/مقالات/ عرض الخبر

كيان استيطاني حربي

2021/12/20 الساعة 09:39 ص
قطعان المستاوطنين الأوباش
قطعان المستاوطنين الأوباش

بقلم: راغدة عسيران

بعد العملية البطولية التي نفذتها المقاومة الفلسطينية ضد مستوطني :حومش:، بين جنين ونابلس، شنّ جيش العدو الصهيوني حملة إرهابية ضد المواطنين بحثا عن المقاومين، بالتزامن مع حملة وحشية جديدة ومتجددة لقطعان المستوطنين على قرى محافظات الشمال في الضفة الغربية المحتلة.

يشارك المستوطنون في عمليات قتل الفلسطينيين التي ينفذها الجيش الصهيوني وكافة الأجهزة الأمنية للعدو في الضفة الغربية المحتلة، بل يسبقونهم أحيانا ويتولوا مهام الإرهاب ضد المواطنين، في القدس ومناطق 48 والضفة الغربية على حد سواء. يستدعون القوات الحربية الرسمية، الجيش أو الشرطة أو حرس الحدود، لمساعدتهم وحمايتهم من ردة فعل الفلسطينيين الذين يدافعون عن أنفسهم وأرضهم وبيوتهم، ومن المقاومين الذين اختاروا طريق الحرية باستهدافهم. يتجاوزون "الحدود" التي لا يستطيع جيش العدو تخطيها بسبب الشجب اللفظي للمجتمع الدولي، فهم يدخلون الى مدن الضفة المصنفة (أ) (اتفاقيات أوسلو) ويعتدون على مزارع وبيوت القرى القريبة من مستوطناتهم من أجل توسيعها وإرهاب المواطنين لجعلهم يتخلّون عنها، ويقيمون مسيرات استفزازية في القدس واللد وعكا، وقبل سنوات في الناصرة وأم الفحم.

لم يعد خافيا أن المستوطنين الصهاينة مسلّحون، وأن بعض المستوطنات هي ثكنات عسكرية تحتوي على مراكز اعتقال وتعذيب، حيث يتم فيها إرهاب الأطفال المخطوفين من الشوارع والمدارس والمزارع وتعذيبهم، كما أكدته أكثر من عشرات الشهادات خلال الأعوام الماضية. ويعلم الجميع أن أفراد من الجيش الصهيوني وضباطه هم أصلا مستوطنون في الضفة الغربية، ما يعني أن العلاقة بين جيش العدو والمستوطنين متشابكة ومتينة في عدة مستويات، لا يفصل بينهما إلا اعتبار بعض الجهات الدولية والمحلية أن المستوطنين غير شرعيين خلافا لجيش العدو، الذي يُعتبر القوة القتالية الشرعية في الكيان الاستيطاني الصهيوني.

تميّز بعض الجهات الدولية والعربية التابعة، رسميا أو إعلاميا، وكذلك جهات محلية، بين "الشرعي" و"غير الشرعي" في كيان العدو. بالنسبة لها، جيش العدو وأجهزته الأمنية والقمعية الأخرى شرعية، كشرعية الكيان بالنسبة لها، في حين تعتبر أن المستوطنين في الضفة الغربية، وأحيانا في القدس، غير شرعية، إلا حين تشرعنها المؤسسة الصهيونية أو تبقى غير شرعية بنظرها، وفقا للقرارات الدولية.

فالغزوات التي يشنها المستوطنون على الأحياء الفلسطينية في مدينتي اللد وعكا، قد تكون غير شرعية إذا انطلقت من مستوطنات الضفة الغربية، لا سيما في منطقة الخليل، ولكنها تتحول الى شرعية إذا كانت من فعل سكان المستوطنات الدينية المستحدثة، قبل عقد من الزمن أو أكثر، داخل المدن الفلسطينية، لتشويه معالمهما والقضاء تدريجيا على وجود أهلها الأصليين.

تاريخيا، اليهود الذين جاؤوا من وراء البحار، ومن الدول العربية والإسلامية، هم بالأصل مستوطنون، لأنهم حلّوا مكان السكان الأصليين الذين هجّروا من وطنهم، ولأنهم حملوا السلاح وحاربوا وشكّلوا عصابات قتالية، كالتي يشكلّها مستوطنو الضفة الغربية، وشنّوا هجومهم على الفلسطينيين، قبل تشكيل الجيش "الشرعي"، وواصلوا حروبهم ومجازرهم بحق الفلسطينيين بعد انخراطهم في جيشهم وحرس حدودهم (مجزرة كفر قاسم  في عام 1956 مثلا) وأجهزتهم الأمنية الأخرى، الشرطة والقوات الخاصة والمستعربين والشاباك والموساد وغيرها.

فسكنوا في مستوطنات أقيمت على أنقاض البلدات الفلسطينية، أو في بيوت السكان الأصليين، قبل ان يتم بناء مدن وأحياء لهم وسط المناطق الفلسطينية، لتجزئتها وبعثرة أهلها وتشويه معالهما العربية الإسلامية، وأطلقوا عليها أسماء غريبة لا علاقة لها بتاريخ البلاد. ساهم في هذه العملية الاستيطانية كل اليهود، الطبيب والمعلّم والباحث، والمهندس والمزارع (غالبا من أصول عربية) والحرفي والإعلامي ورجال الأعمال والمصارف والفنان. واليوم، يتم تجنيد الآلاف من هؤلاء، وخاصة طلاب الجامعات، للمشاركة في ما يسمى "الديبلوماسية الشعبية" لتسويق المحتوى الصهيوني، كما وثقته دراسة "الديبلوماسية الشعبية الرقمية" للمؤلفين يحيى قاعود وأشرف أبو خصيوان (أبريل 2020).

