بقلم: راغدة عسيران
بين الحين والآخر، تثير الحركة الصهيونية، بمختلف أجنحتها، داخل أو خارج الكيان، مسألة المناهج التعليمية الفلسطينية المتبعة لدى السلطة، في الضفة الغربية وقطاع غزة، معتبرة إياها مناهضة لعملية "السلام"، تبث الكراهية لدى الأجيال الفلسطينية وتدعم العنف، وكأن هذه الأجيال بحاجة الى مناهج تعليمية لفهم طبيعة الكيان الصهيوني، ومن هم هؤلاء الذين استوطنوا بلادهم واستولوا على بيوتهم وأملاكهم، وهجروا الآلاف منهم، ودمّروا حياتهم ودنّسوا مقدساتهم وكيف يجب مواجهتهم.
أضاف برلمان الاتحاد الأوروبي مؤخرا الى هذه الشكاوى الصهيونية المكررة، مطالبته بمراجعة المناهج المتبعة في مدارس الأونروا، بعد شكاوى قدمتها الحركة الصهيونية الى الاتحاد الأوروبي، تتهم هذه المناهج ببث الكراهية ضد الصهاينة وتمجّد بالأبطال الفلسطينيين، الشهداء والأسرى على وجه التحديد. يعتبر برلمان الاتحاد الأوروبي، كمموّل للسلطة ولجهازها التعليمي، أن من حقه التدخّل في تربية وتعليم الفلسطينيين، دون الإلتفات الى المناهج الصهيونية المزوّرة لتاريخ المنطقة والمليئة بالتعابير والأفكار العنصرية إزاء الشعب الفلسطيني والشعوب العربية والإسلامية بشكل عام، كما أكّدت عليه دراسات عديدة، ومنها دراسة موثّقة لكاتبة "إسرائيلية".
يمثل تدخّل البرلمان الأوروبي في المناهج الفلسطينية المتبعة في مدارس الأونروا في الأراضي الفلسطينية النهج الامبريالي المتغطرس للمؤسسات الغربية التي تتعامل مع شعوب العالم، عندما تعتبر أنه يحق لها فرض شروطها بسبب التمويل.
تضاف هذه المحاولات الغربية لبناء "الفلسطيني الجديد" يرضى بالاحتلال الصهيوني لوطنه ويتعامل معه وينتظر المجتمع الدولي ليحلّ له مشاكل ثانوية في ظل الاحتلال، الاتفاق الأخير بين الأونروا والولايات المتحدة، لملاحقة وطرد كل موظف لدى الوكالة يعبّر عن مشاعره الوطنية الفلسطينية، ومشروع قانون في الكونغرس الأميركي لمنع تمويل السلطة الفلسطينية بسبب مناهجها التعليمية المتهمة بـ"معاداة السامية".
لماذا إصرار الحركة الصهيونية على ملاحقة السلطة الفلسطينية ومناهجها التعليمية؟ وهل ستكتفي بشنّ هجومها على الفلسطينيين أم أنها تستعد لمواجهة المناهج الأخرى في العالم؟
تعتبر الحركة الصهيونية أن السلطة هي الحلقة الأضعف التي تقف، الى الآن، في وجه الترويج للرواية الصهيونية الكاذبة، حول التاريخ وحول الواقع، بسبب التمويل التي تتلقاه من الدول الإمبريالية، الموالية للكيان الصهيوني. فالضغط على المموّلين، الذين يبتزون بدورهم السلطة، يضعها في مأزق، فلا تستطيع الترويج للرواية الصهيونية المزورة للتاريخ والحقائق، من جهة، بسبب الإجماع الوطني حول مفهوم القضية الفلسطينية، تاريخها ورموزها وتطلعات الشعب الفلسطيني نحو الحرية، ومن جهة أخرى، لقد وافقت على أن تكون سلطة مرهونة بالتمويل الأجنبي المشروط، لا تستطيع اتخاذ أي قرار سيادي مستقل.
لقد استغلت الحركة الصهيونية هذا الضعف البنيوي لشنّ هجومها على المناهج التعليمية الفلسطينية، الى جانب فرض مناهج كيان العدو على معظم المدارس العربية في القدس، من خلال الابتزاز المالي الذي يمارسه على المدارس الخاصة.
لم تكتف الحركة الصهيونية بهجومها على المناهج الفلسطينية، بل واصلت حملتها ضد المناهج المتبعة في الدول الغربية نفسها، لا سيما ضد مجموعة من الكتب المقررة في الجامعات الناطقة باللغة الإنكليزية (الولايات المتحدة، بريطانيا وكندا) وفروعها في كل من مصر، لبنان، قطر وتركيا. تولى هذه المهمة "مركز موشي دايان" في كيان العدو وأصدر دراستين مفصّلتين حول هذه الكتب، حيث وضّح من خلالها نظرته الى كتابة التاريخ والوقائع بطريقة صحيحة و"غير منحازة".
يتضح من خلال الملاحظات التي أبداها مؤلفا الدراستين أن الكيان الصهيوني يعاني من عدم الاعتراف بشرعيته من قبل شرائح من المثقفين الغربيين، ويسعى الى تطبيع وجوده في أذهان الطلاب، بطرق مختلفة. لقد تراجعت بقوة الأساطير التي بنى عليها "شرعية" وجوده، ولم تعد العديد من المؤسسات الثقافية الغربية تؤمن بموضوعية سرده للتاريخ وللواقع.
