وكالة القدس للأنباء - متابعة
تصاعدت المواجهات تدريجياً في النقب خلال الأسابيع القليلة الماضية، بين المؤسسة الأمنية "الإسرائيلية" من جهة وفلسطينيي النقب من جهة أخرى، نتيجة الإجراءات "الإسرائيلية" الرامية للسيطرة على الأراضي (الفلسطينية) البدوية، عبر تنفيذ مشروع استيطاني كبير، يهدف إلى تهجير الفلسطينيين وتجريف أراضيهم وهدم قُراهم، تحت شعار "تشجير وتزهير" الصحراء وتطوير المناطق البدوية في النقب، في مخطط أشبه باحتلال فلسطين عام 1948م، لكن هذه المرة بأدوات وأساليب أمنية ومخططات استخباراتية مختلفة.
المئات من المتظاهرين الفلسطينيين تصدوا لعناصر الشرطة "الإسرائيلية" واشتبكوا معهم لعدة أيام متواصلة احتجاجاً على مشروع التشجير الذي يشرف عليه الصندوق القومي اليهودي في صحراء النقب، وهو ما يعتبره فلسطينيو الداخل جزءاً من الجهد الرسمي للمستوى السياسي والأمني الهادف لمصادرة هويتهم الفلسطينية والسيطرة على قراهم وبلداتهم ذات المساحات الواسعة والممتدة، حيث تزعم الحكومة "الإسرائيلية" أن أراضي النقب هي أراضٍ "عامة" مملوكة للدولة، وأن البدو يعيشون فيها بشكل غير قانوني.
وتحاول الحكومة "الإسرائيلية" في كل مرة تطويق الأحداث ومحاصرة آثارها في النقب، خوفاً من تأثيرها على المناطق العربية الأخرى وامتداد رقعتها إلى مناطق الضفة والشمال، في ظل حضور المخاطر الاستراتيجية في ذهن صانع القرار "الإسرائيلي"؛ لانخراط فلسطينيي الداخل في أحداث الحرب على غزة في أيار/مايو 2021م، ولذلك تعمد الحكومة "الإسرائيلية" إلى الالتفاف على صمود البدو في النقب عبر تجزئة وتقسيم المناطق المستهدفة كي يسهل السيطرة عليها، أو من خلال تقديم حلول وسط تتمثل بخطط "غير مسبوقة" للاعتراف بعدد من القرى البدوية، أو تقديم بعض الاغراءات لنقل البدو إلى المدن الحضرية الحديثة.
نظرة تاريخية
النقب منطقة صحراوية تقع أقصى جنوب فلسطين، وتشكل ما نسبته 50% من مساحة فلسطين التاريخية، حيث تبلغ مساحتها حوالي 14 ألف كيلومتر مربع، ويقطن صحراء النقب الكثير من القبائل والعشائر العربية التي ترتبط ارتباطاً اجتماعياً بقبائل سيناء وشبه الجزيرة العربية والأردن، وتشترك صحراء النقب في الجزء الجنوبي في حدودها مع الأردن شرقاً وصحراء سيناء غرباً، ويفصلها عن البحر الأحمر مدينة أم الرشاش "إيلات" من جهة الجنوب، أما من الجهة الشمالية فتعد مدينة الخليل من أقرب المدن الفلسطينية إليها.
وتنحدر معظم قبائل وعشائر النقب من قبيلة الترابين والتياها والعزازمة والجهالين والقديرات والظُلام وقبائل أخرى، وتعد منطقة النقب جزءاً أساسياً من المكوّن الجغرافي والديمغرافي لفلسطين، كما أن البدو الذين يسكنون فيها يشكلون جزءاً أساسياً من التركيبة السكانية الفلسطينية بتقسيماتها التقليدية: "البدو، الفلاحين، والحضريين" ويملكون من أراضي النقب ما يقارب الـ30 مليون دونم، وقد بلغ التعداد السكاني للبدو في النقب عام 1948 أكثر من 100 ألف نسمة، نزح غالبيتهم قسراً، حيث هجّرتهم العصابات اليهودية إلى قطاع غزة وسيناء والأردن، بينما بقي 11 ألف نسمة تم تجميعهم بمنطقة أسمتها إسرائيل "السياج".
