/دراسات/ عرض الخبر

العنف في أراضي 48... حين نتخلّى عن تحليل الخطاب الكولونياليّ

2021/12/27 الساعة 11:37 ص

بقلم: وليد دقّة*

يغيب تحليل الخطاب الكولونياليّ وأدواته، عمومًا، في قراءة ظاهرة العنف في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة عام 1948 (الداخل)، ما يؤدّي إلى الخلط بين ما آلت إليه الظاهرة وأسبابها الحقيقيّة، لتُعْتَبَر نتائجها أسبابًا. إنّ انهيار البنى التقليديّة في المجتمع بفعل التحديث السريع، وغياب تطوير البنى الاجتماعيّة، والفقر بفعل السياسات النيوليبراليّة، والبطالة، وغيرها، اعْتُبِرَت في نظر الأحزاب العربيّة أسبابًا للعنف؛ وإن بَدَتْ بينها بعض الفوارق الطفيفة في النبرة السياسيّة، إلّا أنّها تشترك في القراءة. هذا الغياب لتحليل الخطاب الكولونياليّ وأدواته، أخرج العنف الصهيونيّ الممارَس في المحيطين الفلسطينيّ والعربيّ من القراءة، بصفته أهمّ مسبّبات ظاهرة العنف.

حتّى أحزاب تتّفق مبدئيًّا مع ضرورة تحليل الخطاب الكولونياليّ وأدواته، مثل «التجمّع الوطنيّ الديمقراطيّ»، لم تحوّل هذا التحليل إلى خطاب إعلاميّ تعبويّ وتثقيفيّ للقواعد الحزبيّة، ولم تؤصّل خطابها بهذا الشأن بقراءات وتجارب، كما كان التأصيل في الماضي لمبدأ «دولة لكلّ مواطنيها»، بل إنّ الأخير لم يَعُدْ سوى يافطة، وغدا مفهومًا ضمنًا، بينما هو ليس كذلك في صفوف الأجيال الشابّة تحديدًا.

 الأهمّ أنّ غياب تحليل الخطاب الكولونياليّ وأدواته، اختزل السياسات الكولونياليّة ضدّ الوجود القوميّ العربيّ منذ النكبة وحتّى الآن في أنّها «سياسات إهمال حكوميّة»، وعندما تصبح ظاهرة العنف «إهمالًا»، فإنّ الحلول ستكون سطحيّة وعلى شاكلة هذه المقدّمات.

اعتبار الإهمال سببًا في تفشّي العنف أدّى بقادة الأحزاب العربيّة في أراضي 48، إلى اتّخاذ مواقف براغماتيّة بما يتعلّق بالتحالفات أو الصفقات السياسيّة الّتي يمكن أن تعقدها مع القوى الصهيونيّة في الكنيست. ولمّا كانت هذه هي المقدّمات لمحاربة الجريمة، فإنّها بالضرورة ستقود إلى أقلّ أو أكثر ممّا وصل إليه منصور عبّاس؛ أي ضرورة المشاركة في حكومة يمينيّة؛ فإذا كان الواقع قد شُخِّصَ على أنّه مسامير، فإنّ الحلول شواكيش، والمزيد من الشواكيش. لكنّ الواقع ليس مسامير، والحلول ليست في هذه الحالة مزيدًا من الميزانيّات والشرطة، وهذه الأخيرة كانت في الأمس مسؤولة عن مقتل أبنائنا، واليوم نريدها موجودة بكثافة لمحاربة عنف هؤلاء الأبناء! هذا التناقض له اسم، وهو «غياب البوصلة»، وكأنّ التاريخ يعيد نفسه، لكن على نحو أكثر تعقيدًا وتركيبًا، أو ربّما خبثًا.

تحوّلات الخطاب

التمثيل السياسيّ للفلسطينيّين في أراضي 48 خلال الحكم العسكريّ (1948 – 1966)، كان يهدف إلى إحكام السيطرة عبر إقامة قواعد تابعة وخاضعة للأحزاب الصهيونيّة، لكن ليس بصفتهم مواطنين لهم حقوق، وإنّما رعايا من الدرجة الثانية والثالثة لمشروع كولونياليّ. ومع عودة التاريخ، عادت وسائل السيطرة والرقابة الكولونياليّة على نحو أكثر تطوّرًا؛ فإذا تمثّل الفلسطينيّون عبر الأحزاب الصهيونيّة في الماضي، فإنّ الدولة اليوم استطاعت عبر حكومة نَفْتالي بينيت أن تُنتِجَ هذا التمثيل العربيّ الهزيل من خلال حزب عربيّ ليس تابعًا لحزب صهيونيّ، وإنّما يشارك في الائتلاف الحكوميّ شرط ألّا يقدّم خطابًا وطنيًّا، وأن ينتمي لذات خطاب الرعايا الّذي انتمت إليه الأحزاب العربيّة في فترة الحكم العسكريّ؛ ولهذا تجده متقبّلًا حتّى لإعادة إنتاج أدوات السيطرة الخاصّة بتلك الحقبة.

