بقلم: راغدة عسيران
في سجون العدو، انتفض الأسرى مرة أخرى ضد الإرهاب الصهيوني. قبل أسبوعين، شرعوا بخطوات نضالية مدروسة من أجل حياة كريمة، واستعادة كافة حقوقهم المشروعة والمكفولة دوليا، التي داسها السجان الصهيوني، انتقاما منهم، كفلسطينيين أولا ومناضلين ثانيا ومرفوعي الرأس ثالثا.
لقد شنّت المؤسسة الصهيونية حربها على الكل الفلسطيني : في الشيخ جراح، وجبل المكبّر وأحياء أخرى والمسجد الأقصى في القدس، في الضفة الغربية من شمالها الى جنوبها، من السيلة الحارثية ونابلس وبيتا الى مسافر يطا وبيت لحم حيث تقتل أطفالها، وفي الجليل والنقب، حيث تواصل هدم منازل الفلسطينيين (الناصرة، اللد، قرى النقب)، وفي سجونها حيث تعتقل الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني. تدلّ وحشية المستوطنين، في قواتهم الأمنية المسلحة المختلفة وميليشياتهم المتنوعة، على تصدّع ردع كيان العدو الاحتلالي أمام شعب مناضل ومثابر وشجاع، قرّر المواجهة الشاملة وسلك طريق التحرير.
في السجون، تشير التقارير اليومية أن الأسرى عازمون على مواصلة انتفاضتهم، بعد سحب إدارة مصلحة السجون معظم انجازات الأسرى منهم، التي اكتسبوها عن طريق الإضرابات عن الطعام منذ بدايات تشكيل الحركة الأسيرة. إضافة الى سحب هذه الإنجازات التي لا تشكّل أي تهديد على "أمن" السجانين، بل تعيد بعض من الحياة الإنسانية للأسرى، مثل الفورة حيث يلتقون بين الحين والآخر، وزيارات الأهل والتواصل معهم، قرّرت هذه المؤسسة الصهيونية شنّ هجوم على الأسرى بعد إصابتها بضربة قاسية تمثلت بعملية الهروب من سجن جلبوع، في 6 أيلول/ سبتمبر الماضي.
فهي من ناحية، تواصل التنكيل بالأسرى الأبطال، أي "كتيبة جنين"، الذين كسروا هيبة السجان والكيان، بهروبهم الكبير وأرغموا قوات العدو على الإستنفار لعدة أيام، رغم أنهم لم يحملوا أي قطعة سلاح. أفادت المؤسسات المتابعة لأوضاع الأسرى أن "الأسير محمود العارضة محتجز في زنزانة عزل انفرادية وكل شيء ممنوع عنه، حتى قصاصة الورق وقلم الرصاص والكتب والراديو وكافة الأجهزة الكهربائية، وتحرمه إدارة مصلحة السجون من الزيارات وإدخال الملابس، ولديه فرشة وغطاء رديئين لم يتم تنظيفهما منذ زمن طويل وفي مساحة ضيقة جدا ومتسخة للغاية". لقد تعاملت بالطريقة ذاتها مع الأبطال الآخرين، إضافة الى الأسرى المتهمين بمساعدتهم على انتزاع حريتهم.
من ناحية أخرى، شدّدت إجراءاتها القمعية إزاء كافة الأسرى، كما وضّحت لجنة الطوارئ الوطنية التي تشكّلت مؤخرا في السجون، بالقول "في هذه الأيام تعيش السجون حالة من التصعيد والغليان لم تشهده من فترة طويلة، ونواجه هذا التصعيد بوحدة حال لم يسبق لها مثيل من قبل أيضًا". تمثلت الحملة القمعية، كما أوردتها خلية الإعلام في "لجنة الطوارئ"، بالاعتداء على الأسيرات، والمساس بنظام الفورة، وإجراءات بحق الأسرى المصنفين "ساقاف" أي الذين يشكلون "خطر الهروب"، وعمليات النقل لأسرى المحكومين بالمؤبدات، لمنعهم من الاستقرار، إضافة الى الهجومات الوحشية ضد الأسرى المنتفضين من قبل قوات القمع الخاصة بالسجون والى التصرفات الاستفزازية التي تصدر عن السجانين، المعبئين بالعنصرية الصهيونية.