ويتجاوز عدد السكان العرب اليوم في صحراء النقب الـ 300 ألف نسمة، حيث أصبحوا يشكّلون نصف عدد السكان بعد أن عززت الحكومة "الإسرائيلية" الاستيطان في النقب خلال العقود السبعة الماضية، ووفقاً لوزارة الخارجية "الإسرائيلية"، يوجد حوالي 367,000 من البدو في "إسرائيل" جميعهم من المسلمين، منهم حوالي 300 ألف بدوي يعيشون في صحراء النقب، ويتوزّع العرب البدو في النقب على مدن وقرى وتجمعات يقيمون فيها، ومن بين هذه المدن والقرى وفي مقدمتها تأتي بئر السبع العاصمة الإدارية للنقب، ورهط وتل السبع واللقية وعرعرة وتل عراد وكسيفة ومدن وقرى أخرى وعددها أكثر من 10 مدن و160 قرية.
لا شك أن الحملة "الإسرائيلية" المتواصلة لتهويد المناطق الصحراوية في النقب لها أسبابها الموضوعية المتعلقة بالمعركة الديمغرافية والجغرافية، إلّا أن ما تشهده هذه المنطقة اليوم من صراع بين الفلسطينيين والمؤسسة الأمنية "الإسرائيلية" حول الوجود والهوية؛ لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق التاريخي الذي أسّس له ديفيد بن غوريون، منذ أعلن أنه "من الصعب قيام الدولة اليهودية في إسرائيل بدون صحراء النقب"، وبعد ما يزيد عن الـ 70 عاماً من الاحتلال، ما زالت الجماعات الصهيونية تخشى أن يصبح في نهاية المطاف غالبية سكان هذه الصحاري مرة أخرى من الفلسطينيين بعد أن تم تهجيرهم منها خلال عقود مضت.
لذلك تدعو تلك الجماعات الصهيونية إلى أن تبدأ (سلطات الاحتلال) باستثمارات كبيرة في تلك الرقعة الصحراوية لإقناع أغلب اليهود بالانتقال إليها من وسط "إسرائيل" المزدحم لتحقيق رؤية بن غوريون، الذي كان يحلم أن تضم صحراء النقب خمسة ملايين يهودي يعيشون ويعملون فيها، لكن وبرغم كل التسهيلات والحملات الحكومية الداعمة للترغيب بالاستيطان في مناطق النقب؛ لا يزال تعداد اليهود في تلك المنطقة يقارب نصف المليون فقط، كما أن النقص النسبي في الوظائف والخدمات هناك يجعل من الصعب إقناع عدد أكبر أن ينتقلوا إلى تلك المنطقة القاحلة.
يقول داني غيلكيسبيرغ، أحد مؤسسي منظمة "آيالم"، التي تعمل على تشجيع الطلبة للعيش والقيام بأعمال تطوعية في النقب، ومنطقة الجليل الأعلى: "إذا لم نعمل بشكل أسرع، فإننا قد نجد أنفسنا في مواجهة كارثة تتعلق بما يقرب من 80% من أراضينا التي لا تعتبر موطن نزاع"، لذلك أقرت الحكومة "الإسرائيلية" عام 2005 ما عُرف بـ "الخطة القومية الاستراتيجية لتطوير النقب"، بهدف زيادة عدد اليهود ليصلوا إلى قرابة المليون نسمة، على ألا يزيد الفلسطينيون فيها عن الـ200 ألف نسمة، وفي عام 2011 أقرت خطة أخرى لإقامة 100 مزرعة مخصصة مساحة 80 دونماً مجاناً لكل عائلة يهودية تستوطن في المنطقة.
