بقلم: سمير أحمد
في السادس من شباط الجاري من المقرر أن يعقد المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية دورة، أعلنت العديد من الفصائل الفلسطينية من داخل المنظمة وخارجها رفضها المشاركة بأعمالها، بسبب تفرد الفريق المهيمن على المنظمة ومؤسساتها، وعلى قرارات المجلس المرتقبة والمراد منها تجديد شرعية السلطة بملئ الشواغر، وتغطية مسلسل التنازلات التي أقدمت عليها، ولا سيما خلال الاجتماعات التي عقدتها أخيرا مع قادة العدو الصهيوني، وأبرزها لقاء العار بين عباس ووزير حرب العدو، ولقاء حسين الشيخ مع وزير خارجية الكيان، وما تمخض عنها من تعزيز "التنسيق الأمني" ودعم الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة لمواجهة قوى المقاومة والناشطين المنتفضين ضد جيش الاحتلال وقطعان المستوطنين.
وقد استبقت سلطة رام الله ومؤسساتها الإعلامية، لقاء الأحد المقبل، المقاطع من قبل مغظم القوى الفلسطينية الفاعلة، ومن الغالبية العظمى من الشعب الفلسطيني بالداخل والخارج، بحملة دعائية شارك فيها العديد من قادة الصف الأول بمن فيهم رئيس السلطة، الذين تحدثوا عن "قرارات تصعيدية" سيتخذها عباس في جلسة المجلس المركزي، الهدف الأساسي منها هو التغطية على سلسلة التنازلات التي أقدمت عليها سلطة رام الله مؤخرا، وعلى القرارات (التنظيمية) التي سيتخذها المجلس والتي تفرد رئيس السلطة برسم معالمها، يدءا بتعيين رئيس جديد للمجلس الوطني الفلسطيني، وتجديد عضوية اللجنة التنفيذية للمنظمة، وتوزيع المهام بداخلها وفق توجهات ومصلحة الفريق المهيمن، ولا سيما عباس الذي يحضر مسرح التوريث السياسي، لتجنب الصراعات الداخلية داخل البيت الفتحاوي...
في ظل هذه الأجواء الملبدة المحيطة باجتماع المجلس المركزي، جاء الاتصال بين وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن برئيس سلطة رام الله في وقت متأخر الاثنين الماضي مساهما في الحملة الدعائية للسلطة... إذ رأى فيه مصدر فلسطيني مطلع، أن الأميركيين كانوا قلقين من أن يتخذ الرئيس الفلسطيني محمود عباس قرارات «تصعيدية» في جلسة «المجلس المركزي» المرتقبة الأحد المقبل، «لذلك طلبوا منه (عبر الاتصال الهاتفي) التريث وإعطاء فرصة لدفع جهود السلام في المنطقة".
الطلب مرره وزير الخارجية الأمريكي إلى أبو مازن في الاتصال الذي جرى بينهما، قبل أن يتصل لاحقاً بوزير الخارجية "الإسرائيلي" يائير لبيد، ضمن حراك سياسي تصاعد في المنطقة قبل جلسة «المركزي»، وشمل كذلك لقاء أمين سر «اللجنة المركزية لحركة فتح»، جبريل الرجوب، بوزير الخارجية المصري سامح شكري، واتصالاً بين عضو «مركزية فتح» الوزير حسين الشيخ ومبعوث الرئيس للشرق الأوسط ونائب وزير الخارجية الروسية، ميخائيل بوغدانوف.
وأضاف المصدر الفلسطيني أن الإدارة الأميركية قلقة من مخرجات «المجلس المركزي» المقبلة، وأن لديهم تخوفات من أن يقدم الرئيس عباس على قرارات تصعيدية «في ظل انعدام الأفق السياسي». و«لذلك طلبوا منه إعطاءهم فرصة. ليس للأميركيين فقط. بل لكل الأطراف ذات الصلة. لقد طلبوا من القيادة التريث، وعدم اتخاذ قرارات أو تفعيل القرارات السابقة للمركزي». وأوضح المصدر أن اتصال بلينكن بعباس كان يهدف لإعطاء الانطباع «بأن الإدارة الأميركية ملتزمة بعملية السلام، وأنه لا داعي للتصعيد فلسطينياً، لكن عملياً لا يوجد أي اختراق أو وعود محددة".
ان استثمار السلطة للاتصال الامريكي بعباس وما جاء فيه يدخل ضمن السلوك الإعلامي الذي تلجأ إليه السلطة لإثارة الضجيج حولها لخلق انطباعات كاذبة بأنها بصدد اتخاذ "قرارات مصيرية" بعد أن تيقن الشارع الفلسطيني أنها ماضية في طريق التنازلات التي لا قعر لها، وتقديم الخدمات الأمنية المطلوبة منها لوقف كل أعمال المقاومة الموجهة لجيش الاحتلال وعصابات المستوطنين التي تنتشر هذه الأيام في الصفة الغربية المحتلة، وعلى امتداد الجغرافيا الفلسطينية، من النهر الى البحر، والتي تبشر باندلاع انتفاضة جديدة .
ان الشارع الفلسطيني (الذي جرب المجرب) يدرك أكثر من غيره ان الترويج لما تسميه السلطة "القرارات المصيرية"، التي سيتمخض عنها اجتماع المجلس المركزي يوم الأحد المقبل، لا تعدو كونها فقاعات فارغة، سبق وأصدرتها مؤسسات منظمة التحرير، لكنها بقيت حبرا على ورق رغم أنها حظيت بإجماع شعبي وفصائلي فلسطيني...
فقد سبق للمجلس المركزي أن أصدر قرارات "مصيرية" بما يشمل تعليق الاعتراف بالكيان الصهيوني، إلى حين اعترافه بدولة فلسطين على حدود 4 حزيران/يونيو عام1967 وعاصمتها القدس الشرقية. كما قرر وقف "التنسيق الأمني" بأشكاله كافة، والانفكاك الاقتصادي، باعتبار أن المرحلة الانتقالية؛ ضمنها "اتفاق باريس"، لم تعد قائمة، وخول "المجلس المركزي" رئيس السلطة واللجنة التنفيذية، متابعة تنفيذ ذلك وضمان تنفيذه، وهو ما لم ير النور حتى تاريخه.
ان سلطة برئاسة عباس ومساعدة من حوله ليست في وضع يخولها الضغط على أحد، ولا سيما بسبب مسلسل التنازلات الذي تقدمه، وخصوصا بعد لقاء عباس – غانتس، ولقاء الشيخ – لبيد، والفساد المستشري في داخلها وتحولها إلى بنية أمنية في خدمة الاحتلال مقابل مساعدات ومكاسب مادية وتعزيز نفوذ.
أن انعقاد "المجلس المركزي" وفق الظروف الحالية يخدم تكريس حالة الانقسام القائمة، ويوجه طعنة لكل جهود المصالحة، (وآخرها الجزائرية) والاخطر من ذلك أنه يهدف إلى منح شرعية مؤسساتية للتنازلات المجانية التي قدمتها وتقدمها سلطة رام الله.
