باب العمود في القدس: الصراع على الحيّز والهوية

28 نيسان 2021 - 03:53 - الأربعاء 28 نيسان 2021, 15:53:10

ساحة باب العامود
ساحة باب العامود

بقلم: راغدة عسيران

يشكّل باب العمود في القدس، وهو أحد الأبواب التاريخية للبلدة القديمة، وأهمها، نقطة صراع بين المحتل الصهيوني والمقدسيين، كما أكّد باحثون وصحافيون مقدسيون، لا سيما بعد العام 2011، حيث شهدت ساحة باب العمود مواجهات عنيفة بين أهل البلد والغزاة. منها انطلقت المظاهرات المندّدة بالعدوان الصهيوني، وفيها تجمّع المقدسيون للتعبير عن هويتهم وآمالهم بالتحرير. وكانت الميليشيات اليهودية قد حاولت مرارا السيطرة عليها.

حاول العدو وما زال يحاول تغيير معالم البلدة القديمة وجوارها، بحجة التطوير والتمدين، كما فعل في كل أحياء القدس، لإزالة طابعها العربي والإسلامي، كما يسعى الى السيطرة الأمنية على الأماكن العامة والخاصة، من خلال تركيب كاميرات دقيقة بحجة مكافحة "الإرهاب" لا سيما بعد انتفاضة القدس (2015)، وشقّ الطرق بين الأحياء والتجمعات الفلسطينية لتفتيتها. فكثّف أيضا تواجد شرطته في البلدة، وخاصة في ساحة باب العمود حيث أقام مركز مراقبة، يستنفر قواته المسلّحة كلما دعت الحاجة، أي عندما يتجمّع المقدسيون لإحياء مناسبات وطنية ودينية، أو عندما يجلسون على مدرجاته للراحة والسمر. 

اتخذ المقدسيون من ساحة باب العامود مكانا للحياة. فمنها، يدخل المقدسي أو الفلسطيني بشكل عام الى الأسواق والى المسجد الأقصى والى كنيسة القيامة. وعلى مدرجاتها، يلتقي الأصدقاء القادمون من البلدات أو الأحياء المجاورة، أو من المدن الفلسطينية الأخرى. وكانت الساحة، قبل سيطرة الصهاينة عليها، تستقطب الباعة المتجوّلين الذين ينعشونها بنداءاتهم وألوانهم.  

إلا أن ذلك لا تتقبّله عقلية عنصرية احلالية كالعقلية الصهيونية، التي ركّزت كل جهودها للتخلّص من الوجود الفلسطيني في القدس، أو على الأقل، محو الهوية الفلسطينية العربية والإسلامية عن المكان، وجعل المقدسيين أشخاصا بلا هوية يعيشون في القدس من أجل العمل فقط، كالعمال الأجانب في المدن الكبرى في العالم. يريد الصهاينة الفصل بين الانسان المجرّد من هويته وبين المكان الذي يعيش فيه، والذي جرّده من تاريخه ومعالمه الحضارية، وهذا ما أكّدته الشرطة الصهيونية في باب العمود مؤخرا، عندما استنفرت وهجمت على الشباب المتجمعين في الساحة لأنهم رفعوا العلم الفلسطيني.

فكانت الشرطة قد تراجعت أمام إصرار المقدسيين على البقاء في الساحة وأزالت الحواجز الحديدية، أو بالأحرى، لم تتدخل عندما أزال الشباب والأطفال هذه الحواجز، سعيا لتهدئة الأوضاع، بعدما شعرت أن المواجهة لن تكون لصالحها. ولكن ما ان رفع هؤلاء الشباب العلم الفلسطيني لللاحتفال بالنصر، حتى شنّت هجوما وحشيا عليهم. قد تقبل على مضض وجود الشباب والعائلات المقدسية في المكان خلال شهر رمضان، وقد تقبل مرغمة بعدم سيطرتها الكاملة على الحيّز وعدم تهويده، لكن لن يقبل العدو وأجهزته المختلفة (ومنها ميليشياته المسلحة) بأن يكون هذا الحيزّ فلسطينيا، لأنه يريده بلا هوية، أو يهوديا.

ويحذّر الباحث المقدسي خالد عودة الله من ترك الشباب المقدسي المنتفض وحيدا أمام الاحتلال وشرطته، التي حاولت، وبعد أن أدركت أن المواجهة ليست لصالحها، التفاوض معه لتهدئة الأمور، لا سيما بعد تدخل صواريخ المقاومة في المعركة. أراد الاحتلال الفصل بين قطاع غزة والقدس، وتوجيه الأنظار نحو القطاع من خلال تهديده للمقاومة ومنع الصيادين من الإبحار. كما أراد قطع الطريق على اندلاع انتفاضة واسعة في الضفة الغربية، تواصلا مع القدس، وعدم الربط بين ما يعيشه أهل الضفة الغربية، من سرقة الأراضي وتحريك الميليشيات المسلحة ضد أهلها وتضييق الحيّز الفلسطيني، وأهل القدس. يريد الاستفراد بالمدينة المقدسة ومواصلة عملية التهويد ومحو الهوية الفلسطينية، دون أي تدخّل. ومن أجل ذلك، وافق على تهدئة الأمور في ساحة باب العمود، بانتظار وقت مناسب أكثر.