في المقابل، فإنّ لعودة التاريخ صيغ أخرى تتمثّل في إعادة إنتاج الهويّة وجغرافيا الوطن، وهو ما عبّرت عنه الفئات الشبابيّة في «هبّة القدس» الأخيرة، والّتي تُدْرِكُها الأحزاب العربيّة من خلال إعادة إنتاج خطاب جديد؛ فإذا كنّا قد انتقلنا بعد «يوم الأرض» إلى خطاب «المساواة»، ومن ثمّ بعد «أوسلو» إلى خطاب «دولة لكلّ مواطنيها»، فإنّ الأحزاب العربيّة، ومن ضمنها «التجمّع الوطنيّ الديمقراطيّ»، وتحت ضغط الواقع المطلبيّ وسياسات الخنق الوطنيّ الّتي تمارسها الحكومة "الإسرائيليّة"، فضّلت العودة إلى مربّع «خطاب المساواة» الّذي أثبت عُقْمَه في مواجهة الكولونياليّة الصهيونيّة.

الجغرافيّات الستّ

يجعل عبد الرحيم الشيخ الجغرافيّات الفلسطينيّة ستًّا: الشتات، والقدس، وقطاع غزّة، والضفّة الغربيّة، وأراضي 48، والحركة الأسيرة. أربع من هذه الجغرافيّات ترزح تحت وطأة الاحتلال ووطأة التحديث السريع، وانهيار البنى التقليديّة والسياسات النيوليبراليّة، ولا سيّما في الضفّة الغربيّة منذ حكومة سلام فيّاض الأولى، المتشكّلة عام 2007. اللّافت أنّ الضفّة وقطاع غزّة والقدس، لا تعاني من ظاهرة العنف ولا تقترب نسبه هناك من نسبه في أراضي 48. وهذا يُثْبِتُ أوّلًا أنّ العنف ليس بنيويًّا وثقافيًّا في المجتمع الفلسطينيّ، وثانيًا أنّ ثمّة أسباب أخرى للعنف في أراضي 48؛ فبالرغم من توفّر الشروط اللازمة لتفشّي العنف في هذه الجغرافيّات، وتوفّر أدواته كالسلاح الناريّ، وبكثافة، إلّا أنّنا لا نشهد معدّلات عنف غير عاديّة؛ ثمّة جريمة، بل وجريمة منظّمة أيضًا، لكن ما من قتل بهذا الحجم الّذي يواجهه المجتمع الفلسطينيّ في أراضي 48.

 أمّا الحركة الفلسطينيّة الأسيرة، أو كما يسمّيها الشيخ «الجغرافيا السادسة»؛ فهي رغم ضيق المكان وشحّ الإمكانيّات، بل وضيق فُسْحَة الأمل بالتحرّر، إلّا أنّ العنف الداخليّ يكاد يكون معدومًا بين أسراها، وذلك بخلاف أقسام السجناء المدنيّين من العرب، حيث لا يمرّ يوم واحد دون أن يطعن أحدهم الآخر.

ليس المجتمع الفلسطينيّ ذو ثقافة عنيفة تميّزه مجتمعات أخرى، كما تحاول المؤسّسة "الإسرائيليّة" إظهاره، ولسنا كما وصفنا جلعاد أردان، وزير الأمن الداخليّ "الإسرائيليّ" الأسبق، حيث قال: "الخلافات الّتي تنتهي عندنا بدعوى قضائيّة، عندهم [العرب] تُسْتَلّ السكاكين".

العنف في أراضي 48 عنف طارئ، وليس بنيويًّا إلى الحدّ الّذي تتطلّب معالجته إعادة تربية المجتمع وتثقيفه. إنّ "إسرائيل"، بصفتها إحدى أكثر الدول عنفًا، بمسؤوليها الغارقين بالدماء العربيّة والفلسطينيّة من أطفال قانا والضاحية الجنوبيّة حتّى أطفال غزّة والضفّة الغربيّة، ليست هي المؤهّلة عمليًّا وأخلاقيًّا لإخراجنا من هذه الأزمة، بل العكس هو الصحيح، فإن كان لا بدّ من تثقيف للمجتمع الفلسطينيّ، فعلينا أن نبحث وأن نثقّف على ما فعله العنف الكولونياليّ فينا بأشكاله كافّة؛ لتبيان الأسباب الحقيقيّة للعنف الّذي يتبدّى لنا اليوم عنفًا داخليًّا.

