من مجمل ردّات الفعل التي تواترت في "إسرائيل" في ضوء الانسحاب الأميركي من أفغانستان، ينبغي التوقف عند ثلاثٍ رئيسية منها.
تمثلت الأولى في إعادة إنتاج "حُكم القيمة" بأن شعوب العالم الثالث ليست أهلًا لا للديمقراطية ولا للحريّة والعدالة الاجتماعية، بدايةً في سبيل زيادة القناعة بأن الولايات المتحدة، وكذلك أوروبا، لا قبل لهما بفهم هذه الشعوب وعقليتها وإرثها، وثانيًا بغية تأجيج الإسلاموفوبيا.
وتابع شلحت، شدّدت ردة الفعل الثانية على خلاصة قديمة – جديدة، أنه في كل ما يتعلق بأمن دولة الاحتلال الآن وإلى الأبد، لا يمكنها سوى الاعتماد على نفسها وقوة ذراعها العسكرية. وبموجب ما كتب أكثر من مسؤول "إسرائيلي" سابق ومحلّل سياسي، اهتدى بهذه الخلاصة جميع زعماء "إسرائيل"، بدءًا من بن غوريون وصولًا إلى نتنياهو، ولا سيما حيال مسألتين ذاتي صلة: إقرار "الحدود النهائية" بحيث تكون "قابلة للدفاع عنها" ما يستلزم الاحتفاظ بمواقع استراتيجية مثل غور الأردن أو هضبة الجولان. والحفاظ على مكانة "إسرائيل" الأمنية في كل المنطقة الجغرافية بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط. وفي هذا الشأن، كتب أحد الساسة "الإسرائيليين" السابقين، أنه من النقطة الزمنية الحالية تبدو تافهة وسطحية خطة جون كيري، وزير الخارجية الأميركي إبّان ولاية الرئيس باراك أوباما، والتي دعت إلى إرساء أمن دولة الاحتلال بواسطة اتفاقيات مع السلطة الفلسطينية، وعبر مرابطة قوات طوارئ دولية من الأمم المتحدة في منطقة الحدود بين الجانبين، ومن خلال تقديم ضمانات أميركية.
وأضاف شلحت أن ردة الفعل الثالثة تجسّدت في تثمين "اتفاقات أبراهام" لتطبيع العلاقات بين "إسرائيل" وبعض الدول العربية. ومثلما كتب أحد الوزراء "الإسرائيليين" السابقين، وهو من التيار العمالي، وضعت هذه الاتفاقات المدماك المطلوب للكفّ عن النظر إلى "إسرائيل" بأنها جذر الشرور في الشرق الأوسط، فيما أن الحدث الأفغاني ينبغي به أن يدفع نحو إقامة قوة إقليمية أمنية جديدة في هذه المنطقة لمواجهة أعداء مشتركين، جميعهم مرتبطون بحبل سرّتهم مع نظام الملالي في إيران، وتعتمد على نفسها فقط من دون أي قوى خارجية، بما في ذلك الولايات المتحدة، وتكون مستندةً إلى القوة الاقتصادية الهائلة للدول المطبعة، ولا سيما من منطقة الخليج، وإلى القوة العسكرية والتكنولوجية "لإسرائيل".
ويعتقد صاحب هذه المقاربة أنه بهذا المسار وعلى خلفية منحى مسيطر على السياسة الأميركية الراهنة متعلق برغبة النأي بالنفس عن أي مواقد توتر في العالم، والتفرّغ لمواجهة المشكلات الداخلية الاقتصادية والاجتماعية والتحدّيات الخارجية، وخصوصًا الآتية من الصين، بوسع "إسرائيل" أن تثبت لواشنطن مبلغ قيمتها وجدواها، دولةً يمكنها أن تساعد في الحفاظ على المصالح الأميركية في المنطقة.