قائمة الموقع

الحرب الإعلامية: العدو يسقط مجددا

2021-05-21T11:02:17+03:00
بقلم: راغدة عسيران

يشنّ العدو الصهيوني حربا واسعة على الإعلام الفلسطيني والمساند للحق الفلسطيني. وآخر جرائمه بحق هذا الإعلام، استهداف الإعلاميين في قطاع غزة، من خلال القتل (الشهيد يوسف ابو حسين، المذيع بإذاعة صوت الأقصى، بقصف منزله في يوم 18 أيار/مايو، وفي يوم 16 أيار/مايو، الشهيد الصحفي عبد الحميد الكولك، مراسل وكالة دنيا الوطن، بقصف منزله أيضا، وقبله الشهيد الصحفي محمد شاهين، بتاريخ 12 أيار/مايو بالقصف على مدينة دير البلح) كما أصيب 10 صحفيين بجراح مختلفة، إضافة الى أن طائرات العدو الحربية دمّرت 32 مقر مؤسسة إعلامية، محلّية ودوليّة، لدى قصفها لبرج الجوهرة في غزة. وقبل العدوان على قطاع غزة، في سياق عملية "سيف القدس" التي شنّتها المقاومة الفلسطينية، هدد الاحتلال الإعلاميين في مدينة القدس بالاعتقال والضرب المبرح، في محاولته المستمرة لإسكات الصوت الحر الفاضح لممارساته الإجرامية.

يعتبر الإعلام إحدى جبهات الصراع، بل أحيانا أهمها، لأنه يؤثر على معنويات المتصارعين، وعلى الرأي العام العالمي بنقله الأخبار والبيانات والتصريحات ومقالات الرأي والتحليلات، والصور والمشاهد المصورة.

في حالات الحرب، كما هو الآن، تتصاعد وتيرة الحرب الإعلامية ويتوسع مداها نحو العالم: تشارك الجماهير الحرة، في الدول العربية ودول العالم، عن طريق وسائل التواصل الإجتماعي وغيرها من الوسائل غير الرسمية، في هذه الحرب لدعم الشعب الفلسطيني وفضح جرائم الكيان الصهيوني، مقابل الإعلام التابع للأنظمة الغربية الداعم للكيان الصهيوني وحربه الهمجية، والذي يمتلك الإمكانيات المادية، المال والتكنولوجيا. تساعده في ذلك الشركات العالمية المالكة لوسائل التواصل، مثل غوغل ويوتيوب وفيسبوك وغيرها، التي تلاحق المحتوى الفلسطيني والمؤيد له وتقمعه وتزيله (منع فضائية فلسطين اليوم من البث المباشر على صفحتها على اليوتيوب) في حين تسمح وتروّج للمحتوى الصهيوني، ليس فقط عبر الإعلام "الإسرائيلي"، بل عبر القنوات الإعلامية الغربية التي تتبنى المحتوى العنصري والعدواني على الشعب الفلسطيني.

رغم هذا التكالب الإعلامي الغربي المموّل من الشركات العالمية، نجحت الجماهير في العالم في فضح الجرائم الصهيونية، عبر الكلمة والصورة، بوسائلها البسيطة (الشبيهة بمواسير المياه التي يصنع منها المقاومون الصواريخ، كما صرّح بذلك الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي، المجاهد زياد النخالة)، وإسقاط الإعلام الصهيوني المضلّل، الذي يروّج أولا لأكاذيب مجرمي الحرب بقولهم أن جيشهم يستهدف المقاومة وليس المدنيين وأنه يدمّر "مترو الأنفاق" ويتكتم ثانيا على الخسائر المادية والبشرية التي لحقت بالمستوطنات الصهيونية، استجابة للرقابة العسكرية لدى العدو.

