/مقالات/ عرض الخبر

الصراع على النقب والوعي

2022/02/05 الساعة 08:59 ص
أطفال النقب في قلب المواجهة مع مغتصبي الأرض والحقوق
أطفال النقب في قلب المواجهة مع مغتصبي الأرض والحقوق

بقلم: راغدة عسيران

شكّلت هبّة أهل النقب الأخيرة، والمستمرة الى اليوم بأشكال مختلفة، تجسيدا واضحا لما أنجزته معركة "سيف القدس" وهبّة القدس والداخل المحتل عام 1948 التي رافقتها، في شهر أيار/مايو الماضي، على الوعي الفلسطيني من ناحية، وعلى وعي المؤسسة الصهيونية ومستوطنيها من ناحية أخرى. هذا على الأقل ما يمكن استنتاجه من التفاعل الفلسطيني والعربي مع أهل النقب المهددين بالاقتلاع عن أرضهم ومنطقتهم، ومن ردود الفعل الصهيونية، العنيفة والعنصرية، ضدهم.

يواجه أهل النقب منذ أكثر من شهر، حملة تهويدية واسعة، تساهم فيها عدة أجهزة صهيونية، الأمنية وملحقاتها كـ"الصندوق القومي الإسرائيلي" و"الدوريات الخضراء"، لاقتلاع السكان الأصليين من المنطقة واستبدالهم باليهود المستوطنين، بحجة "تطوير النقب" أي تهويده، وإفراغه من سكانه العرب، بسبب موقعه الاستراتيجي. وتتواصل هذه الحملة، لا سيما بهدم المنازل، وتتنقل من قرية الى أخرى، كما حصل يوم 2/2/ في قريتي وادي النعم والبقيعة.

لم تعد خافية الأهمية الاستراتيجية لموقع النقب على خارطة المنطقة، من الناحية الجغرافية والاقتصادية والسياسية، إضافة الى الناحية الديمغرافية التي تظل الهاجس الأول لدى الصهاينة بسبب عنصريتهم.  تقع منطقة النقب في الجنوب الفلسطيني وتربط جنوب الضفة الغربية بقطاع غزة، وتمتد جنوبا لتطل على صحراء سيناء من جهة والأردن من جهة أخرى ولتصل الى البحر الأحمر. في شمال النقب، على حدود قطاع غزة، تقع العشرات من المستوطنات والثكنات الصهيونية، وقد تم تهويد مدينة بئر السبع شبه كليا وطرد سكانها الأصليين. أقام الصهاينة عدة سجون في المنطقة، من الشمال الى الجنوب: سجون بئر السبع، سجن النقب، سجن نفحة وريمون، إضافة الى مفاعل ديمونا النووية ومطار عسكري، ومستوطنات وثكنات أخرى مبعثرة بين مدينتي بئر السبع والخليل ومستوطنة ديمونا.

قمعت القوات الأمنية الصهيونية مظاهرات النقب ضد التحريش بشكل وحشي، كالعادة، واعتقلت أكثر من 150 فلسطينيا، ثلثهم من الأطفال القاسرين. وإمعانا في عنصريتهم، ادعى جهاز الشاباك أن أطفال العائلات التي حصلت على لمّ الشمل خلال السنوات الماضية، أي الذين لم يتعلموا كيف يكون "المواطن الصالح" يشكلون نسبة كبيرة (40%) من المحتجين على سياسة الكيان، أي "أبناء لعائلات إحدى الوالدين فيها من الضفة الغربية أو غزة"، ذلك من أجل شق صفوف أهل النقب من ناحية، بين "الأصليين" و"غير الأصليين"، علما أن "غير الأصليين" القادمين من غزة والضفة الغربية هم من العائلات التي تم ترحيلها بين 1948 و1953، وما بعد. ومن ناحية أخرى، استفادت الأجهزة الأمنية والسياسية في الكيان الاستيطاني من هذه المعلومة التي قدّمها الشاباك، لاتخاذ تدابير صارمة ضد حقّ لمّ الشمل، وقد تمكّن أهل النقب من خلالها استعادة نوعا من ديمغرافيتهم السابقة للنكبة، والتي كانت قد هبطت من حوالي 100 ألف فلسطيني في العام 1941 الى 13 ألف في 1951.

