القدس صاعق تفجير الهبات والانتفاضات الفلسطينية

14 حزيران 2021 - 01:28 - الإثنين 14 حزيران 2021, 13:28:35

بقلم: رفقة شقور

تعد مدينة القدس هي المدينة الأكثر ثقلاً تاريخياً ودينياً وحضارياً وسياسياً وحضوراً في الوعي الفلسطيني الجمعي في صراع الفلسطينيين مع الاحتلال سواء في فترات الحرب أو السلم، فلطالما كانت هي الصاعق الذي يفجر الهبَّات الشعبية والانتفاضات منذ العام 1919، كذلك شكلت الصاعق الذي يفجر الخلافات السياسية حين جنحت "منظمة التحرير الفلسطينية" لخيار التسوية السياسية مع الاحتلال ضمن مسار أوسلو.

يذكر من تاريخ الهبَّات التي فجرتها مدينة القدس، حين حاولت جماعة سرية يهودية تفجير مصلى قبة الصخرة عام 1982، لكن تم اكتشاف المتفجرات وإحباط تلك العملية. كما تبعت ذلك في التسعينيات محاولة جماعات إستيطانية وضع حجر الأساس للهيكل المزعوم، فاندلعت مواجهات وارتقى فيها 20 شهيداً فلسطينياً.

في 25 أيلول/ سبتمبر 1996 قام الاحتلال باستئناف محاولته في فتح نفق تحت المسجد الأقصى، وتلك المحاولة سبقتها محاولتان فاشلتان في العامين 1986 و1994، ما تسبب في اندلاع هبة النفق على امتداد الأراضي الفلسطينية والتي استمرت لمدة ثلاثة أيام، ارتقى خلالها 63 شهيداً وأصيب 1600 شخص بجروح.

في 28 أيلول/ سبتمبر كانت زيارة أرئيل شارون للمسجد الأقصى هي الصاعق الذي فجر انتفاضة الأقصى، التي ارتقى فيها 4412 شهيداً فلسطينياً، وأصيب 48322 شخصاً بجروح.

في العامين 2015 و2016 اندلعت انتفاضة السكاكين بسبب تصاعد انتهاكات الاحتلال في القدس كذلك بسبب التوسع الاستيطاني.

في العام 2017 كانت هبة باب الأسباط، التي انطلقت لإزالة البوابات الإلكترونية التي زرعها الاحتلال من أجل تفتيش الداخلين للمسجد الأقصى، لكن مقاومة الفلسطينيين لهذا القرار أسفرت عن إزالة تلك البوابات.

في شباط/ فبراير عام 2019 كانت هبة باب الرحمة، بسبب إغلاق الاحتلال الباب المؤدي إلى المصلى الذي أغلق عام 2003، حيث أعاد المقدسيون فتحه والصلاة فيه.

في 13 نيسان/ إبريل عام 2021، انطلقت هبة باب العامود، بعد إعلان جمعيات استيطانية عن خطتها لاقتحام المسجد الأقصى، ونصب الاحتلال السواتر الحديدية على درجات باب العامود، الذي يشهد نشاطاً رمضانياً للفلسطينيين بعد صلاة التراويح، ترافق ذلك مع مواجهة الفلسطينيين لخطط تهويد أحياء في مدينة القدس. واستمرت الهبة إلى أن تمخضت عن إزالة السواتر الحديدية.

لم ينتهِ الأمر عند ذلك، فقد قررت جماعة المعبد اليهودية المتطرفة، في 28 رمضان، اقتحام ساحات المسجد الأقصى من أجل تنفيذ قراءاتها التوراتية كنوع من التقسيم المعنوي للمكان بعدما أحبطت الهبات السابقة خطتها للتقسيم المكاني والزماني في الأقصى إيذاناً ببدء إعادة بناء الهيكل المزعوم.

