لا يمرّ يوم إلا ويقوم العدو الصهيوني بهدم منزل أو أكثر في كافة أنحاء فلسطين المحتلة، إن كان في الضفة الغربية ومدينة القدس أو في مدن وبلدات الداخل المحتل عام 1948. تُعتبر سياسة هدم المنازل الفلسطينية من ركائز عملية التهويد والتطهير العرقي والديني الذي يمارسه الكيان "الإسرائيلي" في فلسطين.
لم تكن جريمة هدم المنازل من اختراع الصهاينة، لقد سبقتهم الى ذلك الدول والقوى الاستعمارية في كل بقعة من العالم غزوها وقتلوا أهلها وواجهوا مقاومة شعوبها. من الجزائر الى مدغشقر، كان الاستعمار الفرنسي ينتقم من الثوار بهدم وحرق المنازل والقرى بأكملها. في الولايات المتحدة، تصوّر الأفلام الأميركية كيف كان الغزاة الأوروبيون "الحضاريون" يقترفون المجازر بحق الشعوب الهندية ويحرقون منازلها وقراها، بسبب مقاومتها للإبادة. وفي القرن العشرين، ارتكبت الدولة العظمى البريطانية جرائم مماثلة في فلسطين. فكان جيشها يهدم منازل الثوار ومن يدعمهم في كافة أنحاء فلسطين، خلال ثورة 36-39، وهدم حيا شعبيا كاملا في يافا، انتقاما من الثوار والمنتفضين ضده وضد المستوطنين الصهاينة. وقد غطى جريمته بالادعاء أنه يريد تطوير وتحديث المدينة العريقة.
أضاف الصهاينة هدفا آخر لهدم المنازل وهو استكمال التطهير العرقي والديني الذين باشروا به خلال النكبة، إذ يشكّل هدم منازل الفلسطينيين إحدى طرق تهجير الشعب الفلسطيني من وطنه، عبر التضييق عليه ومنعه الإحساس بالأمان فيه. بناء على هذا المخطط التهجيري، ولأن الصهيوني لا يستطيع ترحيل الفلسطيني في أوقات "السلم"، خلافا لما فعل خلال النكبة الأولى والثانية (1948 و1967) وكاد أن يفعله خلال العدوان الثلاثي (1956) مع مجزرة كفر قاسم، أصدر قوانين تجيز له هدم منازل الفلسطينيين، واخترع الأسباب لشرعنة جريمته.
في الوقت الحاضر، يهدم العدو منازل المقاومين، إن ارتقوا شهداء أم تم أسرهم، انتقاما من المقاومة والمجتمع المقاوم. فيقوم بمسرحية أخذ قياسات المنازل أو أجزاء منها، مستعرضا للمجتمع الدولي على أنه حريص على العائلات، وأن عملية الهدم موجهة فقط ضد المقاوم شخصيا، ولدراسة كمية المتفجرات اللازمة لتفجير المبنى.
يهدم الكيان المنازل "غير المرخّصة" في كل بقعة من فلسطين، من الشمال الى الجنوب، معتبرا أنه السلطة العليا التي تشرعن أي بناء، في الأراضي المحتلة عام 1948 ومدينة القدس ومعظم مناطق الضفة الغربية.لقد أصدر قانون كمينتس لشرعنة جريمته، ولم تكن التعديلات عليه مؤخرا إلا من أجل تسريع عمليات الهدم ومنع تأجيلها باللجوء الى المحاكم. يهدم أيضا لذرائع "أمنية"، كما فعل قبل سنوات (2019) عندما أقدم على هدم عشرة بنايات سكنية في بلدة صور باهر، في حيّ وادي الحمص، خلال يوم واحد.
وقد أشار خليل التفكجي، مدير دائرة الخرائط في جمعية الدراسات العربية بالقدس، في ذلك الحين، الى أن "الأمن لا علاقة له إطلاقا بالبناء الفلسطيني في المنطقة، وإنما هو محاولة لتبرير هذا الحجم الكبير من عملية التدمير". ما يعني أن كل الذرائع موجودة لدى الصهاينة عندما يقرّرون هدم منازل الفلسطينيين، وإن لم يجدوا قانونا يشرعن أعمالهم الإجرامية، قد يصدرون ويستخدمون قرارات إدارية ويلجأون الى الذرائع الأمنية.