مشاريع تهويدية
اعتمدت الحكومات "الإسرائيلية" المتعاقبة عدداً من المشاريع والقوانين بهدف تهويد المناطق البدوية في النقب، فما بين الأعوام 1948-1966، سنّت الحكومة الإسرائيلية قانون أملاك الدولة 1951 واستملاك الأرض 1953، ولقد تمت المُصادرة الرّسمية الأولى للأراضي البدوية في النقب عام 1960، حين صادرت الدّولة 9 ملايين دونمٍ من أراضي النّقب الجنوبيّ وأعلنت عنها مناطق عسكريّة، وبعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد تمت مصادرة أكثر من 27000 دونم في منطقة تلّ الملح لإقامة مطار "نبطيم" العسكريّ ومنطقة "كدمات هنيقب" للصناعات العسكرية، كما تمت مصادرة 118000 دونم في أبو تلول لإقامة المنطقة الصّناعيّة العسكريّة "رمات بيكع".
وقد نشر موقع وزارة الخارجية "الإسرائيلية" عام 2011م معلومات حول تنامي المشاريع التقنية والتكنولوجية في مناطق النقب، وأصبحت مدينة بئر السبع تضم حوالي 200000 شخص، بينما أصبحت مدن مثل ديمونا -التي تضم المفاعل النووي- ويروحام تجتذب العديد من السكان الجدد الذين يتمتعون بخدمات جيدة، ومن بين أبرز المشاريع في مجال البنى التحتية والتي أقنعت سكان تل أبيب بالانتقال إلى النقب، شق الطريق السريع الذي يربط مناطق الشمال بالنقب، وربّما كانت جامعة بن غوريون في النقب أبرز العناصر المؤثرة في النمو التكنولوجي بالنقب، فقد ساهمت بتطوير مشاريع في مجال الاتصالات ومراقبة الشبكات الاجتماعية، بالإضافة إلى إنشاء مجمع النقب لشركات التقنية المتقدمة، فضلاً عن إنشاء مجمعات تجارية كبرى في بئر السبع، لتخدم المستخدمين والسكان الجدد الذين سينتقلون إلى المدينة.
في الوقت نفسه عملت "إسرائيل" بين عامي 1948- 1953 على تركيز العرب في منطقة أُطلق عليها "السّياج" وكان هذا التّركيز الأوّل، التّركيز الثّاني في بلدات محدّدة أقرّته "اللّجنة الوزاريّة لشؤون البدو" عام 1962، ومعه رسمت معالم إستراتيجيّة تركيز أكبر عدد من العرب على أصغر رقعة أرض، وتوزيع أقلّ عدد من اليهود على أوسع مساحة أرض، وقد نجحت حتى الآن بتركيز نحو (56%) من بدو النقب في سبع بلدات وهي: "رهط، حورا، تل السبع، لقية، شقيب السلام، كسيفة، عرعرة"، ويأتي ذلك ترجمةً لتهويد النقب بمنطق "إنقاذ الأرض" بهدف تغيير الميزان الديمغرافي لصالح اليهود على حساب الفلسطينيين.
المهدِّد الديمغرافي
حافظت المرأة الفلسطينية في النقب خلال العقود الماضية على معدل خصوبة يعتبر الأعلى في "إسرائيل" والعالم، فحسب معطيات المكتب المركزي للإحصاء وصل معدّل الانجاب عام 1996 إلى رقم قياسي بلغ 10.6 طفل للمرأة، 2.5 ضعف المعدل في أوساط الفلسطينيين في شمال البلاد، وتقريباً أربعة أضعاف المعدل في أوساط اليهود، ولكن خلال العشرين عامًا التالية وحتى عام 2015، انخفضت نسبة الإنجاب إلى 5.5 أطفال لكل أم، وفق معطيات معهد "مايرس بروكديل"، فيما بلغ معدل الإنجاب لدى اليهوديات المتشددات دينيًا "الحريدية" سبعة أطفال، وهي نسبةٌ مستقرةٌ منذ عقد الثمانينات من القرن الماضي.
