في الذكرى ال 73 للنكبة ... فلسطين للحرية أقرب

15 أيار 2021 - 07:17 - السبت 15 أيار 2021, 19:17:03

بقلم: محمد العبدالله*

- "لامجد اليوم إلاّ للطلقة ... لامجد اليوم إلاّ مجد الشهداء"

الشهيد فتحي الشقاقي

- "إذا فرضت على الإنسان ظروف غير إنسانية ولم يتمرد سيفقد أنسانيته شيئاً فشيئاً "

تشي جيفارا

مدخل

ثلاثة وسبعون عاماً، والشعب العربي الفلسطيني، مازال يواجه بإصرارلايهتز، وبعزيمة فولاذية لاتلين، نتائج النكبة التي ارتبطت بقيام الكيان الصهيوني الاستعماري بعد مذابح متعددة ومتدحرجة – أكثر من 70 مجزرة تم توثيقها- أدت لاستشهاد مايزيد على 15 ألف فلسطيني، والسيطرة على مساحة تجاوزت ال 85 % من مساحة فلسطين التاريخية، واقتلاع وطرد وتهجير غالبية العرب الفلسطينيين، في ظل أنظمة عربية عميلة للامبريالية البريطانية راعية المشروع الاستعماري التوسعي.

شرارات اللهيب

فَجَّرت هبة الشعب الراهنة، والدماء التي نزفت عند باب العامود، ومن أصحاب البيوت/ الأرض في حي الشيخ جراح، والمرابطين/ات في ساحات المسجد الأقصى، صاعق التفجيرللوضع بكامله على امتداد فلسطين التاريخية. لهذا فإن المستجدات/المعادلات الجديدة التي ستفرضها الصواريخ على مدى " 250 كم" وبالقدرة التدميرية لها، وبعدد الصليات/ الرشقات التي تبلغ في دقائق محدودة ، المئات، ستتجاوز ماتفرضه بالمنطق العسكري لتصل به إلى مستويات فاجأت العدو كما الأصدقاء – وليس الحلفاء – بما أدخلته على طبيعة الردع وتوازناته. فقد أسقطت الضربات الصاروخية للعاصمة الاقتصادية للكيان " تل أبيب"، ولمدن الساحل والمركز، كما لخزانات النفط والقواعد الجوية والمطارات المدنية، وظيفة وفاعلية القبة الحديدية التي كتب عن فشلها، المحلل الاقتصادي والسياسي "جدعون ليفي" في صحيفة "هآرتس" قبل أيام (دقة القبة الحديدية هي من 20 إلى 30 بالمئة فقط، وكل صاروخ قيمته 50 ألف دولار ينطلق لضرب صاروخ قيمته 300 دولار ويخطيء في معظم الأحيان).

انكشاف وتعرية الكيان

إذا كان لصواريخ وقذائف المقاومة المنطلقة من غزة القدرة على هتك غشاء " الاستقرار والأمان" داخل مدن ومستعمرات الساحل والمركز، فإن ماكشفته الأنباء المتسارعة والصور عن الوقائع الجديدة داخل عدد من المدن الكبرى المختلطة " اللد ، حيفا ، عكا ، يافا والرملة " بالإضافة لعدد آخر من مدن وبلدات الداخل العربية " كُفر كنّا، مثالاً" يشير إلى تفاعلات حادة ضربت في العمق مابنى عليه المُستَعمر نظامه الشمولي الذي أخضع من خلاله أصحاب الأرض لقوانينه الفاشية ، بدءاً من الحكم العسكري وصولاً لقانون القومية ومابينهما، من خلال محاولات الأسرلة وتفكيك البنية الاجتماعية والثقافية، وقطع ارتباطهم بشعبهم العربي الفلسطيني في الضفة والقدس وغزة وبلدان اللجوء.

ما يشهده اليوم الوطن المحتل عام 1948 يُشكل انعطافة استراتيجية كبرى، تخطت من حيث شموليتها ومضمونها وأدوات تعبيرها، هبة أكتوبر عام 2000. وإذا كانت تلك الهبة الوطنية قد أعادت بدماء شهدائها تجديد الإعلان عن وحدة الشعب العربي الفلسطيني في كل مناطق انتشاره بوجه الاحتلال والمجازر التي يرتكبها ، فإن مايحصل الآن على الأرض يكشف عن خلل بنيوي فادح يحمل في كل لحظةٍ عوامل تفجيره التي أوجدتها سياسات المستعمر:

تعاني البلدات المختلطة من هجمة عنصرية محمية بالقانون ومدعومة برجال الشرطة، من أجل السطو على ممتلكات الفلسطينيين؛ البيوت والمحلات التجارية، وبالتالي، تهجير أصحابها من المكان.

