ملحمة مخيم جنين البطولية والصراع على الذاكرة

11 نيسان 2021 - 05:21 - الأحد 11 نيسان 2021, 17:21:00

بقلم: راغدة عسيران

خاض أهل مخيم جنين ومقاوموه، من 2 الى 11 نيسان/ابريل 2002، معركة الدفاع عن المخيّم، عندما اجتاح جيش العدو الصهيوني الضفة الغربية المحتلة في عملية "السور الواقي" للقضاء على انتفاضة الأقصى. كان مخيم جنين معقل المقاومين، حيث تجّمع فيه مقاومون من كافة مناطق الضفة الغربية. فاعتبره العدو "عشّ الدبابير" الذي يجب القضاء عليه، بعد تصاعد العمليات الاستشهادية التي كانت تنطلق من المخيم، والتي هزّت الكيان ومجتمعه، حيث أصبحت مستوطناته وتجمعاته، من الشمال الى الجنوب، مناطق غير آمنة.

من 2 الى 11 نيسان/ابريل 2002، شنّ جيش العدو حربا مدمرّة على مخيم صغير (كلم مربّع واحد) في الضفة الغربية، يسكنه ما يقارب 15 آلاف لاجئ، معظمهم من منطقة حيفا المحتلة عام 1948. خلال المعركة، واجه حوالي مئة مجاهد في المخيم، بعضهم جاء من المحيط ومن مدن أخرى (الشهيد الشيخ رياض بدير من حركة الجهاد الإسلامي) آلة القتل والدمار المؤلفة من حوالي 12 ألف صهيوني من جيش الإحتياط، وأكثر من 400 دبابة وناقلة جنود ومجنزرة، ومروحيات وطائرات الكوبرا والأباشي، وأنواع المدفعية والصواريخ جو – أرض، إضافة الى "جرافات مجنونة بلا قيم وبلا أخلاق تهدم البيوت وتجرفها بمن فيها.. فمها الكريه يلتهم كل ما في طريقها" كما وصفها المجاهد الأسير ثابت مرداوي، أحد أبطال المخيّم في كتابه "نموت في الوطن ولن نغادر".

في المقابل، امتلك المجاهدون أسلحة خفيفة مثل الكلاشينكوف وأم 16، والكارلو، وقاذفات أر بي جي، وقنابل الهاون، والآلاف من العبوات الناسفة والألغام البلاستيكية والأكواع المحشوة بالمواد المتفجرة، والأهم من كل ذلك، التصميم على المقاومة والصمود.

تشير شهادات المجاهدين أن المخيم كان قد تحوّل الى ورشة عمل تنبض بالحيوية، قبل المعركة، إذ كان المقاومون يعلمون أن جيش العدو ينوي الهجوم على المخيم، وكان قد حاول 4 مرات خلال الشهور السابقة للمعركة.

قام أهلها ومجاهدوها بتجميع السلاح والذخيرة وأعداد العبوات الناسفة، وقد صنعت عبوات بأحجام وأشكال مختلفة، كبيرة مخصصة للآليات والمدرعات وأخرى ضد الأفراد، وتم تحضير أكثر من ألف عبوة صغيرة. نقل الأسير ثابت مرداوي أن الشهيد القائد محمود طوالبة كان قد جهّز، في غضون عشرة أيام فقط (بعد الإنتهاء من الإجتياح الأخير) طنّين من المواد المتفجرة لصنع العبوات. تم فتح ثغرات في جدران البيوت للتنقل، حيث أدرك المجاهدون أن القصف "الإسرائيلي" والقناصة لن يسمحوا لهم الانتقال من حارة الى حارة أو حتى من جهة الى أخرى من الشوارع والأزقة. وتم تجهيز مستشفى ميداني متواضع، وشراء مولّد كهرباء صغير للتعويض عن قطع الكهرباء.

زرعت العبوات الناسفة الكبيرة في الشوارع الواسعة نسبيا، حيث من الممكن أن تمر دبابات العدو، كما وضعت العبوات في بعض البيوت لاستدراج جنوده اليها.

منذ بداية العملية حتى آخرها، "لم تتوقف الطائرات عن القصف وعلى مدار الساعة، حيث أنه لا يوجد بيت أو زقاق أو حتى متر مربع واحد إلا وأخذ نصيبه من صورايخ الطائرات وقذائف الدبابات" ("نموت في الوطن"). فصل القصف العنيف الحارات والمجموعات المتمركزة فيها بعضها عن بعض، حيث كانت كل مجموعة تدير معركتها وكأنها وحيدة في الساحة، لا تدري أحيانا أنه على بعض أمتار منها تتمركز مجموعة أخرى.

اغتال القناصة الصهاينة الذين تمركزوا في أعلى المخيم عددا من المقاتلين، وساهموا كذلك في عزل مجموعات المقاومين عن الآخرين. استشهد طه الزبيدي ابن "سرايا القدس" برصاص القناصة، وغيرهم كثر عندما كانوا يحاولون قطع زقاق يفصل بين بيت وآخر. وبهذه الطريقة استشهدت مريم وشاحي، والدة الشهيد الشبل منير وشاحي، التي كانت تزوّد المقاتلين بما يحتاجونه من طعام.

