قائمة الموقع

عندما تتصدر أم الفحم المشهد النضالي بالداخل الفلسطيني المحتل عام 48؟..

2021-03-11T09:22:19+02:00
العلم الفلسطيني في أم الفحم بالداخل المحتل
بقلم: راغدة عسيران

انطلقت منذ أسابيع المظاهرات الشعبية في مدينة أم الفحم، في الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948، رفضا لتفشي الجريمة في الوسط الفلسطيني، ولإدانة تورّط الشرطة الصهيونية فيها. وكانت العديد من المظاهرات الشعبية قد اندلعت في مدن وبلدات أخرى، خلال الفترة الماضية، لا سيما في مجد الكروم وطمرة في الجليل المحتل. وقامت الشرطة، إحدى أذرع المؤسسة الاستعمارية الصهيونية، بقمع المظاهرات السلمية واعتقال العشرات من المتظاهرين .

اتخذت المظاهرات في مدينة أم الفحم طابعا وحدويا ووطنيا، حيث كانت الشعارات ("الشرطة، برا برا، أم الفحم حرة حرة") موجّهة ضد الشرطة والأجهزة الأمنية الأخرى التي تسهّل عمل المافيات الإجرامية في الوسط الفلسطيني، وحيث رفعت الأعلام الفلسطينية، كما رفعت في المدن والبلدات الأخرى، تأكيدا على الهوية النضالية لفلسطينيي الداخل، ورفضا للأسرلة المدعومة من الأنظمة العربية المطبّعة.

تولىّ "الحراك الفحماوي الموحّد"، الذي يضمّ كافة التوجهات السياسية في الداخل إضافة الى جمعيات وأفراد، إدارة المعركة ضد السلطات الاستعمارية، لمنع أي استغلال سياسي (بالمعنى الضيّق للسياسة) للحراك الوطني، عشية انتخابات الكنيست الصهيوني المنوي إجراؤها في 23 آذار الجاري، خاصة وأن معظم الأحزاب العربية تشارك فيها، في لائحتين منفصلتين، بعد فشل مساعي توحيدها في لائحة واحدة كما كان الوضع في الإنتخابات الماضية.

لم يعد أحد من فلسطينيي 48 ينكر تورطّ الشرطة الصهيونية والأجهزة الأمنية الأخرى في تفشي الجريمة في الوسط العربي. لقد توالت التصريحات التي أكّدت أن عدد الجرائم التي طالت الفلسطينيين تصاعد بعد فتح مراكز الشرطة في البلدات العربية، مثل أم الفحم ومجد الكروم، كما أكّدت أن السلاح المستخدم في الجرائم هو سلاح "إسرائيلي" تم تهريبه من مخازن جيش الاحتلال. وبيّنت العائلات المنكوبة أنها طالبت مرارا من الشرطة فتح تحقيق بهذه الجرائم، دون فائدة، إذ يتم إغلاق التحقيق في حال تم البدء فيه. ولكن، الشرطة جاهزة لقمع المتظاهرين بوحشية، تأكيدا على أن المؤسسات الصهيونية لا ترى في فلسطينيي 48 إلا أعداء و"تهديدا استراتيجيا"، كما أشارت اليه تصريحات عدد من مسؤولين أمنيين وسياسيين وأكاديميين صهاينة.

جرائم الشرطة الصهيونية لم تتوقف، وخاصة بعد انتفاضة الأقصى والقدس في العام 2000، إذ تشير الإحصائيات الى أنها قتلت بدم بارد 56 فلسطينيا بين العام 2000 و2019 لأسباب متفرقة، ولها تاريخ حافل في قتل الفلسطينيين وارتكاب المجازر (كمجزرة كفر قاسم)، منذ إقامة الكيان الصهيوني على أرض فلسطين. لذلك، في الوقت الذي يطالب فيه "الحراك الفحماوي الموحّد" إقالة رئيس الشرطة في أم الفحم، يرى آخرون أنه يجب المطالبة بإخراج الشرطة من البلدات العربية كلها كما أكدت عليه الشعارات، لأن وجودها يحمي المجرمين بدلا من ملاحقتهم، كما اثبتت الوقائع حتى الآن.

رغم وحدة الشعب الفلسطيني في الداخل ضد الجريمة والمجرمين، تباينت الآراء حول وجود الشرطة الصهيونية ومهامها. منذ بداية المظاهرات، طالبت بعض الأحزاب بوجود الشرطة لحماية "المواطنين"، متناسية التاريخ الإجرامي لهذه المؤسسة الصهيونية. في المقابل، تذكّر الشخصيات الوطنية بمساعي السلطة الصهيونية لتجنيد فلسطينيي الـ48 في الشرطة لضرب النسيج المجتمعي والانتماء الوطني، وتركّز على دور الشرطة (والمؤسسات الصهيونية بشكل عام) في تأجيج الصراعات داخل وبين البلدات والعائلات الفلسطينية.

