قراءة في كتاب "انتفاضة 1987، تحوّل شعب"

16 آذار 2021 - 12:31 - الثلاثاء 16 آذار 2021, 12:31:55

انتفاضة الحجارة
انتفاضة الحجارة

بقلم: راغدة عسيران

يجمع كتاب "انتفاضة 1987 تحولّ شعب"، الصادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية، عدد من الدراسات والمقالات حول انتفاضة 1987، تتناول هذا الحدث التاريخي من زوايا مختلفة، سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية وتاريخية، ومن خلفيات سياسية متباينة نوعا ما، كما أن المساهمين فيه ينتمون الى أجيال متنوعة، منها الجيل الذي شارك في الحدث، في القيادة السياسية أو في أحداثه الميدانية، والأجيال التي تسعى الى إحيائه وفقا لتصوراتها ولذاكرة جمعية أو فردية تم تناقلها على مر السنين. شكّلت هذه المشاركات المتنوعة في المضمون والانتماء السياسي والفكري، سردية لهذا الحدث التاريخي الذي "حوّل" شعب أو وعيه السياسي، يراد منها أن تكون سردية شاملة، لولا تغييب بعض المشاركين في حينها أو التقليل من اسهاماتهم وتحليلاتهم، التي أثبتت العقود اللاحقة مدى صحتها، وتغييب بعض مكوّناتها وأبعادها.

ركّزت بعض المساهمات على طابع الانتفاضة الشعبي، وعلى اللجان التي تشكلت في الأحياء والمخيمات وعلى قيم التضامن والتكاتف بين الفئات المجتمعية كافة، والإقدام والشجاعة والتفاني لصانعيها، وعلى روح المبادرة الذي يتميّز به كل شعب يخوض ثورة ضد الظلم. وحاولت أخرى تفسير أو البحث عن أسبابها والأسباب التي أفشلت تطلعاتها، ودراسة تأثيراتها على الصراع بشكل عام، وعلى وضع الشعب الفلسطيني المنتفض، من ناحية الوعي الشامل بأسس الصراع ضد العدو، حيث أثبتت أن الوعي يتشكّل في المعركة، وليس قبلها، مهما بذل من جهد. وبيّنت تأثيراتها على الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في الأراضي المحتلة عام 1967.

استخدمت بعض المساهمات أدوات معرفية أكاديمية حديثة لإعادة قراءة بعض تجليات هذه الانتفاضة، واستطلعت أخرى آراء من عناصرها وساهم في بعض أعمالها ونبشت في ذاكرتهم. أفادت بعض المقالات والدراسات والمقابلات بمعلومات حول العلاقات بين الداخل والخارج، أي قيادة منظمة التحرير الفلسطينية و"القيادة الموحّدة" للانتفاضة، والتناقض والتوتّر أحيانا والتكامل أحيانا أخرى، والعلاقات بين التيارات السياسية في الداخل، خاصة بعد تشكيل حركة حماس، وتباين الآراء والأداء بين الفئات المنتفضة، وما تأثير بيانات القيادة الموحدة على استمرار المشاركة الشعبية (إضراب التجار مثلا).

بعد 30 عاما على اندلاعها، يتضّح من هذه الدراسات أن الانتفاضة أخفقت في تحقيق تمنيات الشعب الفلسطيني في التحرير والوحدة وتقرير المصير، رغم التضحيات الجسام التي قدمّها الشعب الفلسطيني. هل كانت الظروف الدولية والإقليمية غير مؤاتية لتحرير "ما أمكن" ؟ أم أنه تم إجهاضها من الداخل، بناء على قراءات خاطئة للمشهد الدولي والإقليمي؟ لم تتطرق أي مداخلة الى "إعلان الاستقلال" بعد سنة من اندلاع الانتفاضة، كمؤشرعلى التنازلات اللاحقة التي تدحرجت الى اتفاقيات أوسلو المشؤومة. 

كانت انتفاضة 1987 أو "انتفاضة الحجارة" مليئة بالمبادرات النضالية الشعبية، التي انعكست على الثقافة والفن، وأسست للمقاطعة (مقاطعة منتوجات الاحتلال) التي قضت عليها لاحقا الاتفاقيات بين السلطة الفلسطينية وكيان العدو. ولكنها أسست أيضا، ولم يتطرق أحد من المساهمين في الكتاب الى هذا الجانب رغم أهميته ومركزيته، لنضالات الأسرى داخل السجون الصهيونية، حيث افتتح الصهاينة سجون جديدة وزجّوا فيها الآلاف من المناضلين والمقاومين. فأصبحت هذه السجون مدرسة نضالية يتدرّب فيها الفلسطيني على التمرد والنضال والثورة ويتخرّج منها حاملا شهادات البطولة والتضحية. فكم من هؤلاء الأسرى الشباب أصبحوا لاحقا مقاومين شرسين تجاوزوا الخوف ونفّذوا عمليات جريئة قبل أن يستشهدوا أو يُعتقلوا مجددا؟ من يقرأ سيرة أسرى وشهداء انتفاضة الأقصى (كما وثّقها الأسير محمد أبو طبيخ في "درب الصادقين") يرى بكل وضوح بداياتهم النضالية خلال انتفاضة 1987، ومساهمتهم ووعيهم المبكر بأسس الصراع. هي حكاية التواصل بين الانتفاضات وبين الأجيال، التي لمحّ اليها الباحث أحمد جرادات من خلال سيرة عائلة المرحوم فارس جرادات من سيلة الحارثية.

