لم تشكل قرارات المجلس المركزي الفلسطيني، التي أعلنها عضو تنفيذية منظمة التحرير، عزام الأحمد، مساء أمس الأربعاء، مفاجأة للشارع الفلسطيني، بفصائله وجمهوره. فهي ليست المرّة الأولى التي يتخذ فيها المجلس، وغيره من مؤسسات المنظمة قرارات "طبق الأصل"، في دوراته خلال السبعة أعوام الماضية، ما يؤكد ليس عدم جدية القرارات، فحسب، وإنما يظهر حجم العجز والفشل الذي تغرق فيه "القيادة المتنفذة"، ناهيك عن عدم وجود نية وإرادة لتنفيذ تلك القرارات. وما يؤكد ذلك هو "تكليف اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وضع آليات لتنفيذ قرارات كان قد تم إقرارها في دورات سابقة للمجلس، ولم تر النور حتى لحظة انتهاء أعمال المجلس الحالي...
واللافت، والمثير في توقيت إصدار البيان، كما انعقاد المركزي، انهما تزامنا مع تصاعد الحملة الامنية لجيش العدو الصهيوني في الضفة الغربية المحتلة، ومع جريمة الاعدام الميداني التي نفذها بحق ثلاثة شهداء من كتيبة جنين في نابلس.
فمنذ العام 2015، وصولا للعام الحالي 2022، مرورا بالعام 2018، كررت مؤسسات المنظمة المركزية، إصدار هذه القرارات بنصوصها ذاتها. وكتبة البيان الختامي لم يتعبوا أنفسهم بإدخال أية تعديلات على نصوصها، التي تدرك سلطات الاحتلال أنها لا تتعدى كونها حبر على ورق...
وهذه القرارات أعلنها مساء أمس الأربعاء، عضو تنفيذية المنظمة (وأحد أركان حاشية محمود عباس) عزام الأحمد في بيان مقروء، أن «المجلس يقرر إنهاء التزامات منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية بكافة الاتفاقيات مع سلطة الاحتلال، وفي مقدمتها تعليق الاعتراف بدولة إسرائيل إلى حين اعترافها بدولة فلسطينية على حدود الرابع من (حزيران) يونيو عام 67 بعاصمتها القدس الشرقية، ووقف الاستيطان".
وأضاف في بيانه الذي جاء بعد يومين من انتهاء الجلسات، أن المجلس قرر أيضاً وقف التنسيق الأمني بأشكاله المختلفة، وتحديد ركائز عملية للاستمرار في عملية الانتقال من مرحلة السلطة إلى مرحلة الدولة ذات السيادة. كما أكد «المركزي» رفض مشروع السلام الاقتصادي وخطة تقليص الصراع، وإجراءات بناء الثقة التي تطرحها "إسرائيل" بديلاً عن السلام الدائم والعادل.
والأمر المثير للسخرية، والذي يتكرر بعد كل اجتماع للمجلسين الوطني .. والمركزي، هو ما صرح به عضو تنفيذية المنظمة واصل أبو يوسف، لصحيفة الشرق الأوسط السعودية: مشيرا الى ان اللجنة التنفيذية ستكون مكلفة بوضع آليات تنفيذ قرارات المجلس المركزي، "وفق ما تقتضيه المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني".
فهل تملك اللجنة التنفيذية من أمرها شيئا، في ظل رئيس السلطة المهيمن على أوضاع المنظمة وقراراتها ومساراتها، وأموالها، لذلك فإن عباس هو الذي يحدد تلك المصلحة، وهو لا يرى مصلحة بتنفيذ هذه القرارات، بخاصة وأنه لا يرى مسارا "بديلا" عن الذي يسير فيه، وهو غير مستعد لدفع الثمن.
ان كل ما تقدم يحمل مؤشرات واضحة على أن الهدف الرئيسي لانعقاد المجلس المركزي، هو تمرير سلسلة تعيينات وملئ الشواغر في المجلسين: الوطني والمركزي، واللجنة التنفيذية، بما يعزز وجود (حاشية محمود عباس)، وأبرزها على الإطلاق تمرير تولي رجل "التنسيق الأمني المقدس" حسين الشيخ، بديلا لصائب عريقات، وضمان تعيينه أمينا للسر، ما يوفر له فرص خلافة عباس، بغطاء "إسرائيلي" أمريكي... وتعيين روحي فتوح رئيسا للمجلس الوطني الفلسطيني مكان سليم الزعنون. ما يعكس تعزيز واستمرار سياسة الهيمنة على المنظمة ومؤسسات الشعب الفلسطيني من قبل أبرز المتعاونين والمنسقين مع العدو الصهيوني.
بموازاة ذلك أكدت كل من: حركة الجهاد الإسلامي، وحركة حماس والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، في بيان مشترك، أنه "لا اعتراف ولا شرعية لكل التعيينات التي أعلن عنها المجلس المركزي في اجتماعه اللاشرعي الأخير، سواء على صعيد رئيس المجلس الوطني ونوابه وبقية المناصب الأخرى"، ودعوا "الجميع إلى عدم التعامل مع هذه التعيينات لأنها لا تمثل شعبنا، وشَكلّت تجاوزاً لقرارات الإجماع الوطني، وقمعاً للإرادة الشعبية الفلسطينية".
وشددت الحركات الثلاث على أن "كل ذلك يفرض علينا كشعب وقوى سياسية ومكونات وطنية ومجتمعية التحرك موحدين لحماية قضيتنا وأرضنا، فلا سبيل إلى مواجهة العدو والاستيطان وكسر قيود الأسرى إلا بالوحدة، وبالتوافق على برنامج وطني يقوم على مواجهة العدو المحتل، ومواجهة نهج التسوية، ويساهم في مواجهة الانقسام، وتعزيز أواصر الوحدة بين جميع مكونات شعبنا الفلسطيني".
ان دعوة الفصائل الثلاثة "إلى عدم التعامل مع هذه التعيينات لأنها لا تمثل شعبنا، وشَكلّت تجاوزاً لقرارات الإجماع الوطني، وقمعاً للإرادة الشعبية الفلسطينية" من شأنه تعزيز مبدأ التشكيك بشرعية "منظمة التحرير" (بما هي عليه، وما انتهت اليه) بعد تفرد جماعة السلطة بمقرراتها، ورفض كل ادعاء باعتبارها ممثلة للشعب الفلسطيني، الذي يخوض اليوم مواجهات مستمرة مع جيش العدو الصهيوني وقطعان المستوطنين، دفاعا عن الانسان والأرض والمقدسات، على امتداد الجغرافيا الفلسطينية، من الداخل المحتل الى الضفة والقدس وصولا الى غزة.