اشتبكت قوات الاحتلال مع المصلين المرابطين داخل المسجد الأقصى. وتسببت اعتداءات الاحتلال ومنع فرق المسعفين بارتقاء عدد من الشهداء، وسقط ما يقارب 600 جريحا في تلك الاشتباكات. استغاث المحاصرون في المساجد بقائد المقاومة في غزة محمد ضيف، الذي أمهل الاحتلال حتى الساعة السادسة مساءً لإخلاء باحات الأقصى وإيقاف تظاهرة جماعة المعبد اليهودية. وحين لم يفعل الاحتلال، انطلقت الحملة العسكرية للدفاع عن المقدسات والمسماة بـ"سيف القدس"، وتسببت بحرب مباشرة كان مركز ثقلها في غزة، وامتدت لباقي فلسطين التاريخية.

عززت عملية "سيف القدس" مكانة القدس والمقدسات الإسلامية والمسيحية فيها في الوعي الفلسطيني والعربي والإسلامي، وشكلت حالة ردع للاحتلال الذي تراجع عن تظاهرة جماعة المعبد المتطرفة، كما أعلن عن عدة خطوات تراجع فيها عن اقتحام المسجد الأقصى. وظلت المقاومة الفلسطينية تضع القدس في أولى شروط التهدئة، ما شكل نقلة نوعية في فرض كلمة المقاومة على الاحتلال الذي تمادى في عمليات التهويد والاستيطان في القدس خلال مسار التسوية السلمية الذي امتد لربع القرن، كذلك بعد فترة رئاسة (دونالد) ترامب لأميركا التي شهدت دعماً لا متناهياً لخطط التهويد والاعتراف بالقدس كعاصمة لدولة الاحتلال ونقل السفارة الأميركية إليها.

أتت عملية "سيف القدس"، التي وحدت الفلسطينيين في جميع أماكن وجودهم في مواجهة التقسيم الجغرافي والنضالي لوجودهم، كي تعيد ترتيب الأوراق الفلسطينية وتصويب البوصلة الوطنية نحو استعادة كافة الحقوق، واعتماد المقاومة كخيار بعدما أثبت المسار السياسي حالة من الفشل المحلي والدولي، بعدما تجاوز قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال الاتفاقيات الدولية التي تحيل القدس وحق العودة لقضايا الحل النهائي.

أثبتت أيام المواجهة بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال أن طريق استعادة الحقوق أمام إرهاب دولة الاحتلال يكون عبر الوحدة النضالية للشعب الفلسطيني، حيث شاهدنا السيول البشرية التي تدفقت إلى الحدود الأردنية الفلسطينية مطالبة بفتح الحدود من أجل مساندة المقاومة في القدس والأقصى.

كما شكل ما حصل في هبة باب العامود الأخيرة و"سيف القدس" صدمة لمحافل التقدير الاستراتيجي "الإسرائيلي" المتمثلة بمراكز أبحاثه واستخباراته، حيث كان تقديرها يتمحور حول أن التوقيت الحالي المتمثل بمناخ التطبيع العربي، وكذلك عمليات الأسرلة والتهويد، تضمن نفاذ مخططاتها في ما يتعلق بالمدينة المقدسة، ففوجئت بالجماهير الفلسطينية تتوحد على نبض مدينة القدس التي توحد الجماهير الفلسطينية والعربية والإسلامية على قداستها ومكانتها.

هدفت المقاومة الفلسطينية في غزة أن تستعيد جبهة للمواجهة مع الاحتلال تكون غزة رافعة لها لا مصدرها الوحيد، كذلك سعت لتصويب مسارها وإعادة الاتصال مع أول أهدافها منذ انطلاقها والمتمثل بتحرير الأقصى والقدس، التي حال أحرزت تقدماً على جبهتها في هذه الخطوط المركزية للمواجهة يصبح ما تبقى تفاصيل، لأن ما شكلته "سيف القدس" من قوة ردع يعزز من جدوى المقاومة ويحرز تقدماً لها نحو التحرير، وهذا التقدم وهذه الجدوى لا يقاسان بمقدار الخسائر، خاصة في حال تحولت الهبة في باقي أجزاء فلسطين التاريخية لانتفاضة مستدامة تكون بابا للتحرير الحتمي لأجزاء من فلسطين. (المصدر: العربي الجديد)

 

 

انشر عبر
المزيد