/مقالات/ عرض الخبر

فلسطين بين سردية الظلم وسردية المقاومة

2022/01/17 الساعة 09:11 ص
المواجهة في النقب.. نار تحرق المستوطنين
المواجهة في النقب.. نار تحرق المستوطنين

بقلم: راغدة عسيران

بقلم: راغدة عسيران

صدرت في بداية هذا العام تقارير أممية ومحلية تعدّد الجرائم الصهيونية خلال العام 2021، وأشارت الى أن الكيان الصهيوني يواصل قتل الفلسطينيين المتعمد وجرحهم واعتقالهم، في كل مناطق فلسطين المحتلة، كما يواصل هدم منازلهم ومنشآتهم الاقتصادية، بحجج مختلفة، ويواصل سرقة الأرض، من الأغوار الى النقب، ومن جنين الى يافا، لبناء المستوطنات اليهودية، ويهوّد المقدسات، ويستبيح المقابر العربية ويحرق المزروعات، ويعرقل تنقّل وحركة الفلسطينيين في وطنهم، وقد شنّ هجوما تدميريا ووحشيا على قطاع غزة الذي يحاصره، ويواصل حربه على الأسرى حيث يمنع عنهم الدواء والطبابة ويمارس بحقهم القتل البطيء.

يصرّح أركان المؤسسة الصهيونية أنهم سيواصلون حربهم ضد الفلسطينيين ويهدّدون يوميا الشعب الفلسطيني ومن يقف معه بحرب الإبادة. كل ما يصدر عن الكيان الاستعماري الاستيطاني ليس إلا تأكيدا على الطبيعة الإجرامية للغزو الصهيوني لفلسطين قبل قرن من الزمن.

لقد أصبحت سردية الظلم الذي يعاني منه الشعب الفلسطيني سردية شائعة، تتناولها وسائل الإعلام في العالم، رغم الحصار المفروض عليها من قبل "المجتمع الدولي"، أي العواصم الغربية المالكة للوسائل الإعلامية الضخمة التي تتغنى بالديمقراطية وحرية التعبير، والتي تبث غالبا نظرة الاستكبار العالمي والصهيوني لما يحدث في المنطقة وفي العالم.

رغم هذا الحصار الإعلامي، أو بالأحرى الحرب الإعلامية التي تشنّها الدوائر الاستعمارية على السردية الفلسطينية المدعومة من قبل الشعوب الحرة في العالم، تمكّنت سردية الظلم والفظائع التي يرتكبها الاحتلال يوميا بحق الشعب الفلسطيني من اجتياز العوائق وتوسيع دائرتها، لتصل أحيانا أصواتها الى من يسمونهم "صناع القرار" في العالم.

إن كانت سردية الظلم بحق فلسطين والفلسطينيين متداولة عالميا، فإن سردية المقاومة غير منتشرة إلا في بعض الأوساط الفلسطينية والعربية، ونادرا العالمية التي تتسم بـ"الراديكالية". سردية المقاومة هي السردية التي تتحدث عن المقاومة منذ بداية الغزو الصهيوني أو حتى قبله ضد الاحتلال البريطاني، وتنقل تجارب المقاومين الى الجمهور الواسع، فلسطينيا وعربيا وعالميا، وتذكّر بأفعالهم وبطولاتهم، وحياتهم وكيف استشهد الكثير منهم، كيف واجهوا الدبابات والقوات الغازية، وكيف عاشوا ملاحقين، وما هي أفكارهم وطموحاتهم، وكيف أسسوا خلايا المقاومة في مناطقهم، وكيف تم اعتقالهم، وكيف واجهوا الغزاة في السجون وفي التحقيق، وما هي أساليبهم للمحافظة على انسانيتهم، رغم كل الأدوات الوحشية التي يستخدمها العدو ضدهم. سردية المقاومة هي أيضا سردية من احتضن المقاومين ولاحق المخبرين والمطبعيّن، وواجه القمع ودعم أهل المقاومين، الشهداء والأسرى.

رغم أن السرديتين، سردية الظلم وسردية المقاومة، تنطلقان من الواقع الفلسطيني وغير منفصلتين تماما بحيث تكونان أحيانا متكاملتين، إلا أنهما تختلفان حول نقاط عدة، المنطلق والهدف والتوجه والآفاق.

من ناحية المنطلق، تؤمن سردية المقاومة بالحق الفلسطيني المطلق في أرضه ووطنه ووحدة الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده، كما تؤمن بحق المقاومة المطلق بإزالة هذا الكيان الاستيطاني ومستوطنيه وبحق التحرر من الاحتلال ومن سجونه. تعتبر أن الوسيلة الوحيدة لإزالة الظلم الذي وقع على الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة، وكل الشعوب المقهورة، هي المقاومة. في حين أن سردية الظلم قد لا تشير الى المقاومة لاستعادة الأرض والوطن المسلوب، وقد تعتبر أن المقاومة إحدى السبل للتفاوض بشروط أفضل كون هذه السردية تنطلق من مبدأ تحميل مسؤولية الظلم على المجتمع الدولي، وتسعى الى تسوية الصراع من خلاله.