فشل العدو في الأيام الأولى من التقدم الى داخل المخيم، أمام صمود المقاومين في الحارات والمحاور. لقد تم تدمير ثلاث دبابات في اليوم الأول، ولكنه تمكّن في اليوم الرابع من التقدّم بعد شق طرقات عريضة لتحرك الدبابات عبر القيام بعملية نسف وتدمير منظم للبيوت الواقفة أمامه. ورغم ذلك، وقعت القوات الغازية بكمائن محكمة، نصب إحداها المجاهد محمود طوالبة في يوم 5/4 في حي الطوالبة حيث أصيب 12 جنديا "إسرائيليا".

يروي المجاهد ثابت مرداوي كيف نصبوا كمينا لجنود الإحتلال الذين تيقنوا "أنهم في مأزق حقيقي... فهم لا يستطيعون اختراق خط النار الذي تشكله بنادقنا كما أنهم لا يستطيعون العودة الى الخلف، كانت المسافة بيننا وبينهم هي أثنا عشر مترا، مختبئين وراء جدار بارتفاع مترين. تدخّلت المروحيات كوبرا وأخذت باطلاق الصواريخ.. قصف مكثف، بالتزامن مع هذا القصف، تقدمت مجموعات لإخراج الجرحى وتأمين انسحاب لبقية الجنود...". وبعدها، عادت قوات العدو بالجرافات المصفحة وبدأت بهدم البيوت بشكل ممنهج. تكرّر هذا المشهد في أكثر من محور، مع مجاهدين آخرين استبسلوا لمنع تقدّم الجنود الصهاينة.

عندما تمترس المجاهدون في البيوت المتبقية بانتظار الإشتباك مع جنود الإحتلال، غير قادرين على الخروج منها بسبب تواجد الدبابات، تسللت في يوم 9/4 (اليوم الثامن) مجموعة من الجنود الصهاينة بين بعض المنازل (خمس جنود لحقهم سبعة آخرين) تفاجأت برصاص كثيف يطلق عليها من البيوت وبالأكواع التي رماها عليهم الأشبال. فكانت الصدمة والصراخ والبكاء والهرب، وسقوط القتلى والجرحى (13 قتيلا صهيونيا).  أكّد جمال حويل والحاج علي الصفوري استشهاد المقاومين نضال النوباني، محمد وأمجد الفايد في هذا "الكمين المبارك".

قاد المواجهة كلا من الشهيدين يوسف ريحان ( أبو جندل) من "الأمن الفلسطيني" ومحمود الطوالبة، من "سرايا القدس"، وشاركت فيها كافة قوى المقاومة، ما انعكس على إلتفاف الشعب حولها ومشاركته الفعالة بها، قبل وخلال المعركة. فكانت مقاومة شعبية بامتياز. ولم يخرج الأهالي من المخيم إلا بعد بداية تجريف المنازل، وبعد طلب المقاومين لهم، حفاظا على حياتهم.

إضافة الى الوحدة الميدانية بين المقاومين والتفاف أهل المخيم حولهم ، تميّزت هذه المعركة الدفاعية بالمعنويات العالية التي تحلى بها المقاومون وأهل المخيم، وإيمانهم بالنصر على العدو وترسانته العسكرية، إذ كان قرار الصمود يعني أولا عدم الاستسلام للقوى المعادية المجرمة، ثم إثبات حق الشعب الفلسطيني في المقاومة ورفض تزييف الوعي الشعبي القائم على ضرورة مقاتلة العدو.

حاول العدو، بترسانته الضخمة التي شنّها على المخيّم والمجزرة التي اقترفها وتجريف المنازل على أصحابها، كيّ هذا الوعي الشعبي، ولكنّه فشل، لا سيما بعد قتل أكثر من 26 جنديا من أفراد جيشه وبعد أن سمع أهل المخيّم عويل جنوده وبكائهم وتوسّلهم لإبقائهم على قيد الحياة.

تظلّ معركة مخيم جنين البطولية، بعد 19 عاما، في الذاكرة كأهم معركة خاضتها ثلة من الشباب الفلسطيني ضد أشرس هجوم صهيوني على الضفة الغربية بعد احتلالها من العام 1967. لم تستسلم المقاومة الفلسطينية، بل تجهزّت للمعركة وخاضتها بكل بسالة وفداء، وأوقعت العشرات من القتلى في صفوف العدو وأذلّت هيبته أمام العالم.

لذلك، تبقى ذكرى معركة جنين البطولية ناصعة وملهمة، تؤكد على ضرورة مقاتلة العدو والتجهيز لخوض المعركة وعدم الانصياع للأصوات الشاذة التي تنصح بالاستسلام لتجنّب الخسائر، لأن العدو يقتل ويدمّر أصلا دون الحاجة الى ذريعة وسبب.



80763725e0474f73159f47df2d65e170

انشر عبر
المزيد