بشكل عام، تتصدى الجماهير الفلسطينية لعمليات هدم منازل المقاومين، وتعلن عن تضامنها مع عائلاتهم التي تصبح بلا مأوى. مشاهد التفاف الجماهير أمام منزل الشهيد أشرف نعالوة وتصديها للجرفات وجنود العدو تؤكد أنها لم ولن تستسلم للهمجية الصهيونية، وأنها مستعدة للدفاع عن مقاوميها وعوائلهم. وفي بعض الأحيان، اتُخذت مبادرة إعادة بناء المنازل المهدّمة، عن طريق حملة شعبية للتبرع ودعم العائلة، كما حصل مع عائلة الشهيد مهنّد الحلبي في العام 2015. لكن لم تتواصل هذه الحملات بشكل واسع، وخاصة في الضفة الغربية المحتلة، بسبب القبضة الأمنية للسلطة الفلسطينية، التي تخشى المبادرات الشعبية التي لا تسيطر عليها، ماليا وأمنيا.
أحدثت عملية هدم منازل المجاهدين في بلدة السيلة الحارثية، بالضفة المحتلة، قبل أيام نقلة نوعية في التصدي للهمجية الصهيونية حيث دخلت المقاومة المسلحة الى ساحة المعركة، إسنادا للجماهير المتصدية للجريمة، إضافة الى زحف المواطنين من المدن والقرى المجاورة، من منطقة جنين خاصة، لحماية منازل آل جرادات، ما جعل الصهاينة يؤجلون عملية الهدم ويناورون لاستبعاد الجماهير المحتشدة. لم يكن اقتحام بلدة السيلة الحارثية عملية سهلة لجيش العدو، رغم عدد الآليات الحربية المقتحمة ونوعية السلاح الذي يستخدمه. فقد أكّدت المواجهة الشعبية في السيلة الحارثية أن المقاومة المسلّحة، المدعومة شعبيا، أهم ركيزة للتصدي للاحتلال وإعاقة تحركاته وإشغاله وتشتيت فعاليته وقواه، وقد تتمكّن بالمستقبل من منع عملية الهدم.
فيما يخص هدم المنازل "غير المرخّصة"، لم يكن التصدي لعملية الهدم فعلا شعبيا متواصلا، إلا في بعض المناطق وبعض الحالات، كما يحصل بين الحين والآخر في الجليل أو المثلث أو المدن الساحلية. لقد نظّمت لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية بالداخل المحتل عام 48 إضرابات عامة في المناطق العربية رفضا لجريمة الهدم. لكن رغم تصاعد وتيرة الهدم للبيوت والأحياء العربية، تراجع المدّ الشعبي لمواجهة هذه الجريمة إلا في بعض المدن كيافا واللد، حيث حاولت اللجان الشعبية الوقوف ضده. وفي النقب، يواصل أهل قرية العراقيب إعادة بناء ما يتم هدمه ورفض إخلاء القرية، مهما كلفهم موقفهم البطولي من بطش واعتقال.
صدرت مؤخرا مبادرة جماعية في جبل المكبّر بالقدس للتصدي لسياسة العدو، بتشكيل إطار وحدوي يطالب بوقف الهدم، من خلال الوقفات الاحتجاجية العديدة في المكان، وإقامة صلاة الجمعة قبل أسبوع حيث تحدث الشيخ عكرمة صبري عن ضرورة المواجهة الشعبية الجماعية لسياسة العدو، وأعلنت فيما بعد عشائر عرب السواحرة عن إضراب عام وشامل في 10/3/ رفضا لسياسة بلدية العدو التي تستهدف، الى جانب جبل المكبّر، كل الأحياء العربية في القدس.
لذلك، دعت لجنة المتابعة في جبل المكبّر اللجان الأخرى في مدينة القدس وضواحيها الى توحيد الجهود وبناء استراتيجية موحّدة لمواجهة سياسة الهدم التي تصاعدت في السنوات الأخيرة، كما أشارت اليه احصائيات الأمم المتحدة والجمعيات المدافعة عن القدس.