اضافة الى أن ثمة اختلاف بين الهبّات السابقة في القدس (باب الرحمة، البوابات الالكترونية) التي كانت تمسّ مباشرة المسجد الأقصى المبارك، والهبة – الانتفاضة الحالية التي اندلعت في ساحة باب العمود، التي جاءت بعد سنتين من الركود والتهويد المتسارع في المدينة، ذلك لأن ساحة باب العمود هي المدخل الرئيس الى البلدة القديمة، وسقوطها بيد الاحتلال، سياسيا وأمنيا، يعني تطويق ليس المقدسات فحسب، بل البلدة القديمة وحاراتها وأسواقها وأهلها أيضا. فلذلك، يقول المراقبون، يجب أن تظل ساحة باب العمود فلسطينية بروّادها وعاداتها، والحيّز لانطلاق المهرجانات والمناسبات الوطنية والدينية. هنا تأتي أهمية إزالة وكسر كاميرات المراقبة "الإسرائيلية" المنصوبة في الساحة، رفضا للسيطرة الأمنية.

من أجل ذلك، يجب أن تتوسع المواجهات مع الاحتلال الى البلدات المقدسية المجاورة والى الضفة الغربية، المحتلة، التي تعاني من السياسة الإجرامية ذاتها، رغم الاختلاف، بنظر الصهاينة، بين مدينة القدس التي "وحّدوها" وبين الضفة الغربية التي تديرها شكليا السلطة الفلسطينية. كما يجب عدم ربط الهبة – الانتفاضة الحالية بمسألة الانتخابات، بل التركيز على مواجهة التهويد والاقتلاع، حيث أن الهوية التي يريد الاحتلال محوها في القدس لا تختصر على عملية انتخابية آنية "تحت الاحتلال" وعلى موافقته، بل تشمل كافة مناحي الحياة، الاقتصادية والتعليمية والدينية والديمغرافية، وانتماء القدس الى فلسطين والأمة.

يؤكّد المراقبون على أهمية توسيع دائرة التفاعل مع البهة – الانتفاضة، ومع القدس بشكل عام، في كل فلسطين (وقد تجاوبت بعض المدن والبلدات الفلسطينية في الداخل المحتل عام 1948 معها وربطتها بمساعي العدو لتهويد المدن الساحلية)، وخارج فلسطين، في مخيمات اللجوء خاصة (وقد سارع اللاجئون لدعم أخوانهم المقدسيين منذ اليوم الأول، في لبنان وسوريا والأردن)، وفي الدول العربية والإسلامية، ذلك بسبب أهمية مدينة القدس في توحيد الأمة وشعوبها للتخلص من الهيمنة الخارجية.

ولكن ينبّهون الى ضرورة توسيع التفاعل، ليس أفقيا فقط، بل عموديا أيضا، أي بالدعم المستمر للنهوض بالحياة الاقتصادية في مدينة القدس، وتمكين المقدسيين من الثبات في وطنهم ومدينتهم. يحاول العدو تجفيف مصادر التمويل "النظيفة" الداعمة للاقتصاد المقدسي، المستقل عن الكيان وأجهزته، لارغام المقدسيين على الموافقة على تمويل "مشبوه" كونه مرتبط بالأنظمة المطبّعة والمتحالفة مع العدو، أو بالمؤسسات الأجنبية التي تعمل لصالح العدو ومشاريعه.

الى جانب الدعم الاقتصادي "النظيف" لتمكين المقدسيين من الثبات، يلعب الإعلام دورا مهما لمنع العدو من الاستفراد بالقدس وأهلها، وذلك بالتركيز على الهوية الجامعة للشعب الفلسطيني، وعلى عروبة القدس وعلى حضارتها الاسلامية التي احتضنت المعالم المسيحية الأصيلة الى جانب المعالم الإسلامية.

لقد انتصر الشباب المقدسي على المؤسسة الصهيونية في ساحة باب العمود، لكن المشاريع التهويدية مستمرة، ولم ينته الصراع، كما أكد عدد من المحللين، الذين حذّروا من الهجوم المرتقب للميليشيات اليهودية في يوم 28 رمضان. مما لا شك فيه أن تراكم الانتصارات، مهما كانت بسيطة، قد يمنح القوة المعنوية لمواصلة المعركة، وقد يرفع سقف التطلعات والتحركات في مدينة القدس، لكن ذلك يتم في ظل حاضنة فلسطينية وعربية وإسلامية، وبعد إشراك الشباب المقدسي الفاعل والواعي في رسم استراتيجية فعاّلة لإسقاط خطط التهويد المتتالية، بانتظار التحرير.

انشر عبر
المزيد