يشير أكثر من باحث فلسطيني في الداخل المحتل الى أن الأجهزة الأمنية والسياسية الصهيونية معنيّة بتفشي الجريمة في الوسط العربي، بعد فشل كافة الأساليب لضرب وحدة المجتمع وتفتيته، بعد انتفاضة الأقصى (2000 – 2005) التي أظهرت مدى تعلّق الفلسطيني في الداخل بهويته الوطنية واستحالة أسرلته. لقد رفض رفضا قاطعا ما سمي بـ"تبادل الأراضي" بين الكيان والسلطة الفلسطينية، ليس حبا بكيان العدو، كما يروّج الإعلام الصهيوني، بل رفضا لتفتيت المجتمع الفلسطيني والتخلي عن الأرض، وكانت مدينة أم الفحم مستهدفة بهذا "التبادل"، بسبب موقعها الجغرافي بين النقب والمدن الساحلية من جهة، والجليل من جهة أخرى، وبسبب تاريخها الوطني الرافض للأسرلة.

اعتقدت المؤسسة الصهيونية أن اتفاقيات "أوسلو" ستقضي على الشعور الوطني في الداخل، حيث تخلّت القيادة "الفلسطينية" الموقعة على هذه الاتفاقيات عن اللاجئين وعن فلسطينيي 48، إلا أنها أنتجت عكس التوقعات الصهيونية. وبدلا عن الأسرلة والاندماج في مجتمعات الشتات، أدّت هذه الاتفاقيات الظالمة الى استنهاض وطني تجلّى في الأراضي المحتلة عام 1948 بالمشاركة في انتفاضة الأقصى، والمشاركة الواسعة في مهرجانات "الأقصى في خطر" في مدينة أم الفحم بالذات، وإحياء ذكرى النكبة بالعودة الى القرى المهجّرة، وصعود حملة مقاطعة انتخابات الكنيست الصهيوني، وفي كثير من الفعاليات التي أثبتت أن الشعب الفلسطيني في الداخل غير قابل للأسرلة ولن يتخلى عن المقدسات، رغم القمع والقتل من جهة والوعود بتحسين الأوضاع الحياتية من جهة أخرى.

لقد أدّت صدمة انتفاضة الأقصى على المجتمع الصهيوني ومؤسساته الى صعود التيارات الفاشية في كيان العدو، وإزاحة الخطاب الترويضي الصهيوني الليبرالي الذي كان يعمل، في المقابل، على مضاعفة المستوطنات وسرقة المياه وتهويد الأرض، وأصبحت هذه التيارات أكثر تشددا وتوسعا مع فشل الكيان في حروبه ضد المقاومة، في لبنان ثم في قطاع غزة، حيث بات الكيان يوجّه سلاحه وسياساته القمعية ضد من يعتبره خطرا داخليا، أي الفلسطينيين في الضفة الغربية وفي الداخل المحتل عام 1948، لمجرد الصمود في أرضهم وعدم التخلي عن وطنهم.

لقد تخلّت المؤسسة الصهيونية عن مظهرها الليبرالي الذي تغنى به المجتمع الدولي ومؤسساته، بعد زرع الكيان الاستيطاني على أرض فلسطين، وتبنّت قوانين عنصرية صريحة (قانون القومية مثلا)، في حين كان المؤسس بن غوريون وشركائه في جريمة النكبة في العام 1948 يتجنّب التصريحات العنصرية الصريحة مفضلا الممارسات الإلغائية المباشرة، للحفاظ على الوجه الليبرالي الغربي لعملية الإلغاء والتطهير العرقي الذي يمارسه كيان العدو إزاء الشعب الفلسطيني.

يدلّ صعود التيارات الفاشية في الكيان الصهيوني على أزمة وجود الكيان الصهيوني في المنطقة، وخاصة في فلسطين، حيث لم يتمكّن هذا الكيان، رغم تفوقه التكنولوجي والعسكري المستمد من العواصم الغربية، من السيطرة على شعب أعزل، لا يملك إلا إرادته الصلبة وتمسكه بوطنه وأرضه.

واعتقدت القيادة الصهيونية أن موجة التطبيع العربي الأخيرة، مع الإمارات وغيرها، قد تساعد الكيان على اختراق الجدار العربي والإسلامي، ومحو القضية الفلسطينية وشعب فلسطين، إلا أن مظاهرات أم الفحم وغيرها من المدن في الداخل الفلسطيني، التي تقع تحت احتلاله منذ أكثر من 70 عاما، أثبتت أن الشعب الفلسطيني ما زال يرفض وجوده ولم يستسلم له، رغم الاختلاف على طريقة التصدي له.

أكّد "الحراك الفحماوي الموحّد" أن المظاهرات مستمرة رغم القمع والاعتقالات والهجمة الإعلامية الصهيونية عليها، لا سيما بعد قتل الفتى محمد عبد الرازق عدس (15 عاما)، قبل يومين، في بلدة جلجولية، شمال كفر قاسم في المثلث، على بعد 50 مترا من مركز الشرطة الصهيونية.

هل يحمل تصاعد الغضب الفلسطيني ضد الجريمة والمجرمين ومن يحميهم ويسلّحهم، قبل أسابيع من إحياء يوم الأرض المجيد، في 30 آذار/مارس القادم، مفاجآت للعدو ومن يدعمه؟ هل سيشكّل إحياء  يوم الأرض، وذكرى استشهاد فلسطينيين برصاص الشرطة الصهيونية، قبل 45 عاما، في هذه الظروف، نقطة تحوّل في النضال الفلسطيني في الداخل؟

 

 

 

اخبار ذات صلة