من ناحية التاريخ، أولا، ينفي باحثا "مركز موشي دايان" وجود فلسطين كبلد وليس فقط كدولة، قديما وحديثا (الفترة العثمانية)، وينتقدان المؤلفين الذين لا يذكروا "الهولوكوست" والنظام النازي في ألمانيا، كتبرير لوجود الكيان و"شرعيته"، كما ينتقدان الذين لا يأخذون بعين الاعتبار "العلاقة التاريخية" بين اليهود وفلسطين، ولا يعترفون بحق تقرير المصير لليهود على "أرض الأجداد".
يركز الباحثان على كيفية سرد النكبة في هذه الكتب التي اعتبراها منحازة للفلسطينيين، لأنها أوردت خطة دالت التي كانت جاهزة لتنفيذ عملية تطهير عرقي في مناطق واسعة من فلسطين. بالنسبة للدراسة، لم تسع خطة دالت إلا لحماية "الدولة اليهودية"، لكن تقع المشكلة الكبيرة، التي تسببت بتهجير الفلسطينيين، على عاتق الجيوش العربية التي تدخلت لمنع إقامة هذه الدولة. لم تأخذ هذه الكتب بعين الاعتبار بشكل كاف، حسب المؤلفين، تدخل جيوش خمسة دول عربية، بل لاقت اللوم على اليهود وخططهم لتجهير الفلسطينيين. وبالطريقة ذاتها، ينتقد الباحثان اعتبار وعد بلفور أساس الصراع، لأن الأساس في وجهة نظرهما، هو رفض العرب لقرار التقسيم ورفضهم للحقوق "الوطنية" لليهود في فلسطين.
أما فيما يخص الواقع، بعد إقامة كيان العدو، فيعتبر الباحثان أن هذه الكتب منحازة للرواية الفلسطينية لأنها أولا تستشهد بأقوال اليهود المعادين للصهيونية، أمثال اسرائيل شاهاك وإيلان بابي وغيرهما. ثانيا، تبنّت هذه الكتب وجهة نظر منظمة التحرير حول أسباب فشل اتفاقيات أوسلو، ولم تنظر الى العمليات "الإرهابية" التي نفذتها "حماس" و"حركة الجهاد الإسلامي" مباشرة بعد هذه الاتفاقيات. ركّزت الدراسة على ما تراه استخفافا من قبل هذه الكتب لما حصل في المجتمع "الإسرائيلي" من جراء هذه العمليات، التي أثرت عليه عميقا وجعلته مناهضا لاتفاقيات أوسلو ولكل عمليات "سلام" مع الفلسطينيين.
يضيف الباحثان أن أصل المشلكة هو برنامج منظمة التحرير الفلسطينية الذي يسعى لإزالة "إسرائيل"، حيث أن قيادة المنظمة لم تتراجع عن برنامجها إلا في الفترة الأخيرة، وليس عن قناعة، بل كأمر واقع. فلذلك، وبدلا من انتقاد "إسرائيل"، يجب إلقاء اللوم على منظمة التحرير، لأن المجتمع "الإسرائيلي" مسالم لا يوافق على الأعمال الإرهابية التي نفذها بعض اليهود، كما حصل في الخليل (غولدشتاين)، في حين يدعم المجتمع الفلسطيني وقيادته العمليات "الإرهابية" التي تنفذها "حماس". وبدلا من التركيز على العنف "الإسرائيلي"، يجب على هذه الكتب التركيز على عنف "حماس" وعلى "الإسلاميين الإرهابيين" في المجمتع الفلسطيني.
ترفض الدراسة الصهيونية الطريقة التي تناولت هذه المناهج المسجد الأقصى (وقبة الصخرة التي تعتبرها خارج المسجد)، لاعتبارها أماكن مقدسة إسلامية، كما ترفض نعت الجدار الاستيطاني ب"جدار الفصل العنصري" والتركيز على هدم بيوت الفلسطينيين، إذ تبرّر هذا الهدم بالقول أن الكيان يهدم منازل "الإرهابيين". وتنفي عن "إسرائيل" صفة "الاستعمار الاستيطاني" التي أُلصقت بها في بعض الكتب، وتعتبر أن "الدروز" لا ينتمون الى الإسلام، خلافا لما ورد في بعضها.
بالنسبة للباحثين في مركز موشي دايان، كتابة التاريخ "غير المنحاز" عليها أن تأخذ بعين الاعتبار الرواية الصهيونية وتعيد كتابة التاريخ بعيون ومفاهيم الصهاينة، وإلا ستعد هذه الكتب من نوع "البروباغندا". حاول الباحثون الصهاينة، في دراساتهم، بث الشك في موضوعية هذه الكتب التي في معظمها لا تؤيد المقاومة ضد العدو، بل أيّدت اتفاقيات أوسلو وتبنّت موقف منظمة التحرير في مسألة فشلها. لكن هذا لا يكفي بالنسبة للصهاينة، الذين يريدون ان تكون الكتب الأكاديمية الغربية على نمط الإعلام الرسمي والمموّل الغربي، بوقا إضافيا يبرّر وحشيّة المستوطنين وإرهاب كيانهم.