أمام المعطيات الديمغرافية أعلاه قال عضو الكنيست "الإسرائيلي" بتسلئيل سموتريتش في حزيران/يونيو 2020م: إن معدل الولادات عند البدو في النقب هو قنبلة يجب تفكيكها، وأن الفلسطينيين يتضاعفون كل 12 سنة، ويجب على "إسرائيل" أن تكبح هذا الاتجاه، مضيفاً: "كلما عملنا على تحويلهم إلى غربيين بشكل أكبر، كلما انخفض معدل المواليد"، وأن إسرائيل "إذا لم تعطّل آليتها فستنفجر بقوة أكبر في وجهها"، ويؤكّد سموتريتش أنه من الواجب على إسرائيل الحفاظ ديموغرافياً على الأغلبية اليهودية، ليس فقط في الشمال وإنما في النقب أيضاً، وهذه هي رؤية ديفيد بن غوريون، وهو المشروع الذي يسابق الصندوق القومي اليهودي الوقت في تنفيذه تحت ستار تشجير وتزهير الصحراء.
ويرى القادة (الصهاينة) أن نسبة النمو السكاني في أوساط الفلسطينيين البدو في النقب مرتفعةٌ وأنه خلال عقدين سيرتفع عددهم من 250 ألف فلسطيني يعيشون حاليًا في النقب إلى نصف مليون شخص، وبذلك سيُشكل البدو نصف سكان النقب، ووفقًا لتقديرات نشرتها صحيفة "ذا ماكر" الاقتصادية العبرية؛ كان التلفزيون العبري كشف منتصف عام 2017 عن نقاشٍ مغلقٍ أداره رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو حول معدل الولادة لدى بدو النقب، مبينًا أن المعطيات أصابت نتنياهو بحالة من الذهول، فعلّق قائلاً: "هذا تهديدٌ وجودي يفرض بلورة خطة قومية".
الخلاصة:
يرى القادة (الصهاينة) أن الخطر المرتبط بـ "المشكلة البدوية" لا يتوقف عند المهددات الأمنية على الكيان فحسب، بل يمتد إلى مخاطر تتعلق بالمهدد الديمغرافي المرتبط بمستقبل الوجود "الإسرائيلي" برمته، فلقد فشلت إلى حد كبير خطة "تطوير وتزهير المناطق الصحراوية في النقب" طيلة عقود في تغيير الواقع الديمغرافي من جهة، حيث حافظ المجتمع البدوي على معدلات خصوبة جيدة مقابل معدل الخصوبة لدى المجتمع اليهودي في النقب، ومن جهة أخرى عجزت الدعاية الإسرائيلية والمخططات التهويدية في سلخ المجتمع البدوي عن هويته الفلسطينية وعزله عن القضايا الوطنية.
كذلك تخشى الأجهزة الأمنية والاستخبارية (الصهيونية) من ظاهرة تزايد حالات الاعتقال وسط أبناء النقب على خلفية المشاركة في "أنشطة معادية لإسرائيل"، ما يشير إلى استجابة وتفاعل المجتمع البدوي مع النداءات القادمة من شبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام والفصائل الفلسطينية، ما يؤكد ذلك هو توجّه المتظاهرين خلال المواجهات الأخيرة إلى رفع الاعلام الفلسطينية والهتاف باسم مقاومة غزة ومحمد الضيف، ومن الملاحظ أن الحرب الأخيرة على غزة ساهمت في تعزيز روح الانتماء الوطني لدى الفلسطينيين في النقب؛ حين دخلت الفصائل في جولة عسكرية كبيرة دفاعاً عن القدس ورفضاً لتهجير أهالي حي الشيخ جراح، الأمر الذي يدفع بمزيد من الصمود والثبات في مواجهة المخططات التهويدية. (المصدر: عكا للشؤون الإسرائيلية)





