قائمة الموقع

فلسطين 48 : السيطرة الإستعمارية والمواطنة المستحيلة

2021-12-10T11:33:21+02:00
المواجهة بالداخل الفلسطيني المحتل خلال هبة أيار
بقلم: راغدة عسيران

تصاعدت حرب الصهاينة ضد أبناء البلد الأصليين، فلسطينيي 48،  بعد معركة "سيف القدس" وهبّة القدس والأقصى (أيار/مايو 2021)، الذين شاركوا في الحدثين، بطرق مختلفة. فمباشرة بعد انتهاء الحرب الصهيونية ومعركة الدفاع عن القدس التي خاضتها المقاومة في قطاع غزة، انهالت قوات القمع المتعددة على الجمهور الفلسطيني، في المدن والبلدات، لتعتقل الآلاف منهم بحجة إرساء الأمن، أي أمن المؤسسة الاستعمارية الصهيونية ومستوطنيها، المهدّد من قبل من تعتبرهم "أعداء الجبهة الداخلية".

فضحت معركة سيف القدس هشاشة الجبهة الداخلية الصهيونية، ومعضلة وجود "أقلية" فلسطينية ظلّت وفيّة لشعبها ومقاومته، رغم محاولات ترويضها من جهة وتفتيتها وتصفية وجودها من جهة أخرى. باشرت قوات الاحتلال، بعد المعركة، الى اتخاذ إجراءات انتقامية من "المواطنين العرب"، أي فلسطينيي الداخل، في كل الاتجاهات وفي كل مناطق تواجدهم.

إضافة الى حملات القمع والاعتقالات، نظمّ المستوطنون هجمات على البلدات والمدن الفلسطينية، كان آخرها "مسيرات العلم (الصهيوني)" الاستفزازية في مدينتي اللد والرملة، يراد منها التأكيد على أن بقاء الفلسطينيين في وطنهم مرهون برضى الغزاة الغرباء، الذي يتسلّحون ويهددون ويرهبون الشعب الأصيل المتمسك بأرضه ووطنه.

استغلت حكومة العدو مسألة الجريمة في الوسط الفلسطيني، حيث اغتالت العصابات الإجرامية المدعومة من قبل الأجهزة الأمنية الصهيونية، أكثر من مئة فلسطيني منذ بداية هذا العام، لزعزعة التماسك المجتمعي وإضعافه في مواجهة الاحتلال. واستغلت هذه الظاهرة المخيفة لتفرض سيطرتها على الأرض المحتلة في النقب وما سماه رئيس الحكومة نفتالي بينيت "مدن الجنوب"، وقمع الفلسطينيين بالاعتقال والتشريد والتضييق على سبل العيش (إغلاق معبر الظاهرية التجاري الوحيد بين الضفة الغربية والنقب المحتلَّين الذي يمرّ منه معظم السائقين من النقب)، والعودة بقوة الى مشروع تهويد المنطقة ببناء المستوطنات وتشريد الأهالي.

بعد إسقاط المشاريع التهويدية السابقة من قبل الجماهير المنتفضة وانتقال مسألة النقب من المحلي الى العالمي قبل عقد من الزمن، استعاد الكيان مشروع تهجير 36 ألف فلسطيني من المنطقة لصالح المستوطنات، ويدور الحديث اليوم عن إسكان أهلها بشكل مؤقت في كرافانات أو ما شابه، بانتظار التشريد النهائي وتفتيت التجمعات والعشائر والعائلات عبر توزيعها على سائر مناطق فلسطين، كخطة لمحو تاريخها وعلاقتها بالأرض وتراثها.

الحملة المتجددة ضد أهل النقب استهدفت قرية أبو تلول قبل أسبوع، حيث نفذت قوات خاصة عملية إنزال على سطوح المنازل واعتدت على أهلها، إضافة الى قرية العراقيب وغيرها من القرى غير المعترف بها، لكن الذريعة اليوم هي "مكافحة الجريمة"، بعد أن كانت قبل عامين مكافحة "الغزو"، أي الحرب ضد تواجد الفلسطينيين في هذه المنطقة التي يعتبرها العدو حساسة واستراتيجية لمشاريعه الأمنية. اختلفت الذرائع وبقي الهدف، تشريد وتدمير المجتمع البدوي في النقب والسطو على أرضه.

إلا أن مسألة حماية المستوطنين ومستوطناتهم وأحيائهم في المدن الفلسطينية (اللد وعكا خاصة) شكّلت الذريعة الأهم لدى المؤسسة الأمنية الصهيونية لاجتياح المدن الفلسطينية بالآليات العسكرية، كما فعلت في مدينة أم الفحم، لترهيب السكان الأصليين والتأكيد على سيطرتها على البلاد والسكان، لا سيما بعد معركة "سيف القدس"، حين اكتشفت مذعورة خروج الجماهير الفلسطينية في الداخل عن السيطرة الاستعمارية، وهذه المرة بقوة وعنفوان أكبر من خروجها بداية انتفاضة الأقصى عام 2000.

ماذا يعني خروج فلسطينيي 48 عن السيطرة الاستعمارية، فكريا وسياسيا؟

للإجابة على السؤال، يجب العودة الى بداية إقامة الكيان الاستيطاني الصهيوني وصدمة النكبة على من بقي في أرضه، التي تلاها بداية الخمسينيات من القرن الماضي السيطرة العسكرية المباشرة على المجتمع الفلسطيني لأكثر من 15 عاما، حيث كان الفلسطينيون تحت المراقبة المستمرة لأجهزة المخابرات، الشاباك وغيرها، في كل مناحي حياتهم. لقد وصف ذلك البروفسور أحمد سعدي في كتابه "الرقابة الشاملة" حيث تناول كيف تشكّل خطاب السيطرة والمراقبة لدى الكيان الاستعماري بعد اكتشاف بقاء "أقلية عربية" في البلاد، رغم حملات التهجير التي سبقت ورافقت الحرب الصهيونية العربية عام 1948، وما بعدها.