استُهدف المجتمع العربي في كل المدن والبلدات بخطة منهجية وضعتها حكومة العدو وتم إقرارها والعمل بها على إثر النتائج / الظواهر التي برزت بمفاعيل هبة أكتوبر عام 2000 . فقد بدأ تنفيذ الخطة باستهداف جيل الشباب العربي من خلال تحطيمه من الداخل، بنشر المخدرات وتسويقها، وإغراق المناطق العربية بالسلاح المُسرب من الجيش،الذي يباع بشكل منظم في السوق السوداء لعائلات وأفراد عصابات الجريمة المنظمة بهدف حل أي خلاف اجتماعي داخلي بالسلاح ونزف الدماء، وما انتشارعمليات القتل والقتل المضاد التي تتم داخل البلدات العربية إلاّ دليل على ذلك .

ترافق كل ذلك مع استمرار العمل بالتضييق على قطاع الخدمات الأساسية؛ التعليم، فتح المدارس، المستوصفات ،الرعاية الطبية، السكن، وتفشي البطالة.

لقد أدت سياسات الإهمال والتهميش والتخريب الاجتماعي والقيَمي داخل البلدات والتجمعات العربية التي نفذتها حكومة العدو، لتنامي حالة من الغضب والتمرد الكامنين في جيل وُلد مع مقدمات هبة أكتوبر وانتفاضات الضفة وغزة. وكما لاحظ عدد من المراقبين والمهتمين، فإن رمزية القدس والمسجد الأقصى اللذين تعرضا لحملة من ميليشيات المستعمرين المدعومة بحماية أمنية وعسكرية،أدت لصدامات ومواجهات عنيفة أثبت فيها حماة القدس والأقصى بطولات مشرفة، أدى كل ذلك لانفجار بركان الغضب الكامن في وجه أدوات القمع البوليسية وضد المستعمرين/ المستوطنين الذي يسرقون في كل يوم ممتلكات العرب. لقد انتقلت كتلة وازنة من هذا الجيل المتمرد إلى وعي سبب اضطهادها وتهميشها – مؤسسات الاحتلال - التي عملت على تفكيك مفاهيمها الوطنية والأخلاقية ، في محاولة لاستبدالها بما يخدم السياسة العنصرية التي تسعى ليس لكي الوعي الوطني/ القومي فقط ، بل وعلى سحق انسانيته وتهميشه. لقد تحول جزء من السلاح المتفلت إلى أدوات نضال ثورية بيد بعض الشباب الذي أجاد توجيهة في أكثر من مكان؛ مدينة اللد، وبعض بلدات النقب، وكُفر كنّا " قانا الجليل"، ليستهدف ميليشيات المستعمرين وسيارات الشرطة.

فتحت المواجهات العنيفة بين الشباب الغاضب/المتمرد وأجهزة القمع الصهيونية وميليشيات المستعمرين، الباب على مصراعية للدخول في مرحلة جديدة تختلف تماماً عما سبقها طوال العقود السبعة من عمر النكبة. لهذا، لم تُسقط الهبة الراهنة في المحتل من الوطن عام 1948 سطوة مؤسسات الحكم الرسمية، بل، زلزلت بنية القوى السياسية التقليدية في المجتمع العربي، التي أظهرت انتخابات الكنيست الأخيرة إفلاس سياساتهاوتنظيراتها ،وهو ماعَبَّرت عنه النسبة المرتفعة للمقاطعة، وأسقطت بالتالي، رموز "تابو" القيادات التي أتقنت التضليل لجماهيرها، والدونية في تعاملها مع المؤسسة السياسية الصهيونية.

الضفة تنفجر وتشتعل

رغم كل المحاولات التي حاولت من خلالها أجهزة "الولاء" الأمني المُدنس، قمع تظاهرات الغضب تجاه مايحصل في القدس والمسجد الأقصى، وعلى مايتعرض له قطاع غزة من عدوان وحشي يستهدف البشر والحجر، فإن الأوضاع على الأرض تشي باتساع نقاط الاشتباك مع العدو " تجاوزت المائة " مع ارتقاء أحد عشر شهيداً، وأكثر من مائتي جريح، مما يعني بأن القبضة الأمنية لسلطة الحكم الإداري الذاتي المحدود قد بدأت بالتفكك والانهيار التدريجي، مترافقة مع حالة غضب واحتجاج تنتشر بين بعض العناصر الأمنية من بقاء السلطة في موقع المتفرج، مع حرصها – قيادة السلطة -على التمسك باتفاقيات الاستسلام الكارثية المُبرمة مع حكومة العدو . ومن الواضح أن قيادة السلطة بكل تسمياتها، غائبة وخارج المشهد، بل إن قيادات حزب السلطة وتوابعه من "منظمات الظل" قد أصبحت خارج الأضواء، لأن عنفوان المعارك والمواجهات ودماء الشهداء، لاتترك مساحة ولو محددوة لظهور هؤلاء.