قبل شروع الأسرى بخطواتهم النضالية ضد إدارة مصلحة السجون، كان الأسرى الإداريون قد أعلنوا عن بدء معركتهم ضد الاعتقال الإداري المسلط على الشعب الفلسطيني، بكباره وصغاره، ونسائه ورجاله، بمقاطعة المحاكم الصهيونية ومنع لقاء الشاباك.
تأتي هذه الخطوة بعد معركة الأمعاء الخاوية التي خاضها أسرى إداريون لفترة زمنية طويلة، والتي تكلّلت بحريتهم بسبب إرادتهم الفولاذية، التي يستمدونها من شعبهم وتاريخه. لكن المعركة الجماعية التي يخوضها الأسرى الإداريون، منذ حوالي شهرين، بالتزامن مع الخطوات النضالية للحركة الأسيرة بمجملها، قد تربك المحتل أكثر وتفضح أساليبه الوحشية أمام العالم، رغم التعتيم الإعلامي المتعمد من قبل الدوائر الامبريالية وملحقاتها العربية. وقد أعلنت لجنة الطوارئ أن "معركتنا انطلقت ولن تتوقف إلا بتراجع إدارة السجون عن إجراءاتها القمعية بحقنا، والتي تهدف للتنكيل بنا، والمحاولة عبثًا لكسر إرادتنا".
هي معركة طويلة إذا استمر السجان بإجراءاته القمعية، وقد تصل الى الإضراب المفتوح عن الطعام في كافة السجون. تبنّى الأسرى خطوات متصاعدة تدريجيا كي يتمكنوا من الحفاظ على وحدتهم ومراعاة خصوصية أوضاعهم. فانتقال المواجهة من سجن الى آخر، وتنظيم الاحتجاجات في ساحات الفورة، عدم الخروج الى الساحات، ارتداء ملابس السجن للتعبير عن حالة الاستنفار، حل التنظيم، إرجاع وجبات الطعام ليوم واحد، إغلاق الأقسام، كلها خطوات ضمن برنامج نضالي متصاعد يربك السجان ويفهمه أن الأسرى متحدون في معركتهم ومصممون على انتزاع حقوقهم التي سلبها منهم مؤخرا.
تعتقد إدارة مصلحة السجون أن باستطاعتها كسر إرادة الأسرى باستخدام أساليبها الوحشية أو المراوغة، لكن المعركة هي معركة إرادة أولا، لا يمكن للسلاح والارهاب الصهيوني الانتصار فيها، كما هي أيضا معركة التحكّم على السجن وعلى حياة الأسرى. لكن الخطوات التصعيدية التي اتخذها الأسرى في برنامجهم النضالي تدلّ على وعيهم بأهمية وحدتهم وأهمية عدم السماح للسجان بالتحكّم بحياتهم، كما يحلو له.
طالبت لجنة الطوارئ المنبثقة عن الأسرى، ولجنة الأسرى الإداريين من الشعب الفلسطيني الإلتفاف حول معركتهم وانتفاضتهم وتوحيد صفوفه من أجل كسب المعركة والسير نحو الحرية.
في بيان لها صدر مؤخرا حول الأسرى، أكدت حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين أنها تقف الى جانب الأسرى وتتابع كافة التطورات داخل السجون، وشدّدت على أن قوى الشعب الفلسطيني وفصائله "لن تسمح للعدو بالمساس بالأسرى وانتهاك حقوقهم، أو محاولة الاعتداء على كرامتهم"، تأكيدا على مكانة الأسرى لدى الشعب الفلسطيني ومقاومته.
تشكّل معركة الأسرى الحالية ضد الإرهاب الصهيوني رافعة قوية للتمرّد على العدو في كافة أنحاء فلسطين، لا سيما وأن الأرض مشتعلة ضد الاحتلال في أكثر من مكان، من النقب جنوبا الى جنين شمالا. والنداء بضرورة الوحدة التي تطلقها بيانات الأسرى يعني أن الوحدة تتشكّل في الميدان وعبر الانتفاضة والمقاومة، وليس في بيانات السلطة الفلسطينية وتشكيلاتها المفلسة، التي يراد منها، عكس بيانات الأسرى، تفتيت الشعب الفلسطيني وتجزئة نضالاته وإجهاضها والسيطرة عليها.