في الضفة الغربية المحتلة، تصاعدت أيضا وتيرة الهدم، خاصة في المناطق المصنّفة "جيم" وفقا لاتفاقيات أوسلو وتبعاتها، والتي تعاني إجمالا من عزلة المنازل المستهدفة بالهدم. تقف هذه المنازل أو الخرب المعزولة صامدة بوجه المستوطنات الزاحفة، كالمنزل الذي استهدفته قوات الاحتلال قبل يومين في منطقة الخليل، والمنازل الأخرى في مسافر يطا. لم تشهد هذه المناطق المستهدفة مواجهات فعلية ضد الهدم، بسبب عزلتها وعدم بناء استراتيجية وطنية واضحة للتصدي له والوقوف الى جانب العائلات المنكوبة.
تقوم بعض العائلات، وخاصة في القدس والبلدات المجاورة، بما يسمى الهدم الذاتي، تفاديا لدفع تكاليف الهدم لسلطات وبلديات العدو. لقد رفضت جهات وطنية كثيرة الهدم الذاتي ودعت الى رفضه، دون التمكّن من ايقافه كليا، وقد تكون الأسباب كثيرة.
بسبب الضائقة المالية، تعتبر بعض العائلات أن الهدم الذاتي، أي القيام بهدم منازلهم بأيديهم، عوضا عن جرافات الصهاينة، هو الحلّ لتفادي الغرامات.يمكن اعتبار الهدم الذاتي إقرارا ليس فقط بشرعية وجود اليهود المستوطنين في البلاد والاعتراف بهم، بل بحقهم إصدار قرارات وقوانين تتيح لهم التحكّم بالفلسطينيين، إضافة الى أن الهدم الذاتي يلغي مسؤولية الهدم عن الصهاينة جزئيا ليتشارك بها أصحاب المنازل المستهدفة.
المسألة في عملية الهدم الذاتي هي الاعتراف الضمني بأن ما يقوم به المحتل شرعي، وأنه يحق له المطالبة بدفع تكاليف الهدم، في حين أن وجوده وقراراته غير شرعية وعليه أن يتحمّل تكاليف أعماله، المالية وغير المالية. فالشعب الفلسطيني يقع تحت الاحتلال، ومن حقه مواجهة المحتل بكل الطرق الممكنة، وليس عليه المشاركة بأي عمل يقدم عليه الصهاينة، لا ماليا ولا معنويا. قبل عقود، رفض الأسرى العمل في سجون العدو لصالح جيشه ومستوطناته، وناضلوا وانتفضوا لحفظ مكانتهم كأسرى ينتمون الى شعب مقاوم يقع تحت الاحتلال ويناضلون من أجل حريتهم. الهدم الذاتي هو، من ناحية، كالعمل في السجون من أجل المستوطنين ومؤسساتهم.
إن رفض الهدم الذاتي يعني تحميل المسؤولية الكاملة للاحتلال لكل ما يصدر عنه، ورفض دفع التكاليف المادية يعني الرفض لقرار الهدم واعتباره غير شرعي. هذا هو أساس المقاومة الشعبية، التي تنطلق من مبدأ عدم الاعتراف أو الإقرار بشرعية الكيان وبقراراته، وتبني عليه برنامجها الوطني.
لكن من أجل التصدي للهدم الذاتي والهدم بشكل عام، رغم اختلاف الظروف وتعدّد الأسباب، لا بدّ من استراتيجية تقوم على أسس واضحة لمساندة العائلات المستهدفة والوقوف الى جانبها وإعادة بناء ما يتم هدمه، من أجل منع الاحتلال من تمزيق النسيج الاجتماعي الفلسطيني وتمكين المجتمع المقاوم. إذ أن توحيد جهود الكل الفلسطيني لرفض جريمة هدم المنازل في كل المناطق الفلسطينية، مهما كان سبب أو ذريعة الهدم، هو أحد المداخل لتوحيد الشعب الفلسطيني حول واجب مقاومة الاحتلال، على أساس عدم الاعتراف بشرعيته وقراراته وقوانينه.