المطبّع بين الجهل والخيانة

16 تموز 2021 - 11:18 - الجمعة 16 تموز 2021, 11:18:02

السفير الإماراتي في كيان العدو يتلقى بركات حاخام القتل والإرهاب والعنصرية
السفير الإماراتي في كيان العدو يتلقى بركات حاخام القتل والإرهاب والعنصرية

بقلم: راغدة عسيران

قبل أسابيع، استغرب السفير الإماراتي لدى العدو الصهيوني، محمد آل خاجة، خلال تلقيه "بركة الكهنة" على يد الحاخام الصهيوني، الزعيم الروحي لتنظيم شاس الإرهابي، وجود مسجد "في قلب تل أبيب". يدلّ تصريح هذا السفير إما على جهله التام بتاريخ فلسطين وبحاضرها، أو أنه محى من وعيه كل ما تعلّمه في حياته، عن فلسطين وشعبها وتاريخ الشعوب العربية، ومتى قدم الغزاة الصهاينة الى فلسطين، وكيف سرقوا الأرض بمباركة ومساعدة الجيوش البريطانية، وما هي المجازر التي ارتكبوها بحق الشعب الفلسطيني وكيف اقتلعوه من أرضه وبيته ومسجده وكنيسته، في أوسع وأشرس هجمة إستعمارية إستيطانية في القرن العشرين.

يجهل السفير محمد آل خاجة أو ألغى من ذاكرته كل ما تعلّمه في صغره، إن كان أصلا قد تعلّم تاريخ أمته، أن فلسطين كانت وما زالت أرضا تنتمي الى الإسلام والعروبة، وأن المساجد المتبقية فيها تتحدى بوجودها، الصهاينة ووجودهم المؤقت، لأن الشعب الفلسطيني ما زال متمسكا بعقيدته وتاريخه ومقاومته، رغم النكبات التي أصابته، وآخرها نكبة اتفاقيات أوسلو المشؤومة، التي فسحت المجال لأمثال هذا السفير ونظامه، لإعلان انضمامهم الى معسكر الطغاة في العالم.

بعد شهور عدة، جاء الرد على السفير الإماراتي، وعلى أمثاله، الذين التحقوا بهذا المعسكر، من قبل فريق عمل فيلم "ليكن صباحا" الفلسطيني. لقد انسحب هذا الفريق من مهرجان "كان" السينمائي رفضا لتصنيف الفيلم "إسرائيليا" من قبل الجهات المنظمة، وتأكيدا على انتمائه للشعب الفلسطيني والى تاريخه وواقعه، وأنهم في الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948، لم يتخلوا عن ضميرهم الانساني والوطني من أجل المال والمناصب والجوائز.

وجاء في بيانهم الصحفي أن العدو الصهيوني "يواصل حملته الإستعمارية المستمرة منذ عقود، وممارساته في التطهير العرقي، والطرد، والفصل العنصري الموجّه ضدنا، ضد الشعب الفلسطيني"، وأن قرار الجهات المنظمة لمهرجان "كان" وقح ونابع من عقلية المنظمين الإستعمارية، وانحيازهم الى جانب الكيان الإرهابي.

يتجاهل المطبّع مع الكيان الغاصب الصوت والإعلام الفلسطيني، والصوت المدافع عن الحق الفلسطيني والعربي في التحرير والإستقلال.

وبالعودة الى السفير الإماراتي، فهو يشتكي الى الحاخام المجرم أن الإعلام المؤيد للفلسطينيين تابع لجهة معيّنة (الإخوان المسلمين) لتبرير خيانته. ولهذا السبب، فهو لا يصدّقه ويفضّل متابعة الدعاية الصهيونية التي تزوّر الواقع والتاريخ. بالنسبة له، فإن اكتشاف مسجد "في قلب تل أبيب"، يدلّ على "روح التسامح" و"رحابة الصدر" لدى المجرمين الصهاينة، وليس على إلغائهم لفلسطين وللشعب الفلسطيني.

في هذه الإيام، لم يعد بالامكان تغييب القضية الفلسطينية في العالم، كما غيّبت المجازر الرهيبة التي اقترفها المستوطنون الأوروبيون في القارة الأميركية بحق شعوبها الأصلية، ما سمح لهم باختراع تاريخ "يبيّض" سيرتهم ويشيطن الشعوب الهندية الأصيلة.

اليوم، وخاصة بعد منافسة الإعلام الشعبي عبر التقنيات الجديدة، للإعلام الرسمي والإعلام المموّل من قبل طغاة العالم، لم يعد بالإمكان تجاهل قضية فلسطين بسبب فظاعة الجرائم التي يرتكبها الصهاينة، الذين يقتلون ويعتقلون ويدمّرون ويغزون الأراضي ويطردون شعبها، دون حساب ومحاسبة، ويتصرفون بكل عنجهية مع الشعوب المستضعفة في العالم، وبسبب مقاومة الشعب الفلسطيني البطولية التي لم تتوقف منذ بداية المشروع الإستعماري الغربي الصهيوني.

