/منوعات/ عرض الخبر

قراءة في كتاب..

فرحة الفدائية: تحية إجلال الى المرأة الفلسطينية

2021/12/25 الساعة 09:55 ص

بقلم: راغدة عسيران

قراءة في رواية "فرحة" للأسير المحرّر وليد الهودلي (2020، مركز بيت المقدس للأدب، 190 صفحة متوسطة)

في روايته الأخيرة، بعنوان "فرحة"، يقدّم الأسير المحرّر والكاتب وليد الهودلي"محاولة للتحقيق في فضاء سردية الحاجة فرحة، أم أقدم أسير فلسطيني (نائل البرغوثي 41 سنة في السجون الصهيونية) وأم عمر (معتقل 30 عاما، توفي في شهر آذار 2021 ) وجدة الشهيد صالح والمعتقل عاصم.."

الحاجة فرحة (أم عمر) فلاحة فلسطينية "بسيطة" في قرية كوبر، قضاء رام الله، مؤمنة بالله وبحق شعبها بأرضه وحريته.من خلال ذكرياتها يوم قرّرت زيارة ابناءها في سجن عسقلان، وقد أصبحت مريضة وشبه مقعدة، يسرد الكاتب سيرة الحاجة فرحة، منذ ما قبل العملية الفدائية التي نفذها عمر ونائل وابن عمهما فخري، "من أوائل الفدائيين الذين خرّجتهم قرية كوبر".

قصة الحاجة فرحة هي قصة تحدي الاحتلال ورفض الاعتراف به، بكل وجوهه وأشكاله، والمشاركة في التصدي له ومحاربته أينما وجد، والعمل على التخلص منه من خلال الانخراط بالعمل الفدائي ومن خلال التعبئة الاجتماعية والنفسية والعائلية ضده.

بسرد قصة الحاجة فرحة، أراد المؤلف توجيه التحية لكل امرأة فلسطينية ترفض وجود العدو في وطنها وتشكّل حاضنة للمقاومة، في بيتها وعائلتها، في زيارة أبنائها الأسرى وإحياء ذكرى شهدائها، في فتح أبواب منزلها للمقاومين والمطاردين، في التصدي للجواسيس والمخبرين، في رفع الشعارات الثورية وسرد بطولات أحبائها، وفي ايمانها العميق وأصالة فكرها.

تواجه الحاجة فرحة ضباط الاحتلال وتمتنع عن التجاوب معهم كي يشعروا دائما أنهم جيش احتلال غير مرغوب بهم في فلسطين. ترد الحاجة فرحة على ضابط "الشاباك" الذي طلب منها التعاون لإنهاء التحقيق معها لترجع الى بيتها وقريتها: "ماذا تقول؟ أتعاون معك؟ جاسوسة تريدني؟ يا لك من سافل وغد.. أتعاون مع من احتل أرضي؟" وتردّد أمام كل ضباط "الشاباك" الذين استجوبوها "أنت لا تعرف المرأة الفلسطينية."

قصة الحاجة فرحة، هي قصة مواجهة العملاء والمخبرين في القرى والأحياء الفلسطينية، خلال انتفاضة الحجارة وما بعدها، والتصدي بقوة لمحاولاتهم بث الفتن بين "العلمانيين" و"الإسلاميين"، كما خطط العدو في أيام الانتفاضة. تتذكر كيف واجهت "العصفور" في سجن المسكوبية الذي أراد معرفة أين تقع "النقطة الميتة" لدى المقاومين، وكيف واجهت ألاعيب "الشاباك" والتعذيب النفسي الذي يمارسه، معتقدا أن المرأة الفلسطينية لا تصمد أمامها. وتردد "أنت لا تعرف المرأة الفلسطينية".

تتذكر الحاجة فرحة مواقف زوجها أبو عمر البطولية في مواجهة الاحتلال وأعوانه، وطريقة تربيته لـ"أسوده" (عمر ونائل) واليوم الذي تصدى فيه لمدير المدرسة الذي أراد نأي المدرسة عن "الثورة". فقال له: "اسمعها مني جيدا، المدرسة التي لا تخرّج الثوار، لا نريدها، لا خير فيها، أنت تريد تخرّج خرافا، فلسطين تريد منا أسودا، افتح لك مزرعة دجاج خير لك من أن تقود مدرسة..".

 ومن خلال هذه الذكريات، ترتسم صورة طفولة عمر ونائل، في القرية وفي المدرسة، وفي الشوارع والمظاهرات أيام الانتفاضة، والتحاقهما بالثورة، وماذا تعني لهما فلسطين والأرض والثورة ضد الاحتلال.

وتتذكر "الحاجة فرحة" يوم التحقت بالثورة في بيروت، وكيف كانت تنقل "الكبسولات" من القيادة الى الثوار، ومن السجن الى الخارج، وكيف تمكنت من فضح بعض الجواسيس والمخبرين، لحماية الثوار في كوبر والمنطقة المجاورة، وكيف فتحت أبواب بيتها للمقاومين والملاحقين من قبل جيش العدو، وكيف كانت تفرح لكل عملية فدائية تصيبه، وكيف استطاعت اختراق الأمن الصهيوني من خلال طالب كان العدو قد ساومه على موصلة تعليمه في الخارج بالتجسس على أهل القرية.

