استقبلت النخب الفلسطينية والعربية تقرير "أمنتسي" حول الفصل العنصري الذي يمارسة كيان الاحتلال إزاء الشعب الفلسطيني بترحيب كبير، وكأنه خشبة الخلاص للمأزق السياسي الذي يعاني منه الشعب الفلسطيني منذ اتفاقيات أوسلو المشؤومة. طالبت بعض هذه النخب بتبني هذا التقرير والعمل بناءا عليه، وكأنه يمثل طموحات الشعب الفلسطيني بالتحرير والاستقلال، وينهي مهمة إيجاد برنامج وطني فلسطيني جامع يلتف حوله الشعب الفلسطيني والشعوب العربية الحرة لمقاومة العدو الصهيوني.
فيما طالبت أصوات أخرى البناء عليه من أجل التوجه للمؤسسات الدولية وتفعيل المحاكم ضد الكيان المحتل، رغم أنه ليس أول تقرير دولي يصدر ويتّهم الكيان الصهيوني بالفصل العنصري. لقد صدر قبل عام تقرير مؤسسة "المرصد الدولي لحقوق الانسان" وقبله، في العام 2019، تقرير منظمة "بيتسليم" "الإسرائيلية"، اللذان يتهمان كيان الاحتلال بهذه الجريمة.
بالمقابل، رفض الكيان اتهامه بجريمة الفصل العنصري، تبعه المتصهينون أمثال منصور عباس في الداخل المحتل عام 1948، وتجاهلت الأنظمة العربية المطبّعة والمتحالفة مع العدو هذا التقرير، الذي لا يعنيها ولا يؤثر على تحالفاتها وصفقات الأسلحة والتقنيات التجسسية التي تبرمها مع كيان العدو، تماما كما تجاهلت لعقود الأنظمة الغربية الامبريالية وملحقاتها التقارير التي كانت تصدرها مؤسسات دولية ضد نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا.
يوثّق تقرير منظمة العفو الدولية ممارسات العدو إزاء الشعب الفلسطيني، منذ العام 1948، ويصفها ب"الفصل العنصري". فهو من جهة، بصفته منظمة غير حكومية، يتبنى الخطاب الحقوقي لإدانة الكيان لعدم احترامه القانون الدولي، لكن تستخدم مديرة المنظمة في مؤتمر صحافي، الخطاب السياسي عندما تقرّ بأن منظمتها تعترف "بحق تقرير المصير للشعب اليهودي... نحن لا ننتقد كون هناك دولة يهودية، بل نطالب بأن تعترف الدولة اليهودية بحقوق كل الناس الذين يعيشون تحت سيطرتها وعلى أراضيها".
من جهة أخرى، ورغم شمولية التقرير الذي تابع جرائم العدو في كافة مجالات الحياة، لا يوصي بانهاء الاحتلال العسكري ولا بإنهاء الحصار على قطاع غزة، بل يطالب "السلطات الفلسطينية" بضمان أن "أي شكل من أشكال التعاملات مع "إسرائيل"، وفي مقدمتها التعاملات من خلال التنسيق الأمني، لا تسهم في إدامة نظام الفصل العنصري"، لأن الأساس لدى المنظمة الدولية هو ضمان عدم التمييز، وليس قهر الاحتلال. يطالب بتغيير القوانين والسياسات والممارسات التي "تهدف جميعها إلى منع الفلسطينيين من المطالبة والتمتع بحقوق على قدم المساواة مع "الإسرائيليين" اليهود داخل أراضي "إسرائيل" وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة"، أي كما كتبت الباحثة لنا طاطور، مواصلة الاحتلال لكن بشكله الليبرالي.
لا شك بأن الكيان الصهيوني كيانا عنصريا، كونه أولا كيانا استعماريا، فهو كباقي الدول الاستعمارية وما بعد الاستعمارية في العالم، يحمل إيديولوجية عنصرية إزاء شعوب العالم "غير المتحضّرة" التي تتبنى فلسفة حياة مختلفة عن فلسفتها. وثانيا، لأنه كيان استيطاني إحلالي يسعى الى تدمير الشعب الفلسطيني وبناء كيانه على أنقاضه، وثالثا، لأنه كيان يهودي يستلهم من الموروث الديني اليهودي كل ما يبث الكراهية والتفوّق العنصري إزاء شعوب العالم، وخاصة الشعوب العربية والمسلمة.
تتجلى عنصرية الكيان الصهيوني في كل ممارساته وحروبه ومجازره، والعنصرية هي أحد أهم ركائز كيانه ومجتمعه الاستيطاني، الى جانب العنف. تتجلى في كتابات مثقفيه، في أفلام مخرجيه، في تصريحات نوابه ومسؤوليه السياسيين، في تصرفات موظفيه وفي تعاليم أساتذته، في تصريحات حاخاميه وكل أفعال وأقوال مستوطنيه. وحتى اليهود الذي جاء الكيان بهم من الدول الشرقية والإفريقية، أول ما تعلموه في مراكزهم التعبوية هو أنهم "الشعب المختار" وأنه يجب التخلص من "العرب" الذين يسكنون "على أرضنا".
