/مقالات/ عرض الخبر

بإرادتهم الفولاذية يصنعون المعجزات

2021/09/09 الساعة 08:02 ص

بقلم: راغدة عسيران

تعدّ عملية انتزاع الحرية من سجن جلبوع انتصارا مدويا للشعب الفلسطيني وشعوب الأمة، وفشلا ذريعا للاحتلال ومخابراته وأجهزته الأمنية، ولكل المهزومين الذي يراهنون على الكيان الصهيوني لحمايتهم.  في أول ساعات الفجر من يوم 6 أيلول /سبتمبر، انتزع 6 أسرى حريتهم من سجن جلبوع، الذي يعتبره الصهاينة من أكثر السجون أمنا وتحصينا، وقد تم بناءه في 2004، بعد تطوّر التقنيات العالمية الخاصة بالسجون.

يكمل هذا الانتصار المبارك الذي حققه الأسرى الستة، بقيادة الأسير المجاهد محمود عبدالله عارضة، الانجاز الكبير الذي حققته معركة "سيف القدس" في أيار/مايو الماضي، التي أسست لمرحلة جديدة في الصراع مع الكيان الصهيوني، أبرز سماتها الثقة بقدرة المقاومة على ضرب العدو في العمق والدفاع عن الشعب الفلسطيني وعن حقه بأرضه.

أضاف الأسرى الأبطال الى معركة "سيف القدس" يقينا متجددا بأن الكيان الى زوال مهما بلغت وحشيته وعنجهيته، فجدّدوا ملحمة مخيم جنين بطريقة إبداعية، من خلال تحدّيهم لقوات العدو وعدم الاستسلام لصورتهم المهزوزة، وواصلوا اسطورة الأبطال الستة الذين انتزعوا حريتهم في أيار/مايو 1987، من سجن غزة المركزي، من خلال أخذ المبادرة والإعداد المتقن للعملية.

تؤسس عملية انتزاع الحرية البطولية التى نفذها المجاهدون الأسرى لقفزة جديدة في الوعي الفلسطيني والعربي، وتؤكد على إمكانية زعزعة الأمن الصهيوني وإرباك مؤسساته وتعميق أزمته الوجودية، إذا وُجدت الإرادة والتصميم، كما أكد على ذلك القائد المجاهد زياد النخالة، قائلا "فعندما تحضر همم الرجال يأتي النصر، وعندما تتقدم الإرادة يتراجع الإحباط... فهم (المجاهدون الأسرى) يعلموننا أن كل شيء ممكن في حياتنا إذا ما امتلكنا الإرادة والصبر".

تعدّ عملية انتزاع الحرية ضربة موجعة لمخابرات العدو، التي تتباهى ويتباهى العالم الغربي بإنجازاتها، من قتل وسرقة وتدمير. وكان العدو قد اعترف سابقا أنه فشل في تقدير الوضع في قطاع غزة قبل معركة سيف القدس. فقد استطاع المجاهدون الأسرى اختراق ترتيبات العدو الأمنية وكسر هيبة أجهزته، خاصة ان العملية جاءت بعد استهداف القناص القاتل من مسافة صفر، في قطاع غزة. لقد أثبتت السنوات الماضية أن مخابراته تذهب من فشل الى فشل، رغم ادعاءاته الكاذبة.

كما تؤكد اخفاقاته المتكررة أنه لولا "التنسيق الأمني" مع سلطة الحكم الذاتي في رام الله، لكانت الضفة الغربية بألف خير، يواجه أهلها من شمالها الى جنوبها المستوطنين وقواتهم المسلحة. لهذا السبب، دعت قيادة المقاومة أهل الضفة الغربية الى حماية الأسرى المحررين ورفض التعامل مع العدو ومساعدته، وهي رسالة مبطّنة موجهة الى الأجهزة الأمنية الفلسطينية.

