بقلم: راغدة عسيران
منذ أسابيع، تشنّ الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة، حملة ترهيبية هستيرية ضد المقاومة الفلسطينية تلبية لإملاءات العدو الصهيوني ومخابراته، بعد تكثيف المقاومة عملياتها ضد جيش العدو في الضفة الغربية المحتلة، لا سيما بعد معركة "سيف القدس" (أيار/مايو 2021) وعملية الهروب الكبيرة من سجن جلبوع الصهيوني (6 أيلول/سبتمبر 2021) التي نفذتها "كتيبة جنين"، بقيادة الأسير القيادي محمود العارضة والمؤلفة من 6 أسرى، ينتمون الى حركة الجهاد الإسلامي (5) وكتائب شهداء الأقصى (1).
تمثلت الحملة الترهيبية باعتقال أسرى محررين ومناصرين لحركة الجهاد الإسلامي، في كل أرجاء الضفة الغربية المحتلة، وأهمها منطقة جنين وبلداتها ومدينتها ومخيمها. تتم الاعتقالات بشكل همجي، كما وصفتها أكثر من عائلة، فلم تعد تراعي هذه الأجهزة الأمنية أي حرمة (الدين، العائلة، الشعب الواحد)، وباتت تتصرف كأنها ذراع للصهاينة المحتلين، كما أريد لها أن تكون، يوم تم تشكيلها وتدريبها على يد القوات الأميركية ودعمها ماليا من قبل العواصم الغربية.
لم تعد تتحمل هذه الأجهزة الأمنية، منذ اغتيال المناضل نزار بنات بوحشية، في يوم 24 حزيران/يونيو من هذا العام، أي انتقاد لسياستها وعملياتها الترهيبية ضد الجماهير الفلسطينية في الضفة الغربية، ولم تعد تحترم الكرامة الانسانية، إن كانت كرامة النساء والأمهات (تهديد وابتزاز المناضلات بعد سرقة هواتفهن) أو كرامة المناضلين والمجاهدين ضد العدو (ضرب الأسير المحرر ماهر الأخرس وقبل ذلك، إهانة زوجة الأسير المحرر خضر عدنان التي كانت تطالب بتحريره من سجون السلطة).. وكأن هذه الأجهزة الأمنية أصبحت خارج المجتمع غير آبهة بثقافته ومعتقداته، وكأنها تواجه شعبا آخر غير الشعب الذي من المفترض ان تنتمي اليه. لم تعد تتحمل رفع رايات المقاومة لاستقبال الأسرى المحررين أو تشييع الشهداء، كون هذه المشاهد تذكّر الأجهزة الأمنية ومشغليهم الصهاينة على حد سواء، أن هذه الرايات المرفوعة تدلّ على شعبية المقاومة والمقاومين بين أبناء المجتمع.
وتدلّ وحشية التعامل مع المقاومين ومناصريهم في سجون السلطة، - كما ورد على لسان الأسير المحرر خضر عدنان قبل أيام الذي نقل شهادات الأسرى المفرج عنهم- على محاولة هذه الأجهزة الى إعادة تمكين سيطرتها أمنيا على المناطق التي حدّدها لها الاحتلال، بعد معركة سيف القدس وعملية كتيبة جنين وصعود كافة أشكال المقاومة ضد العدو في الضفة الغربية والقدس المحتلتين. إذ يبدو أن السلطة وأجهزتها الأمنية غير راضية عن إنجازات المقاومة والأسرى، التي أربكتها وأضعفت خطابها وأظهرتها كزمرة حاكمة وفاسدة ومتعاونة مع العدو.
لقد أفلست سلطة الحكم الذاتي، سياسيا وماليا وأمنيا، ولم تعد تسيطر على المجتمع الفلسطيني الذي كان ينتظر منها حمايته وحماية الأرض من الغزاة، ودعم ثباته على الأرض في بلداته ومخيماته وبيوته، وحماية مقدساته، وبث الأمن المجتمعي.
بسبب إفلاسها السياسي، أوقفت السلطة حوارها الداخلي ووضعت شروط تعجيزية لمواصلته، وذهبت للحوار مع الصهاينة المحتلين، وبدلا من القيام بواجبها الأمني المفترض، قامت بملاحقة المقاومين وزجهم بسجونها وتعذيبهم وإهانتهم، كما يفعل تماما جيش العدو الصهيوني ومخابراته بحق المقاومين والمناضلين، بل أكثر من ذلك، بسبب غياب المجتمع المدني "المراقب للحريات وحقوق الانسان"، الذي غيّب نفسه إزاء هذه الحملة المسعورة، خشية من أن يتوقف المال الغربي المشروط.
