في مقابلة جديدة، ظهر القائد زياد النخالة، أمين عام حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، ليتطرق لعدة موضوعات حساسة حول الصراع مع الكيان الصهيوني والملفات الملحقة به (المصالحة، منظمة التحرير الفلسطينية، مأزق فريق أوسلو، الانتخابات، العلاقة مع إيران، والحركات الإسلامية). كما هي عادته، كان صريحا وواضحا، وتكلم بكل ثقة، خاصة بعد "الإنجاز المهم في طريق تحرير فلسطين" الذي أحدثته معركة "سيف القدس"، التي رفعت من معنويات الجماهير العربية والإسلامية من جهة، و"تمكّنت من كي الوعي "الإسرائيلي" من جهة أخرى.
أثبت القائد النخالة، في هذه المقابلة، حرصه على دقة التعبير، عندما وصف معركة "سيف القدس" بـ"الإنجاز المهم"، رافضا الحديث عن "انتصار". لماذا؟ لأن العدو ما زال يعربد في القدس والضفة الغربية، ويحاصر قطاع غزة ويمنع عنها المواد اللازمة لإعادة البناء، وما زال حتى اليوم يلاحق أبناء ال48، ويزجهم في سجونه.
لقد أثبت القائد النخالة أنه يتابع الوضع الفلسطيني بأدق تفاصيله، ويعرف كيف تشعر وتفكّر الجماهير الفلسطينية التي تواجه المحتل وتضحي بأبنائها في كل بقعة من فلسطين المحتلة. فالوصف الدقيق والابتعاد عن الشعارات تعيد ثقة الناس بقيادتها، كما تساعد على تقييم المرحلة والمراكمة عليها، وتشكّل أصول التوجّه الصريح الى الشعب واحترامه.
ركّز الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي على تحديد هوية الصراع مع كيان العدو، من أجل إثبات أن مشاريع التسوية معه لا قيمة لها، وأن الحل الوحيد لاستعادة الحقوق الفلسطينية يتلخص بالمقاومة. في كل مقابلة أو تصريح، يضيف القائد النخالة براهين جديدة على استحالة التسوية مع العدو. في هذه المقابلة الموسّعة، عرّف المشروع الصهيوني بأنه "مشروع الغرب في المنطقة الإسلامية"، وأن "خلفه دول عظمى وليس نزوة لمجموعة من البشر، وما زال الغرب بأكمله يدعم هذا المشروع ويحافظ عليه أمنياً وعسكرياً واقتصادياً"، ما يعني أن اللجوء الى الدول الغربية لانتزاع الحق الفلسطيني لا جدوى له، رغم التنازلات التي قدّمتها القيادة الفلسطينية مجانا، أي الاعتراف بالكيان الصهيوني على 80% من أرض فلسطين التاريخية. فالدول الغربية، وإن اعترفت بالظلم التاريخي الذي لحق بالشعب الفلسطيني، لن تتراجع عن دعمها للكيان، "لأنه في الأصل لن تقوم الدول الغربية بفعل الفكرة ونقيضها، إذ أنهم مع وجود "دولة إسرائيل" ومع وجود هيمنة لها."
المهم أن المشروع الصهيوني نقيض لوجود فلسطين، بأرضها وشعبها وجغرافيتها وتاريخها وعقيدتها، كما يؤكده كل السلوك "الإسرائيلي". ولهذا السبب، يجب إعادة قراءة هذا المشروع، "وهذا يعني أن علينا إعادة قراءة مشروعنا الوطني" والعمل على استعادة الحق الكامل، وعدم التفريط به لإرضاء العالم "وعلى أمل كسب تعاطف دولي وإقليمي".
بعد توضيح ما هو المشروع الصهيوني ومن هم داعموه في العالم، يتساءل القائد النخالة كيف يمكن الاعتقاد والتوهم ولو لثانية أن طريق التسوية سيؤدي الى استعادة بعض الحقوق؟ فيضع النقاط على الحروف ويؤكد أن "الحياة موازين قوى وليست مفاوضات"، كما يثبته العالم يوميا، بعد سقوط المنطقة واجتياحها من قبل الجيوش الغربية، وتقسيمها الى دويلات تعيش تحت التهديد "الإسرائيلي" المتواصل.
ولكن، ما العمل حين يميل ميزان القوى لصالح القوى الغربية؟ هل نتراجع عن الحق الفلسطيني ونقدّم التنازلات المجانية لكسب رضاها؟ أم نقاوم ونقاتل حتى آخر رمق؟ "إذا تخلينا نحن الفلسطينيين عن المقاومة، فـ"إسرائيل" لن تتنازل لا عن القدس ولا عن الضفة الغربية، ولا يمكن لأحد أن يعطي لأحد في العالم شيئاً بالمجان. هذا وطن ويحتاج تضحيات".
يفنّد الأمين العام كل تبريرات السلطة الفلسطينية التي تبنّت طريق المفاوضات واللقاءات مع العدو وترفض المقاومة، رغم تمدّد المستوطنات في كل الضفة الغربية والقدس وزيادة عدد المستوطنين وصعود وتيرة عمليات القتل والاعتقال بحق الفلسطينيين، من خلال حجتين: تبيّن الأولى أن التراجع الفلسطيني عن مشروع التحرير تم من طرف واحد، أي أن لا أحد طرح يوما على الشعب الفلسطيني مشروعا واضحا لتحقيق نوع من العدالة، بل ظل الحديث كلاما عاما لا يعني شيئا ولا يؤسس لأي تسوية مقبلة. فحتى تصريحات الأمم المتحدة حول "الحقوق الفلسطينية" غامضة، إذ لم يتم تحديدها ولا كيفية الحصول عليها، بسبب ميزان القوى المختلّ في العالم.