خطاب الهويّة

ثمّة رواية تُحْكى في الضفّة والقطاع بشأن الزمان والمكان الفلسطينيّ، وإن كانت رواية مرتبكة وغير مكتملة في الجغرافيّتين بفعل الانقسام، إلّا أنّها لا تزال كافية لخلق مخيال فلسطينيّ قادر على تخيّل قيم جامعة وهويّة تعيد تكرارها المدارس والجامعات بصورة ممنهجة للأجيال القادمة، وذلك ما يفتقر إليه الفلسطينيّون في أراضي 48؛ إذ تُحارَب الرواية في برامج التربية والتعليم، وتظلّ هذه المهمّة مَنوطَة بالقوى السياسيّة في حال أدركت ذلك وأخذت على عاتقها سردها، إلى جانب مؤسّسات المجتمع المدنيّ.

لا يمكن محاربة العنف دون خطاب الهويّة، وغيابه يتيح للفئات الشبابيّة في أراضي 48، الّتي بقيت على هامش المجتمع، أن تُشَرِّع لذاتها بأن يطعن ويقتل الأخ أخاه. في المقابل، ثمّة فئات شبابيّة ثُقِّفَتْ على رواية الوطن والهويّة، تناضل ضدّ العنف كما تناضل بالروحيّة ذاتها ضدّ كلّ أشكال السيطرة الكولونياليّة، بما فيها تجزئة مكانهم وزمانهم؛ فإدراك المحيط مكانًا وزمانًا شرط ضروريّ لفهم القضيّة. إنّ إسرائيل بتجزئتها للمحيط مكانيًّا وزمانيًّا تسعى لتحقيق أكبر قدر ممكن من الرقابة الشاملة للوصول إلى السيطرة النافذة، وهذه الآليّات استخدمها الاستعمار الكولونياليّ في مواقع مختلفة حول العالم، و"إسرائيل" لم توفّرها في السيطرة على الفلسطينيّين.

المطلوب دراسة العنف "الإسرائيليّ" بشموليّته في فلسطين التاريخيّة، ودوره في صناعة صورته المقلوبة كشأن فلسطينيّ داخليّ. يكتب فرانز فانون في مستهلّ كتابه «معذّبو الأرض» (1961) بأنّ الأسود نتاج المجتمع الأبيض، وأنّ المواطن الأصلانيّ في المستعمرات الكولونياليّة نتاج كولونياليّ صرف، بل إنّ هذا النتاج يصل درجة وصرامة القانون الطبيعيّ.

 إنّ العنف الّذي يمارسه النظام الكولونياليّ ضدّ المواطن الأصليّ يهدف إلى تشكيله وفقًا لمصالحه، وجزء من هذا التشكيل كامن في توجيه ردّ الفعل العنيف تجاه الداخل، نحو مجالات يمكن فيها "تنفيس هذه الطاقة المدمّرة دون التأثير في المشروع الكولونياليّ نفسه". كما يؤكّد فانون في «جلد أسود... أقنعة بيضاء» (1952)، بأنّ الأسود نتاج الوضع الثقافيّ الّذي ببطئ وأناة يشقّ طريقه إلى عقل المرء. وفي رسالة استقالته من مستشفى «البليدة»، كتب بأنّ المشروع الكولونياليّ في الجزائر هو مشروع إلغاء دماغ شعب بصورة ممنهجة.

بِدْنا عنب، وما بِدْنا نقاتل الناطور

تتفاقم أزمة تفشّي العنف في المجتمع الفلسطينيّ في أراضي 48، وقد تجاوز عدد القتلى هذا العام (2021)، ولغاية شهر تشرين الأوّل (أكتوبر) 100 قتيل. أعلنت الحكومة "الإسرائيليّة"، ولأسبابها الائتلافيّة، عن نيّتها تخصيص ميزانيّات وبناء خطّة هدفها مواجهة هذه الظاهرة الّتي باتت تهدّد أمن وحياة المواطنين، وقد وصل اليأس ببعضهم حدّ القبول بأيّ خطوات رقابيّة وأمنيّة تتّخذها الحكومة، والّتي من شأنها المساس بحقوقهم وحرّيّاتهم كمواطنين، أو ما تبقّى منها، وتذكّرنا بالحكم العسكريّ.