لكن عبارة "الفصل العنصري" التي تستخدمها المؤسسات الدولية لانتقاد الكيان الصهيوني لا تعترف بعنصرية المجتمع الاستيطاني ومؤسساته، بل تحصرها في بعض القوانين وممارسات قيادتها السياسية والعسكرية، التي تميّز بين الفلسطينيين وبين "الإسرائيليين اليهود"، وتتعامل مع كل فئة بطريقة مغايرة. تطلب المؤسسة الدولية المساواة في التعامل بينهما، دون إعادة النظر في الإيديولوجية المؤسسة لهذا الكيان، وفي مشروعية إقامة كيان يهودي، يجمع أو يمثل يهود العالم، في فلسطين.
يوثّق التقرير بشاعة ممارسات العدو اتجاه الفلسطينيين على أرض فلسطين. لكنه لا يربط بين هذه الممارسات والايديولوجية التي تحكمه، أي الصهيونية، كما لفتت اليه بعض المقالات التحليلية التي صدرت بهذا الخصوص، ولا يربط بين هذه الممارسات العدوانية وواقع الاحتلال وسياسة التطهير العرقي، ما جعل المطالبة بالمساواة في الحقوق، تحت نير الاحتلال وفي ظل كيان استيطاني إحلالي، لا معنى لها، لا سيما عندما يكون كيان الاحتلال مأزوم، يبحث عن خلاصه من خلال تشديد القمع والعنف وصعود وحشية جنوده ومستوطنيه، كما كان الوضع في الجزائر في أواخر أيام الاحتلال الفرنسي.
يحاجج الصهاينة، كما يفعلون منذ العام 1948، أن كيانهم ديمقراطي لا يمارس الفصل العنصري، كما كان الحال في جنوب إفريقيا، كونهم يسمحون "للعرب" المشاركة في أعلى مؤسساتهم السياسية، وهي الكنيست الصهيوني. فلا يفصلون بين الركاب "البيض" و"السود" في حافلاتهم، ويسمحون "للسود" العمل في شركاتهم وفي مستشفياتهم وجامعاتهم، خلافا لما كان عليه في جنوب إفريقيا. لكن الفصل العنصري ليس أهم سمة للكيان الاستيطاني الصهيوني، رغم أن المشاركة السياسية لبعض أحزاب فلسطينيي الداخل منحت ذريعة للصهاينة ومنصور عباس للتبرؤ من جريمة الفصل العنصري. فممارسات العدو أخطر بكثير مما يسمى "فصل عنصري"، كون البداية هي عملية استيطان بشري وإقامة دولة يهودية، وتطهير عرقي ممنهج وتدمير شعب غير معترف به حتى الآن، بسبب عنصرية المشروع الصهيوني.
أشارت بعض المقالات الى أن تقرير المنظمة الدولية يدعو الكيان الى الالتزام بالقانون الدولي الذي يعتبر "الفصل العنصري" جريمة بحق الانسانية، بخلاف "الاستيطان البشري" الذي لم يحظ بهذا التصنيف. يؤكد التقرير، بالمقابل،على شرعية استقدام يهود العالم الى الكيان، كما صدر ذلك أيضا في تقرير المرصد العالمي لحقوق الانسان، مع شرط عدم المسّ بحقوق الفلسطينيين. كيف يمكن التوفيق بين الاستيطان واستجلاب اليهود الى كيان العدو من جهة وبين المساواة وعدم التمييز من جهة أخرى، عندما يكون المشروع الصهيوني هو إحلال الجماعات اليهودية مكان الشعب الفلسطيني؟
كيف يمكن الاستفادة من هذه التقارير التي تدين جرائم العدو بحق الشعب الفلسطيني، رغم عدم تطرقها الى شرعية وجود الكيان الصهيوني على أرض فلسطين وعدم إدانتها الصهيونية كأيديولوجية عنصرية؟ لأنها توثق جرائم العدو بحق الفلسطينيين، تمنح هذه التقاريرالشرعية المطلوبة دوليا اليوم لمحاصرة الكيان من قبل شعوب العالم ومؤسساتها ومنظماتها السياسية والثقافية، ومطاردة المطبّعين معه وإدانتهم، لأنها تستند الى "القانون الدولي". لكنها، من ناحية أخرى، لا تقدّم أي مساهمة ولا شرعية للعمل المقاوم، الذي يستند الى إرادة الشعب الفلسطيني أولا، والذي ينطلق من قراءة للصراع مختلفة عن قراءة الجمعيات والمنظمات غير الحكومية في العالم، أي أنه يمكن البناء على هذه التقارير من أجل محاصرة العدو في العالم، لكنها لا تشكل أرضية للعمل السياسي الفلسطيني والعربي.
في مقال حول تقرير منظمة "بيتسيلم" قبل سنتين، ختمت الباحثة الفلسطينية لنا طاطور بالقول "القانون الدولي مهم، ويجب تدعيمه لصالحنا. لكن جعل القانون الدولي يوجّه مفهومنا للواقع في فلسطين أو طبيعة مطالبنا السياسية سيشكل خطرا (على قضيتنا)".