تحارب قوى الشر في العالم الإعلام غير المنحاز لها، لأنه صادق ويروي ويبث الحقيقة. فقد استولت الولايات المتحدة الأميركية على عدة مواقع لفضائيات عربية وإسلامية، فقط لأنها غير تابعة لأموالها ونظرتها الإستعلائية الى الأمور العالمية، وهي التي تتغنى بالديمقراطية وحرية التعبير. لقد استولت على فضائية "فلسطين اليوم"، بعد معركة "سيف القدس" التحررية، لأنها نجحت في نقل الصورة الحقيقية للمشهد الفلسطيني من جهة، وصورة الكيان المهزوم والمرتبك والعاجز من جهة أخرى.

رغم التغييب الإعلامي لقضية فلسطين وشعبها في الدوائر الرسمية، وفي الإعلام المموّل من قبل الشركات الصهيونية الأميركية والاوروبية، ورغم ضخ ملايين الدولارات لتشويه صورة المقاومة ضد الكيان الغاصب في الإعلام العالمي، ومنه الإعلام العربي، واتهامها بـ"الإرهاب" وبـ"قتل المدنيين الأبرياء"، تمكّن الإعلام الشعبي من كسر الحصار المفروض على صوت المقاومة، رغم امكانياته المحدودة، وبثّ الصور والحكايات التي تنقل معاناة الناس ومظلوميتهم، وشجاعتهم أمام جنود العدو المدججين بالسلاح الغربي والأمريكي الحديث، ومقاومتهم اليومية من أجل حياة كريمة، وبراءة أطفالهم الذين يتحدون بنظراتهم وضحكاتهم ومقالعهم وحجارتهم غزاة متوحشين وعنصريين، يلاحقونهم على الطرقات لدهسهم.

لكن المطبّع يصرّ ألا يرى الحقيقة، لأنه يفضّل تسيير مصالحه ومصالح مجموعته على حساب شعبه وأمته. لقد دفن ضميره واختار الوقوف مع المجرمين والظالمين، تحت الوصاية الأميركية، وما يسمى المجتمع الدولي، الحليف والمتواطئ مع كيان إستيطاني عنصري، يواصل حربه وعدوانه على الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة.

على مستوى الدول، لم تطبّع دولة عربية أو إسلامية علاقاتها مع كيان العدو، إلا بضغط من الولايات المتحدة، وبإيعاز من الدول الغربية، والمؤسسات الدولية التي تعمل لصالح الهيمنة الغربية على العالم، مقابل تسهيلات مالية وتجارية وعسكرية وعلاقات سياسية "متميّزة" تساعدها على محاربة خصومها.

ما يعني أن تطبيع الدول مع كيان العدو يعارض مصالح شعوبها واستقلال بلدانها وتنميتها الفعلية، لأن الأنظمة المطبّعة رضخت للإرادة الإمبريالية الأميركية، ووافقت على وضع بلدانها تحت الوصاية الأميركية الكاملة، وأن يتحكّم الكيان الصهيوني بالمنطقة، وخاصة بفلسطين والشعب الفلسطيني.

أما على مستوى الأفراد، الإعلاميين أو الفنانين والتجار والصناعيين، وغيرهم من النخب في الوطن العربي، فالمطبّع لا ينظر إلا الى مصلحته الخاصة، فمنهم من يجني الأموال والشهرة، ومنهم من يوسّع إعماله بسبب علاقات الصهاينة المميّزة بالدوائر المالية والتجارية والإعلامية في العالم.

فالرياضي الذي يتجاوز المقاطعة الشعبية العربية للكيان الصهيوني، يُعتبر بطلا لدى الدوائر الغربية التي تكرّمه وتدعم مسيرته الرياضية، والكاتب العربي أو الإسلامي الذي يكسر المقاطعة العربية، يُعتبر شجاعا وجريئا ومناهضا "للتزمت" العربي والإسلامي وداعية للحرية، ويستحق التكريم والجوائز الدولية.

لذلك، يبذل المطبّع جهدا للابتعاد عن معرفة الحقيقة الخاصة بالكيان الصهيوني وإجرامه اليومي في فلسطين المحتلة، ويغض النظر عما يعيشه الشعب الفلسطيني، يوميا تحت الاحتلال وفي سجونه وفي لجوئه القسري. و"يُطمئن" ضميره بالقول أن ما يبثه الإعلام الشعبي العربي غير صحيح، ومنحاز ونابع من كراهية لم تعد مفهومة لديه، وأن الحقيقة تصدر فقط عن الإعلام المموّل غربيا، الذي صنع شهرته الخاصة.

 بإصراره على تجاهل الحقيقة، والحق الفلسطيني الخالص بوطنه المسلوب، يصبح المطبّع خائنا لوطنه وشعبه وأمته، لأنه يدعم المجرم باعترافه به، ويشرعن سرقته للوطن الفلسطيني، كما يغطي اعتداءاته اليومية.

لقد أكّدت معركة "سيف القدس" التحررية أن شعوب العالم تقف ضد الظالمين وتتضامن مع المظلومين، كما أكّدت أنها تدعم كل من يقاوم الظلم. فلم يتمكّن بعض الإعلام المموّل من قبل الشركات الصهيونية الأميركية والأوروبية من بث الأكاذيب وتغييب معاناة الشعب الفلسطيني ومقاومته البطولية، لأن الإعلام المقاوم الصادق يرتكز أساسا على فطرة الناس الرافضة للظلم.

 

 

 

انشر عبر
المزيد