أقامت المستعمرة الصهيونية في فلسطين مؤسسات مدنية لخدمة أجهزتها الحربية والأمنية أولا، ثم أجهزتها الاستيطانية المحلية ثانيا، كالجامعات والمستشفيات والعديد من الإدارات المختصة، كالبلديات والدوائر الخاصة بسرقة ممتلكات الفلسطينيين. ترافق ذلك مع تأسيس أجهزة متخصصة بمحو وتشويه التاريخ الحقيقي للبلاد واستبداله بأساطير مفبركة، كأجهزة التعليم والتهويد والتشجير والتدمير، وزرع شواهد وقبور يهودية لإضفاء شرعية تاريخية على الاستيطان الى جانب شرعية القوة العسكرية، التي لا تدوم وتظل غير مستقرة بغياب الشرعية التاريخية.

لا يختلف المستوطنون في الضفة الغربية اليوم أو البارحة، عن المستوطنين الذين غزوا البلاد في بداية القرن الماضي، إلا من ناحية توجهاتهم السياسية (اشتراكية علمانية من قبل، ويمينية دينية اليوم) والمباركة العالمية التي حظيت بها طلائع المستوطنين لأنهم كانوا، كالمستعمرين الغربيين الآخرين، يمثلون "الحضارة" في وجه "البربرية" كما كتب أحد منظري الصهيونية، تيودور هرتزل، خلافا للمستوطنين الجدد في الضفة الغربية الذين يشبهون الفئات الشبابية النازية الصاعدة في الدول الغربية، والتي تهدّد المؤسسات الليبرالية. لكن، من ناحية الاستيطان والتطهير العرقي والممارسات الوحشية إزاء الفلسطينيين والعنصرية المتأصلة بالفكر الصهيوني، لا يختلف المستوطن الجديد عن المستوطن القديم، الذي أصبح اليوم مواطن في كيان صهيوني، يقوم بمهامه للدفاع عن كيانه العنصري والاستيطاني، إعلاميا وأكاديميا وسياسيا ومهنيا، ويظل جنديا "في إجازة مؤقتة" كما وصفته الوثيقة السياسية لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، باعتبار أن "الحياة العسكرية في الكيان هي الأصل، وسائر قطاعاته الحياتية المختلفة، هي في خدمة البنية والدور العسكريين".

يؤكد على ذلك القانون الذي صدر مؤخرا عن الكنيست الصهيوني، إحدى المؤسسات التي تشكّل غطاءا مدنيا للمؤسسة الحربية. يجيز القانون تجنيد المزيد من قوات القمع ضد الفلسطينيين، في الأراضي المحتلة عام 1948 وضد الأسرى في سجون العدو. بالنسبة لفلسطينيي 48، أعطى الكنيست الصهيوني الضوء الأخضر لتشكيل قوة انتشار سريعة مؤلفة من ثلاث كتائب احتياط جديدة وتحويل "حرس الحدود" الى ألوية تدخّل في جميع البلاد خلال حالات الطوارئ (كالحالة خلال معركة "سيف القدس") وأضيف اليها 350 عنصرا جديدا "لتأمين الوضع الداخلي في المدن المختلطة" (أي الفلسطينية التي تم تهويد بعض أحيائها)، ما يعني أنهم كلهم جنود في خدمة المؤسسة الاستيطانية الحربية.

مثلما لا اختلاف جوهري بين المستوطن القديم الأوروبي "الحضاري" والمستوطن الجديد الأميركي والأوروبي الهمجي، لا اختلاف جوهري بين الجيش والأجهزة الحربية والأمنية الأخرى في كيان العدو من جهة، وبين الأذرع المتقدمة لها، التي يشكلّها المستوطنون في كل المناطق الفلسطينية المحتلة، من النقب الى نابلس.

يقوم المستوطنون بدور الطليعة المتقدمة الهجومية عندما لا تتمكن الأجهزة الأخرى الشرعية من القيام بذلك، أي القتل والدهس والحرق والتهديد بالموت وتدنيس المقدسات، تمهيدا لعمليات السرقة الشرعية والاعتقال وإغلاق المناطق والتفتيش، ويشكلون قوة إضافية يحتاجها الجيش خلال اقتحاماته أو قبلها. هم ليسوا "نقطة ضعفه" بل ذراعه الممهّد لضرباته، وجزأ لا يتجزأ من المؤسسات الأمنية.

الكيان الصهيوني كيان إستيطاني حربي، يسعى الى إخضاع الشعب الفلسطيني والشعوب العربية لهيمنته المطلقة، وإرهابها بقوة السلاح، ومجتمع المستوطنين الذين حلّوا مكان الفلسطينيين، من أينما جاؤوا، هم أولا وأخيرا من سرق البيت والأرض، من قتل وقمع واعتقل وأهان لأنه يحمل السلاح، من فتّش على الحواجز وفي المطار، من صنّع أدوات القتل وساهم في تدمير فلسطين، من برّر القتل واخترع أكاذيب لتبرير السيطرة الاستعمارية.

 

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/176400

اقرأ أيضا