/مقالات/ عرض الخبر

الأمم المتحدة واليهود والصهيونية

2022/01/28 الساعة 10:05 ص

بقلم: راغدة عسيران

قبل أيام، تبنّت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا تقدّم به الكيان الصهيوني، يدين إنكار "المحرقة" بحق اليهود وما يسمى "معاداة السامية"، أي بلغة الصهاينة والدول الغربية، معاداة الكيان الاستعماري "الإسرائيلي".

طالبت الجمعية العامة، في هذا السياق، ملاحقة المحتوى الإعلامي في العالم الذي لا يعتبر ما حلّ باليهود الأوروبيين على يد النازيين "حدثا تاريخيا"، و"اتخاذ تدابير فاعلة لمحاربة معاداة السامية والإنكار"، وطالبت الدول "صياغة برامج تثقيفية تحفر في أذهان الأجيال القادمة تعاليم "المحرقة".

في الوقت ذاته، صدر مقال لكاتبين بريطانيين يدافعان عن الفنانة ايما واتسن، المتهمة من قبل الصهيونية العالمية بكونها "معادية للسامية" لأنها عبّرت عن تضامنها مع الشعب الفلسطيني. في هذا المقال، يناقش الكاتبان (ست جالي وروجر واترز) الاتهام الصهيوني الجاهز ضد كل كاتب أو فنان أو سياسي في العالم يدعم الشعب الفلسطيني. إضافة الى أن هذه التهمة الكاذبة تهدف الى التغطية على الجرائم الصهيونية الحالية والماضية بحق الشعب الفلسطيني، كما يوضّح الكاتبان، فإنها تشرعن معاداة السامية الحقيقية (التي يتبناها اليمين المتطرف الفاشي في الغرب) وتجعلها أكثر احتراما.

"بهذا المعنى، الصهاينة الذين يدافعون عن "إسرائيل" هم الأكثر ترويجا لمعاداة السامية الحالية"، لسببين أساسيين: أولا الادعاء بأن الكيان الصهيوني واليهود في العالم هم شيء واحد، واعتبار "إسرائيل" دولة اليهود، كما عبّر عن ذلك تعريف "معاداة السامية" من قبل الصهيونية العالمية والذي تم اعتماده بشكل واسع في العالم الغربي، أي أن معاداة السامية يعني "استهداف دولة إسرائيل المتشكّل كمجتمع يهودي".

والسبب الثاني هو أن العنف "الإسرائيلي" اتجاه الفلسطينيين أصبح بيّنا أكثر، من جراء استخدام الأدوات الإعلامية الجديدة من قبل مناصري الشعب الفلسطيني، ما يعني أن الكيان الصهيوني هو المسؤول، بأفعاله وأقواله، عن إشاعة معاداة السامية أو كره اليهود. يواصل الكاتبان بالقول أن المشكلة تقع عندما تعتبر "إسرائيل" أنها تمثل اليهود، في حين ترتكب جرائم حرب وفظائع، ما يعني أن شعوب العالم ستحمّل اليهود مسؤولية ما تفعله "إسرائيل"، لأنها تكره الظلم أساسا.

ما تفعله الأمم المتحدة، عندما توافق على ادعاء الكيان الصهيوني تمثيل اليهود في العالم وعندما تتبنى مقولاته حول "المحرقة" و"معاداة السامية"، هو بحد ذاته دعوة الى كراهية اليهود، لأنها بذلك تغطي أولا على الجرائم الصهيونية المتكررة منذ قرن من الزمن بحق الشعب الفلسطيني والشعوب العربية الأخرى، وتشرعن وجود الكيان الصهيوني، ليس فقط ككيان استعماري استيطاني، بل ككيان لليهود، إذ أنها تسمح له بالنطق باسم يهود العالم. وثانيا، تعادي هيئة الأمم المتحدة شعوب العالم التواقة الى السلام والعدالة والتحرر، وتفقد مصداقيتها أمامهم، عندما تتبنى قمع حرية التعبير وملاحقة المحتوى الإعلامي المتضامن مع الشعب الفلسطيني باتهامه بمعاداة السامية كما يفعل الكيان الاستيطاني، وكما بدأت تفعل بعض العواصم والمؤسسات الغربية.

من ناحية أخرى، ان اعتبار "المحرقة" "حدثا تاريخيا" ومطالبة دول العالم تثقيف الشعوب حولها يعني أن الأمم المتحدة تعتبر أن التاريخ الأوروبي وصراعاته أجدر بالاهتمام من تاريخ شعوب العالم، التي عانت وما زالت من المجازر والإبادة، إذ يكفي أن تتبنى التعبير الصهيوني "الهولوكوست" لاعتبارها أن المجزرة التي حلّت باليهود الأوروبيين تختلف عن المجازر التي ارتكبها الأوروبيون في العالم.

لماذا لا تطلب هيئة الأمم المتحدة بتثقيف الشعوب حول المجازر وحرب الإبادة التي حلّت بالأمم الهندية في أميركا التي ارتكبتها شعوب "راقية ومتقدمة" كالشعوب الأوروبية الليبرالية والديمقراطية؟ لماذا لا تطلب هيئة الأمم المتحدة، إن كانت فعلا تسعى الى تصالح الشعوب وإنهاء الحروب في العالم، بتثقيف الشعوب حول المجازر التي ارتكبها الأوروبيون في بلاد إفريقيا وآسيا، في القرون الماضية، وكيف نهبوها، لتدرك شعوب العالم أن العنصرية المتأصلة في تكوين ثقافتهم (الأوروبيون)، ما زالت حيّة وتهدّد يوميا مستقبل كافة الشعوب؟ لماذا أخيرا لا تطلب من دول العالم تثقيف شعوبها حول النكبة الفلسطينية، التي يعاني منها الشعب الفلسطيني الى اليوم، لتدرك شعوب العالم لماذا يعيش أكثر من ثلثي الشعب الفلسطيني في اللجوء وأنه يسعى الى العودة الى وطنه المسلوب، ولتدرك أيضا لماذا يقاوم ويقاتل ويناضل الشعب الفلسطيني لاستعادة أرضه وحريته.

قد تسارع بعض الدول الهشّة والفاقدة للسيادة والتابعة للولايات المتحدة والغرب الاستعماري، والتي تريد رضاها، الى تغيير مناهجها التربوية، كما فعلت دولة الإمارات والمملكة المغربية مؤخرا، لتسويق رواية صهيونية كاذبة، لكن ذاكرة الشعوب المقهورة أعمق من أي كتاب أو معرض أو ندوة يسعون الى محو تاريخ الشعب الفلسطيني وإنكاره وإنكار حقه في وطنه فلسطين، من البحر الى النهر. ذاكرة الشعب الفلسطيني والشعوب العربية والإسلامية أعمق من "البرامج التثقيفية" التي تنوي اليونسكو وغيرها من المؤسسات الدولية ترويجها لتزوير التاريخ واعتبار الكيان الصهيوني كيانا طبيعيا وليس استعماريا استيطانيا توسعيا.

 

 

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/178033

اقرأ أيضا