دروس وعِبَر

في المحطات الكفاحية الكبرى، ومانعيشه الآن، هي واحدة من تلك المحطات/ اللحظات في مسار نضال شعبنا، فإن أحد أهم الاستخلاصات التي أكدتها:

أن المقاومة المسلحة في مواجهة الكيان الاستعماري الصهيوني ،الاقتلاعي والتوسعي، هي القادرة على إعادة كتابة تاريخ الصراع، والتي تُوفر لكل أشكال النضال الأخرى إمكانية التقدم لتحقيق أهدافها.

الشعب الفلسطيني واحد ومُوَحد في كل مناطق تواجده حول المقاومة المسلحة، برنامجاً وأسلوباً.

رغم هول المجازر التي يرتكبها جيش الغزاة بحق المواطنين المدنيين في قطاع غزة ( أكثر من 130 شهيداً ومايقارب ألف جريح حتى الآن ) فإن الرد الصاروخي على الجرائم المتدحرجة مازال مستمراً. وإذا كان جيش القتل والإبادة يعتقد أن المزيد من المذابح والتدمير سيؤلب الجماهير الفلسطينية على المقاومة، فإن حكومة العدو وجنرالات جيشه تكرر جهلها بالتاريخ والوقائع، لأن رجال المقاومة هم أبناء هذا الشعب المستهدف بالمذبحة، وليسوا "مرتزقة " تم جلبهم من بقاع الأرض.

الأهم فيما ستؤول إليها هبة مايو/ أيار 2021 هو الإجابة على أسئلة الراهن : كيف يستطيع جيل الغضب والتمرد والثورة بالداخل الاستفادة من كل مايحصل على امتداد فلسطين التاريخية من أجل صياغة خطة عمل المرحلة المقبلة، وأن يُشكل تراكم النضالات الوطنية بالأساس، رافعة كفاحية تعيد للتجمع العربي وحدته، وتعزز تماسكه وتكافله الاجتماعي على طريق بناء حركة سياسية تكسرأساليب وأشكال العمل التي عفا عليها الزمن ؛ زمن جيل الهبات والانتفاضات.

أعادت نضالات الشعب الفلسطيني وصموده في الأسابيع الأخيرة، وماحققته الضربات الصاروخية بكيان العدو، للقضية الفلسطينية، مكانتها في قلب ومشاعر جماهير الأمة التي نزلت للشوارع والميادين من الخليج للمحيط وفي القلب منه شعب اليمن الشقيق المناضل، تهتف لحرية فلسطين وتأييداً لشعبها المقاوم، بل إن اندفاع الجماهير العربية في الأردن ولبنان نحو الأراضي الفلسطينية المحتلة، يعلن من جديد، أن جوقة المطبعين العملاء ليسوا سوى قلة منبوذة من أبناء الأمة.

خاتمة

إن ارتدادات ماسينتج عن التحرك العنيف لجماهير الداخل لايقل أهمية عن إنجازات صواريخ المقاومة في استهداف مستعمرات ومؤسسات الكيان، من حيث آثاره الاستراتيجية على فكرة " دولة لكل مواطنيها" التي روج لها بعض "المفكرين"، فقد أثبتت " الهبة أو الانتفاضة أو الثورة" – سموها ماشئتم – أن مايجري الآن على أرض فلسطين من رأس الناقورة حتى أم الرشراس، ومن بحرها إلى نهرها، هو التأسيس الجدي للعملية الكفاحية الكبرى المُنطلقة الآن: حرية فلسطين

يكتب جدعون ليفي في المقال المشار إليه أعلاه " ... شخصياً، أعتقد أن النهاية قريبة جداً لنا كدولة ... وجهتنا يجب أن تكون لأوروبا وعليهم أن يستقبلونا كلاجئين ". نقطة من أول السطر.

كاتب فلسطيني

انشر عبر
المزيد