قصة الحاجة فرحة هي قصة أمهات وأخوات وزوجات الأسرى، اللواتي تتحدين الاحتلال وجنوده وضباطه من أجل زيارة أبناءهن وبناتهن في سجون العدو، واللواتي ترفضن الإذلال المتعمد خلال الزيارة وقبلها وبعدها.

هي قصة الآلاف منهن الممنوعات "أمنيا" من الزيارة. هي قصة أم ناصر أبو حميد مثلا، في مخيم الأمعري، التي تزور خمسة من أبنائها (ناصر، نصر، شريف، محمد، إسلام) في سجون العدو، وهم محكومون بالمؤبدات. أما السادس، فهو الشهيد عبد المنعم أبو حميد. وقد هدم العدو منزل العائلة 5 مرات، أولها في العام 1990، وآخرها في العام 2019.

هي قصة أمهات الشهداء الصابرات، هي قصة الأسيرة المحرّرة وفاء مهداوي، وزوجة أسير وأم الشهيد أشرف نعالوة، وصاحبة البيت الذي هدمه العدو، بعد العملية البطولية التي نفذها الشهيد في داخل مستوطنة صهيونية.

من خلال قصة الحاجة فرحة، والدة أقدم أسير، نستذكر أمهات الأسرى والشهداء وأقوالهن، ولا سيما ختام جرار، أم صهيب، والدة الشهيد أحمد جرار، الذي استشهد بعد العملية الفدائية التي نفذها، وظل مطاردا لمدة ثلاثة أسابيع قبل أن يقتله جيش العدو في بلدة اليامون، قضاء جنين، وهي أيضا زوجة الشهيد نصر جرار، الذي أعدمه العدو في مخيم جنين.

كما نستذكر"خنساء فلسطين"، أم رضوان، فاطمة يوسف إبراهيم الجزار، التي تم تهجير عائلتها من بلدة يبنا، في العام 1948، الى قطاع غزة، ولم تكن تتجاوز الست سنوات. اعتنت أم رضوان بعائلة مكوّنة من 13 فردا، بعد فقدان زوحها باكرا، وعاشت في مخيم يبنا في مدينة رفح.

انطلقت الانتفاضة، واعتقل نجليها شرف وأشرف لمدة ثمانية عشر شهرا. ففتحت أبواب بيتها لأبنائها ورفاق دربهم في الجهاد والمقاومة، "لم تطلب من أبنائها الركود، لم تخاف عليهم من مواجهة العدو، لم تتقوقع على نفسها، وتندب حظها، بل كانت تدفعهم للجهاد والنضال، وتساندهم وتشاركهم النزول إلى الشارع ومقارعة الأعداء وجهاً لوجها في شوارع المخيم"، كما كانت تفعل الأمهات في الضفة الغربية المحتلة، والحاجة فرحة في كوبر.

استشهد "أشرف" في اشتباكٍ مسلح مع قوات الاحتلال بتاريخ 1/7/1991 في عملية مشتركة مع المقاومة الإسلامية في لبنان، واستشهد الابن الثاني "شرف" خلال اشتباك مسلح في وسط البحر بالقرب من مخيم نهر البارد شمال لبنان، بتاريخ 6/8/1994.

وفي يوم 17/10/2004، استشهد المهندس "محمود الشيخ خليل"، ثم استشهد القائد الكبير "محمد الشيخ خليل" الذي كان قد تعرض لأربع محاولات اغتيال، وفي مساء يوم الأحد 25/9/2005م، تمكنت طائرات العدو من اغتياله في منطقة تل الهوا جنوب مدينة غزة. ثم استشهد القائد "أحمد الشيخ خليل" مهندس الصواريخ "التي ألهبت قلب الكيان"بعد استهدافة من قبل العدو، يوم 29/10/2011. فقالت يومها:

"لست نادمة لأنني قدمت أبنائي شهداء لله، لقد قدمت 4 شهداء في السابق وها أنا اليوم أقدم الشهيد الخامس، وفخورة بهم كل الفخر بكونهم مجاهدين في سبيل الله، واستطاعوا أن ينالوا شرف الشهادة الذي يطمح الكثيرين للحصول عليها"..

وهي التي عبّرت عن إرادة نساء فلسطين واستعدادهن للتضحية بالقول "لا حل إلا بالجهاد والمقاومة، وسأستمر في تقديم الشهداء حتى يأذن الله بالنصر... على استعداد أن أقدم باقي أولادي من أجل القدس، فلن تكسر دبابات الاحتلال إرادتنا، وسنبقى على العهد ما حيينا".

هي المرأة الفلسطينية التي اختصر الكاتب وليد الهودلي مقاومتها للعدو بسيرة الحاجة فرحة، والتي لا زال هذا العدو لا يعرفها.  

t25C325A9l25C325A9chargement

 

 

 

 

 

 

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/176656

اقرأ أيضا