كيف يسهّل خطابُ السّلطة عمل شبكات الضغط الصهيونيّة؟

02 حزيران 2021 - 02:06 - الأربعاء 02 حزيران 2021, 14:06:13

بقلم: جمانة غانم

في العام 2017، فوجئ أهالي قرية بُرقة قضاءَ نابلس بإعلان النرويج عن وقف تمويلها لمركزٍ نسائيّ افتُتح في القرية حديثاً. فسّرت النرويج قرارها برفضها دعم مؤسساتٍ "تحمل أسماء إرهابيين"، بعدها أعلنت الأمم المتّحدة أيضاً عن قطع علاقاتها بالمركز بُحجّة أنّه "يُمجد الإرهاب أو مرتكبي الأعمال الإرهابيّة الشنيعة". كلُّ هذا بسبب قرار تسمية المركز على اسم واحدةٍ من أبرز المناضلات في تاريخ فلسطين: دلال المغربي.

لا يُفترض أن تكون حادثة مركز بُرقة مثار استغرابٍ؛ فقد سبقها تحريضٌ "إسرائيليٌّ" علنيّ بشأن أكثر من 24 مدرسةً تحمل أسماء فدائيين، مثل محمد داوود عودة وخليل الوزير. وهو تحريضٌ يهدف للضغط على الدول والصناديق الأجنبيّة المانحة، ومراقبة توظيف أموالها، ورصد كلّ نشاطاتها التي تتعارض مع شرط "نبذ الإرهاب". وذلك من أجل قمع كلّ نشاطٍ اجتماعيّ فلسطينيّ يتبنّى خطاباً مناهضاً للاحتلال، أو يرسّخ ثقافة المقاومة.

مع تأسيسها، تعهّدت السّلطة الفلسطينيّة "بنبذ الإرهاب". وسرعانَ ما ظهر أنّ هذا التعهّد لا يقتصر على انتهاج المقاومة التي تعتبرها دولةُ الاحتلال "إرهاباً"، إنما تحوّل إلى نبذٍ لإرث هذه المقاومة أيضاً، وتنصُّلٍ من الشّهداء والمناضلين، من ضمنهم رموز القاعدة الشعبيّة الأكبر لهذه السلطة – حركة "فتح". شكّل هذا التعهّد ركيزةً أساسيّة تستند عليها "إسرائيل" في مساعيها "لفضح حقيقة" السّلطة الفلسطينيّة، وتوريطها بتناقضها بين الشعارات الثوريّة التي ترفعها أمام جمهورها- باعتبارها امتداداً لإرث حركة "فتح" المقاوم - وشعارات "نبذ العنف والإرهاب" التي ترفعها في الساحة الدوليّة، وتطلّعاتها لبناء دولةٍ تتخلى عن المقاومة وترتهن للدبلوماسيّة الغربيّة والإملاءات "الإسرائيليّة" والأميركيّة.

منذ تأسيس السّلطة، نظّمت "إسرائيل" مساعيَ مراقبةٍ وملاحقةٍ لعملها وعمل المؤسسات الفلسطينيّة التي تدور في فلك المجتمع الدوليّ، واستندت في هذه المساعي إلى عددٍ من المنظّمات الصهيونيّة غير الحكوميّة التي تنشط في مختلف دول العالم. على سبيل المثال لا الحصر، سيتناول هذا المقال مؤسسة PMW أو مرصد الإعلام الفلسطيني "Palestinian Media Watch" ومقرّها القدس المحتلّة.

أسَّس مستوطنٌ قدم من أميركا، اسمه إيتامار ماركوس، هذا المرصد عام 1996، أي بعد عامين فقط على إعلان تأسيس السُّلطة الفلسطينيّة. يعرّف المرصد مهمّته بـ"كشف التباين بين خطاب الفلسطينيين على المستوى المحليّ والدولي"، ولهذه الغاية يتتبع الإعلامَ والمنهاجَ المدرسيّ الفلسطينيّ، ويترجمُ تصريحات مسؤولي السُّلطة وما يُكتب في الصحف المقرّبة منها أو يُعرض على الشاشات الرسميّة إلى لغاتٍ عدة، ويرسلها إلى منظماتٍ دوليّة مرفقة بعرائض تطالب بمعاقبة السّلطة وقطع التمويل عنها.

