلوا من أجلها وانتفضوا وقدّموا شهداء في هذا السبيل. سقطت فكرة الاندماج في المؤسسة الاستيطانية، ولم يعد أمام الفلسطيني إلا العودة الى أسس الصراع والنضال المشترك مع أبناء شعبه، لمواجهة العدو الذي يسعى الى إضعافه وتشويه هويته وترحيله.
تصاعد التوحش "الأسرائيلي" في كافة مناطق فلسطين المحتلة، بعد معركة سيف القدس وعملية الهروب من سجن جلبوع، حيث تأكد الصهاينة أن الشعب الفلسطيني موّحد، ليس بنضاله فحسب، بل بأمانيه وتطلعاته التحررية، كما تأكد بأن المجتمع الفلسطيني في الداخل بات يتماهى مع المقاومة المسلحة وأصبح مستعدا للانخراط في أي معركة تخوضها المقاومة، على طريقته.
رغم قوتهم المسلحة والأعداد المتزايدة لأجهزتهم الأمنية المختلفة، واستخدامهم لأحدث التقنيات لرصد ومتابعة الفلسطينيين، صدرت مؤخرا تصريحات ومواقف لدى المؤسسة الصهيونية تشير الى قلق متزايد أمام إدراك الشباب الفلسطيني في الداخل أن مصيره مرتبط بمصير شعبه وليس بالتحولات داخل المؤسسة الصهيونية ولا بالعلاقات التطبيعية والاتفاقات الاقتصادية بين بعض الدول العربية وكيان العدو. يتخوّف قائد القيادة الجنوبية السابقة في جيشه، يوآف غالانت، من "السيطرة البدوية غير المشروعة على (أراضي النقب) لأنها تقضم السيادة الصهيونية"، وبسبب توسط المنطقة بين قضاء الخليل وقطاع غزة، يضيف أن النقب "يتعرض لمخاطر، وهناك خشية شديدة من سيطرة معادية".
قبل ذلك، وعلى أثر هبّة النقب واعتقال المئات من أهله، صدر عن وزارة الداخلية الصهيونية أن جزء من الشباب المنتفض هم من العائلات التي استفادت سابقا من قانون "لمّ الشمل"، أي أن هؤلاء الشباب لم ينخرطوا في "المواطنة الإسرائيلية"، التي تهدف الى تشويه الانتماء الفلسطيني. سرعان ما قام الكنيست الصهيوني بتجديد قانون منع لمّ شمل العائلات الفلسطينية، متخذا تصريحات الوزير الصهيوني ذريعة لمواصلة التضييق على الفلسطينيين. لكن التصريح الأخير الذي أدلى به المراسل العسكري للقناء 20، حين قتل أحد رجال شرطة الاحتلال الشهيد سند سالم الهربد، بأن "الفلسطينيين في رهط تعلموا من جنين حيث يجري إطلاق النار تجاه قوات الجيش في كل مرة خلال تنفيذها اعتقالات" يدلّ على نيّة العدو عدم التمييز بين الفلسطينيين، أينما كانوا، واعتبار منطقة النقب كنابلس والقدس، يسكنها أعداء "الشعب الإسرائيلي".
لهذا السبب، يأتي تشكيل "الهيئة الوطنية لدعم شعبنا في الداخل المحتل" قبل أيام، في قطاع غزة، كخطوة مهمة من أجل توحيد النضال الفلسطيني على أرض واحدة وضمن قضية واحدة. أكد رئيس الهيئة، محسن أبو رمضان، أن الهيئة ترفض وتقاوم "ما يقوم به الاحتلال من محاولات التجزئة لشعبنا جغرافيا وسكانيا" و"ليس أمامنا سوى الكفاح الوطني أمام التحديات "الإسرائيلية" من أجل تعزيز صمود شعبنا وتغيير موازين القوى لصالح حقوقنا بالحرية والاستقلال والعودة". لقد وحّد المستوطنون اعتداءاتهم على كل مساحة فلسطين، من شمالها الى جنوبها، رسميا وغير رسميا. وقد حان الوقت لتوحيد فلسطين الأرض والقضية والنضال في الوعي الفلسطيني والعربي والعالمي.