رغم تخصيص الكتاب لانتفاضة 1987، كانت انتفاضة الأقصى (2000- 2005) حاضرة، أحيانا بين السطور وأحيانا بالعلن ومن خلال المقارنة، لا سيما بالحديث عن الانتفاضة "الشعبية" (1987-2003) مقابل "عسكرة الانتفاضة" (2000-2005)، دون تحديد ما معنى "الشعبية" و"المقاومة الشعبية" في مواجهة "المقاومة المسلّحة"، ذلك لأن الكتاب غيّب أيضا عن انتفاضة 1987 المقاومة المسلّحة والعمليات التي نفّذها المقاومون ضد الاحتلال الصهيوني خلالها، والتي التفت الجماهير حولها كونها تمثل تطلعاتها.

التمييز بين "الشعبية" و"المسلّحة" أحد ابداعات منظري سلطة أوسلو ومثقفيها، الذين رضخوا للإملاءات الأجنبية، الأميركية والأوروبية، مقابل تمويل أجهزتهم الأمنية والإدارية. إن كانت انتفاضة 1987 "إنتفاضة مغدورة" كما وصفها الكثيرون في الكتاب، بسبب انتهائها بتوقيع اتفاقيات الذلّ مع العدو، فانتفاضة الأقصى هي "انتفاضة مظلومة" بسبب وصفها بـ"العسكرة" ونفي الطابع الشعبي عنها من قبل مثقفي السلطة وغيرهم.

هذا التمييز بين "الشعبي" و"المسلّح" امتدّ ليكون مادة دراسة الباحث عماد الصوص عن حركة حماس، الذي ركّز على الطابع الشعبي للحركة، بالقول أن المقاومة الشعبية تعني غير العسكرية وأنه "كان لتداعيات عسكرة الانتفاضة الثانية آثارها التي لم تضعف الجمهور فحسب، بل أصبحت عبئا ثقيلا عليه في معظم الأحيان"، متناسيا الظروف المحيطة بكل من الانتفاضتين خلال مقارنته، ودور المنظمات غير الحكومية بتخدير الفئات الشابة وإبعادها، مقابل التمويل، عن فكرة المقاومة، والتقسيمات "الأوسلوية" للمناطق الفلسطينية، التي عزلت المناطق والتجمعات الفلسطينية بعضها عن بعض، وصعوبة التفكير في اقتصاد بديل مع وجود السلطة أو حتى مقاطعة الاحتلال.

لكنه، ومن أجل إثبات قدرة حركة حماس على قيادة المقاومة "الشعبية"، يذكر على سبيل المثال مسيرات العودة في قطاع غزة، مع ذكر مشاركة الفصائل الأخرى. هل فعلا قادت حركة حماس هذه المسيرات؟ ألم تشكل أي قيادة فصائلية منفردة على حراك شعبي خطرا عليه، خاصة عندما ينطلق بأبعاد استراتيجية (التركيز على حق العودة والتذكير به) ليصبح بعد فترة أداة مساومة، كما حصل مع انتفاضة 1987، عندما سحبت القيادة السياسة المبادرة من الشعب وقواه المقاومة للذهاب الى التفاوض مع المحتل؟

من الطبيعي أن لا يشمل كتاب واحد، رغم تعدّد المشاركات فيه، على كل تفاصيل انتفاضة 1987، ولكن تغييب بعض أبعادها (مثلا مشاركة التيارات الإسلامية التي أكّدت عليها عملية الإبعاد الى مرج الزهور عام 1992) وبعض المشاركين فيها (على سبيل المثال حركة الجهاد الإسلامي) هدفه التأكيد على جوانب محدّدة، أهمها "المقاومة الشعبية" التي اتخذت هذه الأيام تفسيرات متشعبة، لا علاقة للكثير منها بما حصل أيام الانتفاضة، ذلك لأن المقاومة تعني أولا الاشتباك مع المحتل.

ما يمكن استخلاصه من العودة الى انتفاضة 1987، هو أن لكل مرحلة من مراحل الصراع، انتفاضة تختلف عن سابقاتها، وفقا للظروف التي تحيط بها والأجيال الصانعة لها، ولكن ثورة الشعب الفلسطيني، بكل فئاته وفي كل أماكن تواجده، ضد الظلم والتشريد والاحتلال، مستمرة وغير قابلة للإخماد، مهما فعل الظالمون وأعوانهم.

يقع هذا الكتاب، الذي جمع 27 مشاركا (أغلبهم من فلسطين) و20 مقالا ومقابلة، في حوالي 400 صفحة، ويتضمن لائحة مراجع عن الانتفاضة باللغة العربية واللغات الأجنبية، من وثائق أولية ودراسات ومقالات، ومؤلفات أكاديمية.

انشر عبر
المزيد