من هم هؤلاء الأسرى الأبطال الذين تمكنوا، بفعل إرادتهم الفولاذية وصبرهم وإيمانهم بقضيتهم وحقهم بالحرية، من انتزاع حريتهم بأيديهم، رغم التدابير الأمنية المشدّدة التي اتخذها السجانون ضد الأسرى، وخاصة في سجن جلبوع ؟

ينتمي الأسرى الى منطقة جنين، مخيمها وقراها، التي أرّقت العدو لأنها تولّد الأبطال والمجاهدين المستعدين دوما الى خوض المعارك ضده. تدل سيرتهم على المعارك البطولية التي خاضوها منذ انتفاضة الحجارة عام 1987، وكيف رفضوا الاستسلام بعد اتفاقيات أوسلو لوجود الكيان. فتابعوا مسيرتهم الجهادية، إذ انتمى خمسة منهم الى حركة الجهاد الإسلامي وحُكم على أربعة منهم بالسجن المؤبد لانتمائهم الى ذراعها العسكري وتنفيذ عمليات جريئة ضد الصهاينة خلال انتفاضة الأقصى.

لم يسلموا من ملاحقات الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية، التي اعتقلت بعضهم والتي تتحمل مسؤولية اعتقال العدو لأحدهم. لقد حاول بعضهم انتزاع حريتهم قبل هذه المرة، من سجني شطة وجلبوع، وشاركوا في معارك الأمعاء الخاوية مع أخوانهم الأسرى، وتابعوا في السجن مسيرتهم التعليمية التي توقفت بسبب الاعتقال والمشاركة في الانتفاضة. ومن بينهم أسيران لم يصدر بعد الحكم عليهما، رغم اعتقالهما منذ 2019 (زكريا الزبيدي، القائد في كتائب شهداء الأقصى، ومناضل انفيعات، من يعبد، من حركة الجهاد الإسلامي).

قاد عملية انتزاع الحرية الأسير القائد محمود عبد الله عارضة، من عرابة بجنين وهو عميد أسرى حركة الجهاد الإسلامي. ولد في العام 1975، واعتقل أول مرة بتاريخ 25/8/1992، بسبب مشاركته في الانتفاضة، وأفرج عنه بتاريخ 10/1/1996. لكن تم اعتقاله مجددا بتاريخ 21/9/1996، وحكم عليه بالسجن المؤبد بتهمة الانتماء الى الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، والمشاركة في عمليات المقاومة أدت لقتل صهاينة.

واصل الأسير المجاهد مسيرته العلمية في السجن، ويعتبر من المرجعيات الثقافية في السجون. فتم عزله مرارا كونه حاول التحرر من سجن شطة في العام 2014. آمن الأسير المحرر محمود العارضة بأهمية الوعي لدى الانسان، إذ يقول أن "الإنسان عندما يعي فإنه يؤدي دوره وواجبه". فهو ينصح الشباب "أن يرفع من مستوى وعيه واهتماماته ويركز على قضاياه الكبرى ويتمسك بمبادئه وثوابته وقُدسه الشريف ودينه، وعليهم أيضاً أن يصيغوا أنفسهم وفق مبادئ الدين الإسلامي ويتسلحوا بالعلم والمعرفة ويخرجوا من دائرة الذات الى فضاء النّحنُ". وقد لخّص معنى الحرية بقوله "الإنسان الحر (هو) الذي ينتمي لدينه وأرضه ومجتمعه"، في نقد جذري لمفهوم الحرية في الحضارة الغربية. 

ولد الأسير المجاهد محمد قاسم عارضة في العام 1982، في عرابة، حيث نشأ والتحق بمدارسها، لكن اعتقلته السلطة الفلسطينية قبل أن يحصل على شهادة التوجيهي في شهر كانون الثاني/يناير عام 2000، مع رفيق دربه الشهيد القائد إياد حردان. كان من أهم نشطاء "الجماعة الإسلامية"، الإطار الطلابي للحركة في مدارس منطقة جنين. اعتقلته السلطة الفلسطينية بسبب نشاطه ضد العدو، فتعرّف على المجاهدين في سجن أريحا، ثم في سجن جنيد حيث التقى بعدد منهم. فانتمى الى الخلية الأولى لسرايا القدس التي شكلها القائد إياد حردان وقام بزرع العبوات الناسفة على الطرق مستهدفا القوات الصهيونية. ثم بعد استشهاد القادة في السرايا في العام 2001، أشرف مع المجاهدين خالد زكارنة ونعمان طحاينة على عملية الاستشهادي سامر شواهنة في 29/11/2001. اعتقلته السلطة الفلسطينية في مخيم جنين وتم الإفراج عنه في مارس/آذار 2002، ليبدأ مشواره الجهادي في رام الله، حيث شكل خلية عسكرية في قرية كفر نعمة لإطلاق النار على المستوطنين.