إنّ الحكومة "الإسرائيليّة" لا تقوم اليوم بتخصيص الميزانيّات والجهد الشرطيّ لأنّها منزعجة من موت العرب؛ فدولة العرق الّتي ومنذ النكبة أسّست شعارها على «أقلّ عرب أكثر أرض»، لا يزعجها موت العربيّ، إنّما ما يزعجها أنّ سياساتها الكولونياليّة أنتجت أعراضًا جانبيّة مثل فقدان السيادة في بعض المناطق العربيّة، وذلك ما تجلّى في الهبّة الأخيرة، «هبّة القدس»، وعبّرت عن نفسها أيضًا مع الفارق، في السلوكيّات الّتي مارسها بعض الشباب الطائش والمفرغ من الهويّة الوطنيّة في مناطق الجنوب، ولا سيّما في مدينة بئر السبع. هذا بالإضافة إلى أنّ اهتمام "إسرائيل" بظاهرة العنف جاء لاعتبارات ائتلافيّة.

قد يدّعي البعض، كما يدّعي منصور عبّاس وشركاؤه في «القائمة الموحّدة»، و«مجلس الشورى» في «الحركة الإسلاميّة الجنوبيّة»، بأنّه ليس مهمًّا الآن ما هي دوافع الاهتمام الحكوميّ بظاهرة العنف، وإنّما المهمّ أنّها تقدّم لنا حلولًا وميزانيًّات، أو بكلمات أخرى، يقول هذا البعض: "بِدْنا عِنِبْ، وما بِدْنا نْقاتِل الناطور".

الحقيقة أنّنا نريد «عنبًا»، لأنّه من حقّنا بصفتنا مواطنين أصلانيّين، ليس منّة من أحد، لكنّنا نريد أيضًا أن نحاسب الناطور الّذي هو في الواقع سارق للعنب وصانع للعنف؛ فالإطار الّذي تُقَدَّم به الميزانيّات والخطّة "الإسرائيليّة"، ولغة الخطاب والمفرادت الّتي ترافقه، إن كان من قبل الحكومة أو من قبل شركائها في الائتلاف من العرب ممّن قبلوا دور الرعايا، تؤكّد أنّنا لسنا مقبلين على حلول لظاهرة العنف، وإنّما على استغلالها لتحقيق المزيد من الرقابة والسيطرة لتقويض أسس المجتمع الفلسطينيّ وتهميش تعبيراته الجماعيّة وتفتيته ومصادرة حرّيّاته.

 إنّ الميزانيّات الّتي تأتي في سياق قبول دور الرعايا في دولة العرق لن تُوَظَّفَ في خدمة بناء مجتمع، أو الاستثمار في مجتمع مدنيّ يعيد إنتاج الهويّة الفلسطينيّة وتعزيز الإيثوس في التعامل مع محيطه المكانيّ والزمانيّ، ولا سيّما في أوساط الشباب الّذين يعيشون اغترابًا عن محيطهم؛ فهذا الإيثوس يُعَزَّز "إسرائيليًّا" ويُغَيَّب فلسطينيًّا، بل وتحاربه وزارة التربية والتعليم، ونعتقد أنّه مسؤول بغيابه إلى حدّ كبير عن تفشّي ظاهرة العنف وظواهر أخرى تُمارَس في الحيّز العامّ.

إنّ الحلول الحكوميّة المطروحة لمحاربة العنف في أراضي 48، ليست فقط حلولًا قاصرة في القضاء على الظاهرة، كما تنتقدها «القائمة المشتركة» من مقاعد المعارضة، وإنّما ستعيد إنتاجها على نحو أخطر؛ فبينما لا تزال الأحزاب العربيّة داخل وخارج الائتلاف الحكوميّ تتوسّم إمكانيّة الحدّ من الظاهرة، ترى الحكومة "الإسرائيليّة"، وهي حكومة يمينيّة بامتياز، الأزمة فرصة لتفكيك المزيد من التعبيرات الجماعيّة، بما فيها الهويّة والاصطفافات الانتخابيّة والتمثيل العربيّ في الكنيست ذاته، وهو الأمر الّذي ما كانت تجرؤ أن تقدم عليه في الظروف العاديّة.

وليد دقّة*

 أسير سياسيّ منذ العام 1984. حاصل على درجتي ماجستير في العلوم السياسيّة والدراسات الديمقراطيّة في الأَسْر، حيث يعمل في مهنة التدريس. له مجموعة مؤلّفات: «صهر الوعي: أو إعادة في تعريف التعذيب»،  و«مسرحيّة الزمن الموازي»، و«يوميّات المقاومة في جنين»، و«حكاية سرّ الزيت»، و"حكاية سرّ السيف".

 

 

 

 

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/176735

اقرأ أيضا