والحجة الثانية هي أن العدو لا يعطي شيئا بلا ثمن، فيجب تدفيعه الثمن، بالمقاومة. عرض القائد المجاهد هذه الحجة بالانطلاق من مفاهيم المقتنعين بمسيرة وجدوى المفاوضات والتسوية، لمواكبة منطقهم، وليس من منطلق المبادئ الثورية لدى حركة الجهاد الإسلامي. فوضّح لهم أن لا فائدة من التنازل مسبقا عن مشروع التحرير، وإذا أردتم تحقيق بعض الحقوق، يجب على الأقل تدفيع الثمن للصهيوني الذي لا يعترف الى اليوم بوجود الشعب الفلسطيني. يمكن تدفيعه الثمن بالمقاومة، التي تؤلمه وتغيّر تفكريه.
"عندما يسلم الطرف الآخر أنه يوجد للفلسطينيين حق عندها يمكن أن يناقش الفلسطينيون إن كان هناك فرصة حل أم لا، وهل نقبل بالحل المطروح أم لا"، إذ يجب "إحداث تغيير في عقل العدو إلى أن يستسلم إلى فكرة أنه لا خيار سوى الاعتراف بالفلسطينيين"، وذلك لا يتم إلا بالمقاومة: "حالة الاشتباك مع "الإسرائيلي"، ولو بالحجر فقط أو الصاروخ الصغير، تهدف إلى أن يُصبح "الإسرائيلي" العادي مقتنع أنه في مشكلة ويبدأ بالمطالبة بحلها". هذا هو الطريق الصحيح والأجدى لاستعادة الحقوق. وقد أنجزت معركة "سيف القدس" بعض التقدم في هذا المجال، يجب البناء عليها، كما بنت المعركة على إنجازات سابقة في المجال العسكري والإعلامي، وكما تبني الأجيال المقدسية الممتالية على الإنجازات التي تحققها في معاركها المتنقلة.
ولأن "الجغرافيا في العالم ارتسمت بموازين قوى وليس بمفاوضات"، لم يقترح المجتمع الدولي أي حلّ الى الآن، رغم تنازل القيادة الفلسطينية عن معظم حقوق الشعب، ولم يتراجع العدو عن مشروعه، ولم يلتفت الى الحلول التي طرحتها الأنظمة العربية بعد التخلي عن أراض فلسطينية مقابل الاعتراف به، فلماذا سيلتفت الى الفلسطينيين وحدهم ويتراجع عن مشروعه الإلغائي؟
أعاد القائد المجاهد التذكير بأن مدينة القدس المحتلة "عنوان صراع حضارات وليس صراع جغرافيا بسيط"، و"عندما نتحدث عن القدس فإننا نتحدث عن صراع الحق والباطل، وصراع الحضارات في المنطقة". هذا التأكيد على مكانة القدس الحضارية والعقائدية موجّه، ليس فقط للفلسطينيين الذين يواجهون الصهاينة ويدافعون يوميا عن المقدسات، بل للأمة وشعوبها ولحركاتها الإسلامية التي لم تستوعب بعد مكانة القدس في صراعنا مع الغرب الاستعماري وأهمية القدس في تقدّمنا الحضاري، أو لم تضع برامجها على هذا الأساس، وهي غارقة في برامجها القطرية والمحلية على حساب مدينة القدس والمقدسات أحيانا. مثالا على ذلك، الحركة الإسلامية الحاكمة في المغرب التي وافقت على التطبيع مع كيان العدو، وكأنه لا يحتل القدس ولا يسعى لتهويدها ولا يدنّس مقدساتها. أين تقع القدس في برامج الحركة الإسلامية في المغرب والدول الأخرى المطبّعة أو التي تسعى الى التطبيع، بتشجيع من المجتمع الدولي؟ كيف يمكن التطبيع مع العدو المحتل وكيف يمكن إبرام اتفاقيات معه واستقبال وزرائه في الوقت الذي تقول فيه أن القدس "خط أحمر"؟ فيقول الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي: "عندما نتخلى نحن عن القدس فهذا يعني أننا نتخلى في الحقيقة عن مشروع الإسلام الحضاري في المنطقة، لأن القدس هي مركز كل شيء". في تقييمه للحركات الإسلامية، يرى القائد النخالة أنها ما زالت بعيدة عن وجدان الشعوب، تتخبط وتعيش أزمات كبيرة.
رغم الأوضاع الحالية، يحافظ القائد المجاهد على تفاؤله، لأنه يرى الأمة: "يجب أن لا نيأس من الأمة، إذ خلفنا أمة كبيرة، ويجب أن يظل عقلنا مستيقظاً. ومعنا رأي عام كبير وأمة تؤمن بفلسطين وحق الشعب الفلسطيني وحقنا في القدس"، ولأنه يستمد الوعي المتجدد من التاريخ: "وعلينا أن نتذكر دوما السيرة النبوية التي هي أكبر مدرسة للحركة الإسلامية والمجاهدين، ونجد في السيرة كيف أن المسلمين كانوا قلة واستطاعوا تغيير العالم".
-----------------------
*أجرت قناة عربي 21 حوارا شاملا مع الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي القائد المجاهد زياد النخالة مساء الثاني من آب/أغسطس الجاري، تناول فيها الملف الفلسطيني بكل تفاصيله وجوانبه وأبعاده، محددا بدقة متناهية طبيعة الصراع الذي يخوضه الشعب الفلسطيني وقوى المقاومة ضد المشروع الصهيوني الإستعماري الذي يستهدف الأمة والمنطقة برمتها.