هذا النوع من الإعلام الجماهيري، الذي يتكرّر في أوقات الحرب، والذي يتميّز بالسرعة والإختصار والانتشار الواسع، والذي يهدف الى تحشيد الشعوب الى جانب الشعب الفلسطيني، يبقى ناقصا كونه لا يتجاوز الشعارات المؤثرة ولا يوفّر المعلومات الضرورية لقلب الصورة بشكل جذري، وخاصة في الدول الغربية، وللأجيال الصاعدة في الدول العربية، حيث تم حذف من مناهجها القضية الفلسطينية بعد اتفاقيات أوسلو (1993). لكنه قد يكون انطلاقة لتجذير الفهم والاصطفاف الى جانب الحق الفلسطيني، والانتماء الى الجبهة المعادية للولايات المتحدة والغرب الامبريالي. وبهذا المعنى يمكن القول أن أداء المقاومة والفعل المقاوم ومواجهة العدو هي الحالة الأنسب لتوسيع دائرة التفاعل مع الحق الفلسطيني والعربي بشكل عام والدفاع عنه.

من أجل توسيع هذه الدائرة، يلعب الإعلام دورا مهما، من خلال المقابلات والتحقيقات والمقالات والتحليلات، التي توفّر أدوات أعمق للقارئ أو المشاهد لفهم الواقع والتاريخ وربطه بواقع الشعوب وتاريخها، حيث يمنحهم دوافع ذاتية أيضا، وليس فقط دوافع لمناصرة الشعب الفلسطيني ومقاومته، لمواجهة العدوان الصهيوني والغربي.يتضح منذ عشرات السنين أن المدافعين عن أرض فلسطين الكاملة وحق الشعب الفلسطيني بكل وطنه والمتجذرة في عدائها للكيان الصهيوني، هي الجهات التي تعمّقت في فهم هذا الصراع، وربطته بالنظام العالمي المسيطر سياسيا واقتصاديا على شعوب العالم، ولم تنجر مثلا الى مصطلح اخترعه الغرب "فلسطين – إسرائيل" بدلا من فلسطين من البحر الى النهر، أو فلسطين التاريخية.

من خلال هذا النوع من الإعلام المعمّق نوعا ما، يحاول الإعلام الصهيوني والإعلام الذي يدعي الحيادية، أي الإعلام الغربي المتصهين والإعلام العربي التابع له، كيّ وعي الشعوب، باستخدام مصطلحات تعبّر عن الفكر الصهيوني من جهة والفكر الاستعماري الاستبدادي من جهة أخرى، وبالتركيز على مشاهد وقصص هامشية، كحالات التطبيع مثلا، أو النجاح الفردي بفضل الأموال والمساعدات الغربية. والمقابلات مع قيادات العدو، العسكرية والسياسية، على الشاشات أو الصحف العربية، بحجة تعميق الفهم للصراع أو الحيادية، ليس إلا ذريعة من أجل تطبيع وجود الكيان الصهيوني في أذهان الجماهير العربية، إذ يمكن تعميق الفهم بطرق أخرى، كما يقوم به الإعلام المقاوم.

يلعب الإعلام الفلسطيني والعربي المقاوم دورا مهما  في التصدي لعملية كيّ الوعي، من خلال نقل الحقيقة أولا، ثم رواية قصص المقاومين والشهداء والأسرى في سجون ومعتقلات العدو الصهيوني، والتقاط النبض الجماهيري المقاوم في ساحات الصراع، الى جانب المقابلات الموسّعة مع قادة المقاومة، لا سيما المسلحة، التي يمكن من خلالها فهم خلفيات المواقف السياسية التي تتبناها. يتابع الإعلام المقاوم أخبار الأرض المحتلة عام 1948 كما يتابع أخبار مخيمات اللجوء، ويستخدم المصطلحات المناسبة الخالية من أي نفس صهيوني وغربي استعماري، ويستعيد من خلال مقالاته وتحقيقاته أسماء المدن والقرى الحقيقية في فلسطين، بدلا عن الأسماء المهوّدة، محاولا التصدي لعملية التهويد والتضليل.