خلال العقد الماضي، أغرق مرصد PMW ومؤسسات الضغط "الإسرائيلية" المانحين الغربيين بكافّة أشكال العرائض والشكاوى التي "تكشف" استخدام الفلسطينيين أموال المساعدات بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشر لإحياء ذكرى أو افتتاح صرحٍ أو إقامة فعاليّاتٍ بأسماء شهداء أو رموز فلسطينيّةٍ أخرى (حتّى الكوفيّة!). نجد في موقع المرصد عشرات الصفحات المُخصّصة للمُغربي وحدها، تتراوح في مضمونها بين تقارير تتبع كلّ نشاطٍ للسلطة أو منهجٍ مدرسيٍّ أو جامعيٍّ يذكر اسمها، وبين عرائض تقدم لجهاتٍ رسميّةٍ دوليّة مثل الكونغرس الأميركيّ أو برلمان الدنمارك، تطالب بقطع المساعدات عن السُّلطة بسبب "تمجيدها الإرهابيين". 

الصراع بين "شرعيّتين".. مثال دلال المُغربي

ينطوي سحبُ التمويل عن مركز "دلال المُغربي" على تفاصيل كثيرة يمكن أن نفهم منها كيف قادنا استسلامُ السُّلطة وتخلّيها عن نهج المقاومة لمزيدٍ من القيود علينا، فالمبلغ الذي أثارت النرويج الضجّة عليه لم يتجاوز الـ10 آلاف دولار، وسرعان ما أكّد أهالي القرية ونشطاءُ المركز أنّهم يرفضون الاستجابة للإملاءات الخارجيّة حتى لو كلّفهم الأمر اعتقالهم. أمّا الأموال الناقصة فيمكن بسهولةٍ تعويضها مقابل إبقاء ذكرى الشهيدة حيّة. لكنّ السلطة، رغم استنكارها الرسميّ، خضعت على الفور للضغوطات "الإسرائيليّة" وأغلقت المركز.

في العام ذاته، احتجّت بلجيكا على تسمية مدرسةٍ في قرية بيت عوّا قضاء الخليل باسم دلال المُغربي، وعبّر مسؤولوها عن غضبهم ومفاجأتهم خلال الافتتاح من التسمية التي "تحرجهم" مع "إسرائيل" وتُخلّ بشروط التمويل القائمة على إعداد جيلٍ فلسطينيّ بعيدٍ عن "الإرهاب". وصلَ الاحتجاج إلى مكتب (محمود) عبّاس، فتغيّر اسمها وأصبح "المدرسة البلجيكيّة - أوائل الجنوب" (أهالي بيت عوا قرَّروا إثر ذلك تغيير اسم مدرسةٍ قائمة في البلدة من "مدرسة بنات عوا الأساسية" إلى مدرسة الشهيدة دلال المغربي).

 يستمرُّ خضوع السُّلطة، حادثةً تلو الأخرى. وفي أفضل الأحوال، تقوم استراتيجيّتها على محاولة الالتفاف وإيجاد حلٍّ بديلٍ أو مُخفَّف. تسترضي السّلطة بالشعارات مؤيديها و"أخوات دلال"، الفرع النسويّ لحركة الشبيبة، بينما يغيب معظم مسؤوليها سنوياً عن الاحتفالات الخجولة لإحياء ذكرى المغربي خشية استفزاز "إسرائيل" والأمم المتحدة. ونجد عبّاس يتنصّل في لقاءٍ على القناة "الإسرائيلية" الثانية من مسؤولية السلطة عن تشييد دوّارٍ باسم الشهيدة، مبرّراً: "البلدية بنته لا السلطة"، رغم أنّ الدوّار لم يُفتتح فعليّاً حتى اليوم، وتتكفّل عائلة الشهيدة بترميمه كلّ حينٍ على نفقتها الخاصّة إثر تكسير جيش الاحتلال له خلال اقتحام رام الله

بين أموالِ المانحين ورواتب الأسرى

 منذ أيّامها الأولى ارتهنت السلطة سياسيّاً بأجندات المانحين، وصار أفق قراراتها ينحصرُ بما يرضي مموليها، فعمل الاحتلال على تحويل الرّواتب والمنح والمساعدات إلى أدواتٍ يلوي بها ذراع الفلسطينيين، مثلما فعلَ بقضيّة رواتب الأسرى وذوي الشهداء التي وصلت نفقاً شبه مسدودٍ مؤخراً، مع امتناع البنوك الفلسطينيّة عن دفع هذه المستحقات.