اعتقله العدو في 16/5/2002 بعد محاصرته في أحدى شقق رام الله وحكم عليه بثلاث مؤبدات. واصل تعليمه في السجون وحصل على شهادات في علم التاريخ وإدارة الأعمال.

ولد الأسير المجاهد يعقوب محمود قادري (غواردة) في العام 1972 في بير باشا محافظة جنين. شارك في الانتفاضة عام 1987 واعتقل 4 مرات تنقل خلالها بين سجني مجدو والنقب، ثم اعتقلته السلطة في العام 1996 لمدة 5 أشهر.

التحق بالمقاومة منذ بداية انتفاضة الأقصى، واشترى السلاح من ثمن مصاغ زوجته، ونفذ عمليات إطلاق النار على الدوريات الصهيونية، ثم شارك في معركة الدفاع عن مخيم جنين في العام 2002. اعتقلته قوات الاحتلال بتاريخ 18/10/2003 بعد مطاردته ومحاولة اغتياله. وخلال محاكمته في 2004، أعلن أمام القضاء الصهيوني: "أنا لا أعترف بمحكمتكم... وحريتي بإذن الله عز وجل قادمة لا محالة برضا منكم أو غصبا". فحكم بالمؤبد مرتين بالإضافة الى 35 عاما بتهمة مقاومة الاحتلال.

أقدم الأسير البطل في العام 2014 على حفر نفق داخل سجن شطة مع مجموعة من الأسرى، وخاض إضرابا عن الطعام احتجاجا على استمرار عزلهم وتضامنا مع الأسير القائد في سرايا القدس، نهار السعدي.

ولد الأسير أيهم نايف كممجي في العام 1986 في بلدة كفردان، غرب جنين. بدأت سلطات العدو مطاردته في أيار/مايو 2003 وهو لم يبلغ الثامنة عشرة بعد. ثم اعتقلته السلطة الفلسطينية في سجن أريحا، فتعرّف على المجاهد زياد سمارة من طولكرم، قبل أن يهربا من السجن في أيلول/سبتمبر 2004. لقد أشرف المجاهد أيهم كممجي على عدة عمليات بطولية كان أهمها اختطاف مستوطن ثم قتله. حاول العدو اعتقاله مرات، ثم اغتياله، لكنه فشل، فكان يخرج البطل بعد كل محاولة أكثر إصرارا على المواجهة. لكن اعتقلته السلطة في 26 يونيو/حزيران 2006، بسبب عملية خطف المستوطن، وبعدثمانية أيام فقط وبتاريخ 4/7/2006، خرج من سجون السلطة ليقع في قبضة الشاباك الصهيوني.

بعد فترة التحقيق الوحشي في سجن المسكوبية، حكم عليه بالسجن مؤبدين، بتهمة مقاومة الاحتلال. استطاع مواصلة الدراسة في السجن والحصول على شهادة الثانوية العامة ثم التحق بجامعة الأقصى وحصل على شهادة البكالوريوس في التاريخ.

كسر هؤلاء الأبطال قيد السجن ونالوا الحرية التي يحلم بها كل أسير، فراكموا الإنجازات النوعية التي حققها الشعب الفلسطيني خلال السنوات الماضية وأثبتوا أن إرادة الأحرار تصنع المعجزات، وأن الإرادة والإيمان بالحق يوسّعان فضاء الممكن على حساب المستحيل.

 

 

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/172449