لكن تفسير استعداد شباب النقب للدفاع عن أرضهم وقراهم وبيوتهم ضد هجمة التهويد، بكون جزء كبير منهم من أبناء "إحدى الوالدين" من الضفة الغربية أو غزة ليس سوى تغطية على ظاهرة تعتبرها المؤسسة الصهيونية خطيرة جدا، وقد عبّرت عنها وزيرة المستوطنين آلييت شاكيد، عندما اعترفت أنهم، أي غزاة فلسطين الصهاينة، لم يعد يسيطرون على النقب، كما كان يحلم بها بن غوريون.

المسألة ليست لمّ الشمل، بل تغيير جذري في وعي شباب النقب، والشباب الفلسطيني في الداخل المحتل عام 1948، بشكل عام، والذي تجلّىفي هبة الداخل والقدس بالتزامن مع معركة سيف القدس، أو بالتجاوب معها. بعد أيام من انتهاء المعركة، كما كتب عضو المكتب السياسي في "حركة أبناء البلد" المناضل محمد كناعنة، شنّت الأجهزة الأمنية الصهيونية حملة قمع وإرهاب ضد المجتمع الفلسطيني، واعتقلت المئات من الشبان، وخاصة في مدينتي اللد وعكا، لأنها أدركت ان الشباب الفلسطيني بات منفصلا تماما عن المجتمع "الإسرائيلي"، سياسيا وفكريا ووجدانيا، وأن الشباب الفلسطيني أصبح "العدو رقم واحد" للمجتمع الاستيطاني الصهيوني. كتب المناضل محمد كناعنة أن الصهاينة حاولوا من خلال هذا القمع الوحشي "إعادة اعتقال العقل الفلسطيني" لهذا "الجيل الذي يبحث عن صفد الفلسطينية". وقد اتخذت الأجهزة الأمنية عدة إجراءات ضد الفلسطينيين تخوفا من موقعهم الاستراتيجي خلال أي حرب قادمة مع المقاومة.

لهذا السبب، أي "إعادة اعتقال العقل الفلسطيني" عبر القمع والترهيب، شنّت وتشّن الأجهزة الصهيونية كافة، الأمنية والسياسية، حربها على أهل النقب، وخاصة شبابها، المتهمين بأنهم جاؤوا من الجوار (وليس من وراء البحار، كالمستوطنين الصهاينة)، ولم يتعلّموا "المواطنة الصالحة". وأضافة الى هذا الوعي المستعاد لأهل النقب وفلسطينيي 48، أي انتماءهم الى فلسطين والى هويتهم والى المقاومة الفلسطينية الساعية الى تحرير فلسطين من النهر الى البحر، كان لإلتفاف الشعب الفلسطيني، في كل المناطق التي يعيش فيها، في الضفة الغربية وقطاع غزة، وفي اللجوء في دول الجوار أو في المهجر، دورا مميزا في ثبات الشباب المنتفض في النقب وانسلاخه عن المؤسسة الصهيونية بكل أشكالها، والتأكيد على وحدة المصير والقضية والأرض والشعب.

لم تعد مسألة اعتراف بقرى من قبل هذه المؤسسة الاستعمارية الاستيطانية، أو اللجوء الى محاكمها للمحافظة على أراض يمتلكونها منذ أكثر من عمر الكيان الصهيوني، بل أصبحت المسألة الحفاظ على الأرض وعلى الهوية العربية الفلسطينية ورفض كل مشاريع التهويد تحت ذريعة "التطوير"، بالتحرك النضالي الجماعي، بعيدا عن تكتيكات أجنحة من المؤسسة الصهيونية، التي تسعى الى شق صفوف أهل النقب، بين "المتطرفين" و"المعتدلين"، وبين "الإسلاميين" و"العلمانيين".