بعد هجوم الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة على مخيم جنين لاعتقال أبطاله وسحب سلاح المقاومين، صرّح محافظ جنين، أكرم الرجوب، أنه منذ توليه منصبه في المحافظة، "لم تطلق رصاصة على المستوطنات، ولم يُصَب جندي برصاصة"، وذلك من أجل تبرير حملة الاعتقالات بحق المقاومين. ويبدو أن محافظ جنين لا يتابع مجريات الأمور في المنطقة وغير معني إلا في ترهيب المقاومين في الوقت الذي يقتحم فيه جيش العدو القرى والبلدات، ويقتل ويعتقل ويدمّر البيوت في المحافظة، ولا يقف أمامه إلا المجاهدين والمقاومين الأبطال.
غاب عن محافظ جنين أنه في يوم 10 آب/اغسطس، قامت القوات الخاصة الصهيونية باغتيال الشهيد الأسير المحرّر جميل العموري، من سرايا القدس، وثلاثة عناصر من جهاز الاستخبارات العسكرية في السلطة (الشهداء أدعم عليوي، تيسير عيسة ومحمد البزور) في مدينة جنين. كان الشهيد جميل العموري، ابن مخيم جنين، مطاردا من قبل جيش العدو، بسبب العمليات الفدائية التي نفذها ضده شمال الضفة الغربية، بعد معركة سيف القدس، وتشكيل خلايا مقاومة. كما غاب عنه أن المقاومين في محافظة جنين اعتادوا على تنفيذ الإرباك الليلي (بالرصاص والعبوات الحارقة)، إحدى أشكال المقاومة التي ابتدعها أهل قطاع غزة، ضد جنود العدو على حاجز الجلمة، الذي بات اسمه "الملطشة" بسبب استهدافة اليومي.
واصلت المقاومة عملياتها ضد العدو في منطقة جنين وتصدت بكل بسالة لاقتحاماته، كما حصل في بلدة برقين، يوم 26/9/2021، حيث استشهد المجاهد أسامة ياسر صبح (22 عاما)، من سرايا القدس، ويوسف صبح (16 عاما) وأصيب أربعة شباب آخرين، حين اشتبكوا مع قوات العدو. اعترف العدو بإصابة ضابط ومجند من وحدة دوفدفان المقتحمة، بجروح خطيرة.
لم تتوقف اقتحامات جيش العدو لبلدات الضفة الغربية، لكن كان المجاهدون في منطقة جنين لها بالمرصاد. في يوم 30/9، أي بعد أربعة إيام على استشهاد المجاهد أسامة صبح، اشتبك المجاهد علاء ناصر زيود (22 عاما) من سرايا القدس، من بلدة سيلة الحارثية، مع قوات كبيرة للعدو اجتاحت بلدة برقين، وما أن عرف المجاهد علاء زيود بالاقتحام حتى وصل الى البلدة وقام بالواجب، واستشهد في المعركة بعد أن أطلقت قوات العدو النار عليه.
توسّع في الفترة الأخيرة نطاق عمليات المقاومة ضد الغزاة الصهاينة الى كافة مناطق الضفة الغربية، من الخليل الى نابلس، مرورا برام الله وطولكرم والقدس، رغم ما يسمى بالتنسيق الأمني بين أجهزة السلطة والعدو. لكن ما يميّز جنين ومخيمها عن المناطق الأخرى هو الوحدة الميدانية بين المقاومين، كما ظهر ذلك جليا خلال عملية "كتيبة جنين"، عندما شكّل المقاومون في المخيم "غرفة العمليات المشتركة" للتصدي لأي اقتحام من قبل جيش الاحتلال بحثا عن الأسيرين المجاهدين أيهم كممجي ومناضل نفيعات اللذين وصلا الى المخيم قبل انتقالهما الى المدينة.
تظل وحدة المقاومين والفصائل المقاومة إحدى سمات مخيم جنين، منذ المعركة البطولية التي خاضها مجاهدوها ومقاوموها ضد اقتحام المخيم في نيسان/أبريل 2002، بقيادة الشهيدين أبو جندل ومحمود طوالبة، حيث ترسّخت مفاهيم الوحدة والتشارك وقتال العدو وحماية المخيّم وأهله.
لم تستطع خلال السنوات الماضية كل الإغراءات المادية والجمعيات التابعة للتمويل الخارجي، والترهيب والاعتقالات من قبل الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة، من حرف هذا المسار، بسبب انتماء أهل المخيم الى تاريخه المقاوم وذكريات البطولة المستمرة الى اليوم، وبسبب العقيدة التي ينتمي اليها المقاومون والتي عبّر عنها القائد زياد النخالة، أمين عام حركة الجهاد الإسلامي، قبل أيام، موجها كلامه للمجاهدين: "أقول للمقاومين في مخيم جنين، وفي كل أنحاء الضفة، يجب أن نقوم بواجباتنا، وعلينا أن نستمر في برنامجنا، ولا يوقفنا أي عائق، يجب أن نقاتل الاحتلال في كل مكان، هذا هو واجبنا.. تكليفنا وواجبنا أن نقاتل العدو في كل مكان وفي كل حي، مهما بلغت التضحيات".