طيلةَ سنواتٍ قادت "إسرائيل" حملاتٍ لإجبار السلطة على وقف التزاماتها الشهريّة للأسرى وعوائل الشهداء، عبر تهديد البنوك والاقتطاع من أموال المقاصّة، والضغط على المانحين لوقف مساهماتهم في ميزانيّة السلطة، باستخدام الحُجّة القديمة إيّاها "تمويل الإرهاب". ما قاد لوقف المساعدات الأميركيّة في عهد ترامب، وقطع كلٍّ من هولندا وأستراليا تمويلهما.

ساهم PMW بالطبع في هذه الحملة، ونشرَ طيلة سنوات آلاف التقارير والعرائض التي تُحرّض على الأسرى والمؤسسات التي تعمل لصالحهم، مثل "هيئة الأسرى والمحرّرين"، وأرسل عدداً من الشكاوى لجهاتٍ دوليّة، وحاضر مؤسسه ماركوس أمام برلماناتٍ أجنبيّة، "كاشفاً" "تورّط" حكوماتهم حيناً، و"نفاق" السلطة أحياناً في ملف الرواتب.

 كان الهدفُ الأبرز بالنسبة للسلطة في هذا الملف الحفاظَ على شعبيّتها بين كوادر "فتح"، فحاولت مرّةً أخرى أن تمسك العصا من المنتصف، لذلك بينما كانت تقدّم تصريحاتٍ عاطفيّة لمؤيّديها على طراز: "لن نسمح بمنعِ رواتب الشهداء والأسرى"، لم تتردّد بقطع مستحقات كثيرٍ من الأفراد الذين تعتبرهم خارج قاعدتها الشعبيّة ومنتمين لتيّاراتٍ سياسيّة معارضة (مثل حركتي حماس والجهاد الإسلامي، وكذلك تيّار دحلان) منذ العام 2017. كما رفضت أن تشمل المستحقات عوائل آلاف الشهداء الذين قتلتهم "إسرائيل" في الحرب الأخيرة على قطاع غزّة، وأقال عباس وزيرَ شؤون الأسرى والمحررين السابق عيسى قراقع على خلفية انتقاده إدارة السلطة لملف رواتب الأسرى.

كانَ بإمكان السلطة منذ البداية أن تواجه أزمة الرواتب بموقفٍ وطنيّ متماسكٍ يرفض قطعاً وصم الأسرى والشهداء "بالإرهاب". لكنّها بدلاً من ذلك خضعت لشروط الاحتلال ولم تقد أي جهدٍ دوليّ حقيقيّ لمقاومة ضغوطاته. بل اكتفت بتشكيل لجنةٍ هدفها إيجاد ثغراتٍ ومخارج فنيّة "لتلافي التّبعات القانونية للأمر العسكري الإسرائيليّ"، واقتراح حلولٍ التفافية مثل مقترح تسجيل بعض الأسرى على قوائم الموظفين أو الأجهزة الأمنيّة، وتسجيل آخرين على قوائم الشؤون الاجتماعيّة، أو صرف المخصصات عبر البريد، وهي مخارجُ مؤقتة تحقّق مطالب الاحتلال ولا ترفضها. وبذلك يُترك مناضلونا مرّةً أخرى ليدفعوا الثمن ويكونوا عُرضةً لمزيدٍ من الضغط، ويُحاصر أكثر بهموم لقمة العيش من يفكّر بخيار المقاومة، لأنَّ السلطة اختارت "النضال" بالمسكّنات والحلول المؤقتة.