يخشى الصهاينة وحدة الفلسطينيين، خاصة وأن عائلات النقب المهجّرة الى الجوار الفلسطيني أو العربي (الأردن ومصر) تسعى أيضا الى العودة الى منطقتها الأصلية في فلسطين، وأنها حافظت على علاقات القربى والانتماء، كما كان ذلك واضحا عندما تجمّعت هذه العائلات على حدود قطاع غزة لتعلن عن تضامنها مع أخوانهم المهددين بالترحيل. لقد دلّت هذه الوقفات التضامنية على الترابط الوثيق بين أهل النقب واللاجئين، وأنهم يحملون الهم والقضية الواحدة وينطلقون من تاريخ مشترك جامع خال من الغزاة الصهاينة. في الوقت الذي يحاول فيه الصهيوني تفتيت الشعب الفلسطيني، بما فيه فلسطينيي 48، كما كتب يوما أحدهم بأن الدفاع عن النقب ضد "خطة برافر" ليس من فعل أهل النقب بل من أهل الجليل وأم الفحم، وكأنهم قبائل مختلفة، أثبتت الهبّة الأخيرة لأهل النقب والتفاعل الفلسطيني معها أن الشعب الفلسطيني متماسك حول حقه. ورغم القمع الصهيوني، تفاعلت الوقفات في الشيخ جراح وسلوان والخان الأحمر مع أهل النقب، وكان شعار المشاركين في المظاهرة أمام مقر الحكومة الصهيونية يوم الأحد الماضي "من سلون للعراقيب الصهيوني راح يخيب".

الوعي الجديد لدى شباب النقب لم يظهر فجأة، بل هو حصيلة تراكم لنضالات سابقة، وخاصة النضال المستمر منذ عشر سنوات لأهالي قرية العراقيب البطولية، والتي تم هدمها قبل أيام للمرة 197 من قبل الأجهزة الصهيونية، رغم البرد والعواصف. تمثل قرية العراقيب وأهلها الأبطال مثال التضحية والثبات والإصرار على البقاء في القرية والدفاع عن الأرض والهوية العربية الأصيلة، كما يمثل شيخ العراقيب، الشيخ صياح الطوري، الذي اعتقلته مرارا قوات العدو بحجة رفض أوامر إخلاء قريته، العربي الفلسطيني الحر المعتز بعروبته وقيمه البدوية.

لكن لمعركة سيف القدس والتفاعل معها في كافة أنحاء فلسطين واللجوء، أهمية كبرى أيضا في تغيير الوعي، لأنها لم تؤكد فقط على الوعي الذي أخذ يتبلور خلال المعارك المتلاحقة بين الكيان الصهيوني والمقاومة في قطاع غزة، والنضالات المستمرة على كل أرض فلسطين للدفاع عن الأرض، بل "أحدثت تغييرا في الوعي العربي والوعي الفلسطيني، وأيضاً تغييرا في الوعي "الإسرائيلي" حيث تمكنت من كيّ الوعي "الإسرائيلي" من جهة وبالمقابل رفعت من مستوى الوعي العربي والفلسطيني، وأصبح الكل يدرك بأن "إسرائيل" لم تعد تلك التي كنا نعرفها في السابق" كما صرّح القائد المجاهد زياد النخالة، الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، "بعد هذه الحرب أصبح لدى العرب والفلسطينيين إحساس بأن "إسرائيل" من الممكن هزيمتها، أما "الإسرائيلي" فأصبح مدركا بأنه يعيش في دولة مهددة ليس فيها أمان".

لهذه الأسباب، فإن الصراع على منطقة النقب والحرب الصهيونية ضد أهل النقب وتسريع مشاريع الاقتلاع هي محاولة لاستعادة قوة الردع "الإسرائيلي" والوعي الصهيوني مقابل جمهور فلسطيني لا يملك إلا عزيمته وايمانه وإرادته بأن هذه الأرض له ولن يتخلى عنها.

 

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/178303

اقرأ أيضا