في حين يركّز بعض الإعلام، وخاصة في شبكات التواصل الاجتماعي، بسبب قمع إدارة هذه الشبكات للمحتوى الفلسطيني بشكل عام، على الجانب الانساني، بمشاهد الدمار والشهداء والجرحى والنزوح، يركّز الإعلام المقاوم أيضا على المقاومة التي تقصف المستعمرات الصهيونية، وعلى الأسلحة المستخدمة وهلع المستوطنين وهروبهم الى الملاجئ، وتبث بيانات الأذرع المقاومة وتصريحات الناطقين باسمها. التركيز على المجازر والأوضاع الانسانية يوسّع الحالة المتضامنة مع الشعب الفلسطيني، في حين أن التركيز على أداء المقاومة يحارب الوعي المشوّه في الأمة ويعيدها الى أصلها وتاريخها، ويحث على مواجهة العدو، ويرفع معنويات شعوب الأمة عندما تكسر المقاومة عنجهية العدو وتذله.

تضيف المقالات التحليلية في الإعلام المقاوم فهما أوسع وأعمق لإرادة وأهداف المقاومة الفلسطينية، التي تنطلق من تاريخ متجذر لرسم استراتيجية التحرير، لمواجهة التضليل الذي يمارسه الإعلام الصهيوني والغربي الاستعماري، والعربي التابع له، وللمثقفين المهزومين والمروجين للهزيمة لدى الشعوب العربية، خاصة في هذه الإيام، حيث تركز المقاومة على هدف حماية القدس من الاستيطان والتهويد والتدنيس، في حين يتجاهل الإعلام الغربي هذه الأهداف، ويصوّر العدوان الصهيوني كأنه ردا على "حماس التي أرادت استعادة الشارع الفلسطيني" لأسباب داخلية.

لا يذكر الإعلام العربي التابع للغرب والصهاينة والكتّاب المهزومون والمروّجون للهزيمة أن المقدسيين هم الذين طالبوا بتدخل المقاومة لحمايتهم، لأن ذلك يفضح سياسة العدو من جهة ومن جهة أخرى، يؤكد على دور المقاومة المسلحة في حماية الشعب الفلسطيني والدفاع عنه، وعلى وحدة الشعب الفلسطيني وتكامل أشكال مقاومته. ولا يذكر الإعلام العربي التابع للغرب ومصالحه أن انتفاضة فلسطينيي الداخل المحتل عام 1948 تعيد الاعتبار الى وحدة الشعب الفلسطيني ووحدة المصير، وتدعم المقاومة في قطاع غزة وتعتبر نفسها رديفة لها في الاراضي المحتلة عام 1948. وبسبب بعدها عن نبض الشعب المنتفض، ما زالت بعض المواقع الفلسطينية والعربية، المتنكرة للمقاومة المسلحة، تروّج للمواطنة في ظل الكيان "الإسرائيلي"، وكأنها حالة مستقرة وقدرا لا يمكن التغلب عليها.

وفي الختام، يتباهى بعض الكتاب بأنهم يرسمون صورة موضوعية لوضع الشعب الفلسطيني، بعيدا عن الانتماء الايديولوجي، الذي يعتبرونه عيبا، كما تعلموا في المدراس الفكرية الغربية. فكانت هذه المقالات، المليئة بالمصطلحات الرائجة في الإعلام الغربي، محاولة للترويج للروح الانهزامية وكسر صورة المقاومة وأدائها. كتب الدكتور الشهيد فتحي الشقاقي، قبل عقود من الزمن، أن المثقفين آخر من ينكسر، لايمانه بأن المقاوم المثقف والواعي هو من يغيّر المعادلات في الأمة. يبدو أن كلام الشهيد الشقاقي يقصد المثقفين الذين يعيشون بين شعبهم، وليس في برج عاجي ينظر الى الشعوب بطريقة متعالية.

 

اخبار ذات صلة