لقاحاتٌ يؤجّلها وهم السيادة

وكما استغلّت المنظمة الصهيونيّة خطابَ السّلطة في موضوع رواتب الأسرى، فعلت الأمر نفسه في قضية الحصول على اللقاحات. على مدار الأشهر الأولى من هذا العام عكست محاولات السُّلطة المتعثّرة توفيرَ لقاح فيروس كورونا كمّ الضرر الذي يُلحقه وهم السيادة بصحّة الفلسطينيين ومعيشتهم. فمنذ بداية تفشّي الوباء، انتهزت السلطة هذه الفرصة لاستعراض "سيادة كاذبة" وتقمّص دور "دولة" حقيقية، في مشهدٍ توارى منه الاحتلال ومسؤوليّته تجاه الفلسطينيين. رفعت السلطة عن الاحتلال مسؤوليّته القانونيّة، وتمسّكًا بدورها في "الإدارة" مدنياً كما جاء في اتفاقيّة أوسلو. بهذا، خلّصت السلطة "إسرائيل" من العبء، في محاولة تظاهريّة فاشلة لإيجاد الحلول.

كرّرت السلطة مراراً عبر عباس واشتية وميّ الكيلة وإبراهيم ملحم أنّها تتواصل مع شركاتٍ عدّة وأنّ اللقاحات ستبدأ بالوصول قريباً "وبكميات كبيرة" دون إعطاء تفاصيل عن طبيعة اللقاح أو وضع سقفٍ زمنيّ لوصوله والبدء بتوزيعه، وحين سأل صحفيّون الوزيرة الكيلة عن دور الاحتلال في توفير اللقاحات، أجابتهم أنّ من "مصلحة إسرائيل" أن نحصلُ على اللقاحات لأننا نجاورها، واكتفت بالتعامل مع الاحتلال من منطق "الجيرة" وواجباتها، بدل الإشارة إلى أنّ توفير اللقاحات "فرض" على "إسرائيل" بصفتها دولة احتلال، وهو الموقف الذي أكده مدير بعثة منظمة الصحة العالمية في فلسطين، ومجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة.

بعد ظهور حملاتٍ دوليّة متعدّدة للضغط على "إسرائيل" وتحميلها مسؤوليّة توفير التطعيمات للفلسطينيين، بصفتها قوّةَ احتلال. ردّت "إسرائيل" متذرّعةً بخطاب "أوسلو" ذاته، الذي يمنحُ السلطة نفوذاً مدنيّاً في الأراضي المحتلّة وبالتالي يحمّلها مسؤوليات الصحّة.

هكذا، ادّعت المنظّماتُ الصهيونيّة، ومن ضمنها PMW أنّ السلطة تكفّلت بإدارة شعبها منذ اتفاق أوسلو، ما يجعل صفة كيانٍ محتلّ لا تنطبق على "إسرائيل". وساقت المنظّمة الصهيونيّة حُججاً ضدَّ السلطة تدور حول إصرارها منذ البداية على التصرّف كدولةٍ مستقلّة والتواصل مع الشركات المصنّعة للقاحات دون طلب تدخل "إسرائيل" التي عرضت أن توفّر المساعدةَ اللازمة، وأنّ محاولتها تحميلَ الاحتلال المسؤوليّة هي مجردٍ "حسدٍ ومحاولة تعتيمٍ على النجاح الإسرائيليّ"

ختاماً..

داخلَ حدود فلسطين وخارجها تسهّل السلطة حربَ "إسرائيل" علينا، لكن بينما نلمسُ آثار التنسيق الأمنيّ والاعتقالات السياسيّة عياناً، تبدو خطورة تناقضات السلطة وتأثيرها على الحقل الدبلوماسيّ الخارجيّ أقلّ وضوحاً، رغم أنّ تبعاتها تمسّنا جميعاً. فهناك شبكةُ ضغطٍ "إسرائيليّةٍ" كاملة تحاصرنا وتضرب رموزنا وما تبقّى من أسباب صمودنا بالاستناد على نفاق السلطة وارتباكها وكذب مسؤوليها، وهشاشة جدران المانحين التي تسندها، وتنكّرها لثوابت شعبها ورموزه وما راكمه من سنين المواجهة ضدّ الاحتلال، حتّى صارت لا تملك مساحةً للمناورة أمام الضغوط الدوليّة و"الإسرائيليّة" لأنّها "نبذت الإرهاب" وقبلت منذ البداية أن تتنازل عن الحقّ بالمقاومة(المصدر: موقع متراس)

انشر عبر
المزيد