تهدف سردية المقاومة الى منح الثقة بالنفس، وتربية الأجيال على المثل العليا التي يشكلها الأبطال المقاومون، خاصة وأنهم من هذه البيئة وهذا الزمن، فتشكّل إضافة الى المثل العليا في التاريخ، لمحاربة الخنوع والاستسلام للظلم والظالمين، مهما كانوا وأينما وجدوا، وبث روح الثورة ورفض الاستكانة والانتظار. تؤمن بأن المقاومين هم من يصنعون التاريخ، وستظل سيرتهم تلهم الشعوب الساعية الى التحرّر.

تتوجه سردية المقاومة الى الشعب الفلسطيني خاصة والى الشعوب التي تعيش أنواعا من الظلم، فهي مدرسة تلتحق بمدارس الثورة في كل مكان، وتربط تجربتها بتجارب الشعوب المقهورة التي انتفضت وثارت وانتصرت على الظالم والمحتل والمستوطن، وتسعى الى توسيع دائرة المقاومة، في حين تتوجه سردية الظلم الى شعوب العالم وحكامها، وتسعى الى تغيير واقع الظلم من خلال تفهّم العالم لمظلومية الشعب الفلسطيني.

تختلف سردية الظلم عن سردية المقاومة، من ناحية الأفق، حيث أن سردية المقاومة تسعى الى تحرير الأرض والانسان في حين أن سردية الظلم تنتظر الحل ولا تطرح، عمليا، أفقا واضحة، ما يعني أن سردية المقاومة تنشد الحركة مقابل السكون والانتظار، بهدف التحرير.

تقع سردية الصمود بين السرديتين، فهي ساكنة ومتحركة في الوقت ذاته، فيها انتظار للحل وفيها تحدي للواقع، وتهدف الى إثبات الهوية بمختلف أشكالها، وتركّز على الانتماء الى هذه الأرض وهذا الشعب. تتخذ أشكال مختلفة، من المحافظة على التراث وتنمية القدرات الفردية والجماعية، الى النهوض بالمجتمع اقتصاديا وتعليميا.

قد تتجاوب بعض النخب في العالم مع سردية الظلم، وسردية الصمود الى حد ما، وتتبناها، وحتى من قبل بعض النخب "الإسرائيلية" الليبرالية، التي لا تمانع من تقسيم الأرض الفلسطينية أو التعايش مع الفلسطينيين، دون إعادة النظر في "حق" وجود المستوطن الأجنبي في هذه البلاد. هذا ما عبّرت عنه، بطريقة أخرى، الباحثة د. رنا بركات من جامعة بير زيت في إحدى دراساتها، عندما انتقدت، ضمن الدراسات الأكاديمية، ما يسمى بدراسات "الاستعمار الاستيطاني"، التي شاعت قبل عقد من الزمن، والتي تركّز على الظلم الذي عانت منه الشعوب الاصلانية، واعتبار أن تلك الحقبة انتهت بسيطرة المستوطنين، الذي يجب عليهم الاعتراف بما اقترفه أسلافهم.

في المقابل، تركّزالدراسات "الأصلانية" (indigenous studies) على نضال ومقاومة الشعوب الأصلانية التي ترفض الواقع الاستعماري وتنطلق من ذاكرة وسردية الشعوب الأصلانية. فالذاكرة هي التاريخ والانتماء الى الأرض والأمة والعقيدة، التي تلهم المقاومة وتوجهها نحو المستقبل. أما سردية الظلم التي تركّز عليها دراسات الاستعمار الاستيطاني تنطلق زمنيا من واقع الاستعمار وتربط تاريخ الشعب الأصلاني بتفاعله مع الجماعات الاستيطانية، وكأنها الحقبة التاريخية المؤسسة لمستقبل مشترك، وقد تم ابتكار اسم "فلسطين/اسرائيل" على هذا الأساس من قبل هذه الشريحة العالمية المكوّنة من "البيض" أساسا.

الدراسات الكولونيالية (سردية الظلم) تصف بشاعة عملية الاستيطان وجرائمه، لكنها لا تسعى الى تغيير الواقع، بخلاف الدراسات الأصلانية (سردية المقاومة) التي تنطلق من إرادة تغيير الواقع من خلال استخلاص العبر من تجارب شعوبها. من هذا المنطلق، إضافة على التأكيد على أن المقاومة حق وواجب، تستعيد سردية المقاومة سير الأبطال الذين واجهوا ويواجهون الظلم، رغم الظروف الصعبة، من أجل ترسيخ فكرة المقاومة لدى الأجيال الصاعدة، وبناء مجتمع مقاوم يرفض كل أشكال الظلم والمسّ بالكرامة الانسانية.

 

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/177572

اقرأ أيضا