اضطر الصهاينة الى الموافقة على تواجد هذه "الأقلية غير اليهودية"، لكن عملوا كل ما بوسعهم لوضعها تحت السيطرة والرقابة، اولا من خلال الحكم العسكري المباشر، ثم التجسس عليها وضبط تحركاتها في أماكن العمل والمدرسة والنوادي، وفي المدن والبلدات من خلال المخاتير والمخبرين. ترافقت سياسة المراقبة مع اقتلاع الفلسطينيين عن أرضهم وأحيائهم وقراهم، وعدم السماح لهم للعودة اليها، وإسكانهم مكان من تم تشريدهم، لمحو الذاكرة والتعلّق بالأرض والمكان، وسرقة الأراضي لبناء المستوطنات أو تشجيرها، وتفتيت المجتمعات المحلية (أهل الحيّ أو القرية) والعائلات، لإضعافها وتسهيل السيطرة عليها، إضافة الى ابتداع "أقليات" (دروز، بدو، شركس) داخل "الأقلية"، لمنع توحيد المجتمع الفلسطيني حول هدف التحرّر من السيطرة الاستعمارية، واختراع تاريخ موازي لها يمجّد بالعلاقات التاريخية مع اليهود واليهودية، وينفر من العروبة والحكم الإسلامي والإسلام.

بموازاة الترهيب المستمر الذي مارسته الأجهزة الأمنية على فلسطينيي الداخل، كانت المؤسسة السياسية والإعلامية تروّج لشكل من أشكال المواطنة، المؤقتة في البداية، ثم الدائمة الى حين، دون التخلي عن سياسة الإقصاء والتمييز في العمل والدراسة والملكية والسكن والعبادة والعمل السياسي، ودون التخلي عن سرقة الأراضي الخاصة والعامة، كون الصهاينة لا يعترفون بوجود شعب فلسطيني له حقوق على هذه الأرض، ويتمثل هدفهم النهائي بإقامة دولة يهودية خالية من العرب "الغزاة".

لم يتمكن كيان العدو من تنفيذ خطته وهدفه النهائي، بسبب نضال ومقاومة الشعب الفلسطيني، وخاصة بعد الاحتلال الصهيوني في العام 1967 لباقي أراضي فلسطين التاريخية. لقد تشكّلت الأحزاب والحركات السياسية المناهضة للاحتلال والمطالبة بحقوق الشعب الفلسطيني بأرضه ومقدساته ولغته وثقافته، وانخرط فلسطينيو 48 في المقاومة المسلحة، بعيدا عن أوهام المواطنة التي كانت تطرحها وتؤيدها بعض الأحزاب اليسارية، والتي كانت تعني أساسا الفصل بين الأراضي المحتلة عام 1948 والأراضي المحتلة عام 1967، كون المواطنة "الإسرائيلية" خاصة بفلسطينيي 48.

بعد اتفاقيات أوسلو، ضغطت الدول الأوروبية على كيان العدو من أجل تسوية وضع "المواطنين العرب" والتخلي عن سياسة الاقصاء والعنصرية، كجزء من الحل النهائي المرتقب للصراع في المنطقة، ما شجّع معظم الأحزاب الفلسطينية في الداخل في السير في هذا الاتجاه والمشاركة في الكنيست الصهيوني وإلحاق النضال والمكتسبات الوطنية التي تمت طوال السنوات الماضية بمسألة المواطنة في كيان استيطاني إحلالي لا يعترف بالمواثيق الدولية ولا يمكن تصديق أي تعهد يقوم به في لحظة ما. توهمت هذه الأحزاب أن بامكانها تغيير طبيعة هذا الكيان وجعله دولة كسائر دول العالم يتعايش مواطنوها (المستوطنون والشعب الأصلي) في ظل القانون.

لكن أثبتت السنوات العشر الماضية، حيث ألغت المؤسسة الصهيونية معظم مكتسبات الحركة الوطنية في الداخل واعتبرتها أعمال إرهابية أو مهدّدة لطبيعة الكيان (ذكرى النكبة، مكانة اللغة العربية، مسيرات العودة، الجمعيات المدافعة عن حقوق الفلسطينيين وتمويلها، والتواصل الحر مع الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، والدفاع عن المقدسات، وحرية التعبير عن الانتماء الوطني)، وأكّدت على يهودية الدولة، أن اللهاث وراء مواطنة مستحيلة في كيان العدو يجزئ القضية والأرض والشعب، ويشتت الجهود والتطلعات التحررية.

خروج الجماهير الفلسطينية في الداخل المحتل من دائرة المواطنة الضيقة والتجزيئية يعني بداية الخروج من السيطرة الاستعمارية، فكريا وسياسيا وعمليا. يربك هذا الخروج المؤسسة الصهيونية التي قد تستعين مجددا بالأدوات الناعمة والخشنة معا لإعادة هذه السيطرة، لتقدّم بعض التسهيلات الاقتصادية المعيشية مقابل التشديد الأمني والقمع السياسي والتشريعات العنصرية الإقصائية ضد الفلسطينيين.

اخبار ذات صلة