صحافة العدو

وثيقة “بتسيلم”.. وحل الدولتين: هكذا يماط لثام الديمقراطية عن وجه الأبرتهايد "الإسرائيلي"

10 شباط 2021 - 02:18 - الأربعاء 10 شباط 2021, 02:18:55

وكالة القدس للأنباء - متابعة

علينا أن نهنئ “بتسيلم” على نشر الوثيقة الجديدة “نظام تفوق يهودي من البحر إلى النهر: هذا أبرتهايد”. وهذا -في المقام الأول- لاحتمال أن يكون كاتبو التقرير لم يلتفتوا إليه، أو ربما يدركونه ولكنهم يفضلون عدم ذكره لسبب ما.

حتى الآن، طالما استمر الإيمان بسيادة نظام ديمقراطي، خلافاً لنظام الاحتلال العسكري في مناطق 1967، وفي دولة "إسرائيل" التي تقع في حدود الخط الأخضر، فيمكن أن نفرح بالمقال المشهور الذي كتبه المتوفى موشيه آرنس قبل عقد تقريباً في “هآرتس” في 2/6/2010، الذي اقترح إعطاء الجنسية "الإسرائيلية" للفلسطينيين في الضفة الغربية. نعم، أذكر جيداً بأنه مقال أثار ردوداً حماسية في أوساط عدد من أعضاء اليسار المؤيدين لإقامة دولة ديمقراطية واحدة بين البحر والنهر.

ولكن اليوم وقد مزقت “بتسيلم” القناع الديمقراطي عن وجه أبرتهايد النظام العرقي "الإسرائيلي"، فقد وصل الوهم الجميل إلى نهايته، الذي بحسبه، ومع إعطاء جنسية افتراضية لسكان المناطق في "إسرائيل"، سينضم الفلسطينيون إلى دولة ديمقراطية في أساسها.

للذين يتخيلون “الدولة ثنائية القومية” في أرض "إسرائيل" الكاملة، يجب أن يكون واضحاً لهم بأنه حتى إذا تخيلوا السيناريو المتقدم، غير الواقعي تماماً، الذي يحصل –بحسبه- الفلسطينيون الواقعون خلف الخط الأخضر على جنسية "إسرائيلية" كاملة، فإن تفسير ذلك هو إخضاعهم للنظام من جديد، نظام منطقه وطريقة تطبيقه متشابهان، مثلما تحدد وثيقة “بتسيلم”، “مشابهة لطبيعة النظام الذي اتُّبع في جنوب إفريقيا والذي سعى إلى الحفاظ على تفوق البيض في الدولة” (رغم الفرق بين النظامين اللذين تعترف بهما الوثيقة، خلافاً لادعاءات عدد من منتقديه).

بصورة ملموسة، يجب التقدير بأن الممارسة العنصرية الواضحة للحفاظ على التفوق اليهودي، التي ستطبق فوراً في الدولة الواحدة، سيتم التعبير عنها بفرض حكم عسكري جديد على المواطنين الفلسطينيين الجدد، بما يشبه سابقة الحكم العسكري في "إسرائيل" "الديمقراطية" في الأعوام 1948 – 1966، والذي خضع له في حينه معظم العرب الفلسطينيين في الدولة.

وأمام إقامة الدولة الواحدة بين النهر والبحر سيكون هناك نوع من استمرارية تعميق نظام التفوق اليهودي في فضاء "إسرائيل" – فلسطين، ومقابل ذلك ستشكل إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة في حدود 1967 إلى جانب "إسرائيل"، مع إخلاء كامل للمستوطنات التي تمنع التواصل الجغرافي الضروري لوجودها، الصدع الأول في سور هيمنة اليهود على الفضاء. نعم، هذه ستكون ضربة مؤلمة جداً للرؤيا القومية المتطرفة – العنصرية المشوهة، التي بحسبها تستحق مجموعة واحدة من بين من يعيشون في الفضاء "الإسرائيلي" – الفلسطيني، اليهود، تقرير المصير القومي.

في الخلاصة الختامية المؤثرة، يشير صائغو وثيقة “بتسيلم” بأن “هناك خيارات سياسية مختلفة من أجل تحقيق مستقبل يقوم على مبادئ حقوق الإنسان والحرية والعدالة”. هذه الضبابية ليست في محلها. بنفس الوضوح الذي اعترفت فيه “بتسيلم” بالمنطق العنصري الأساسي الذي يميز النظام "الإسرائيلي"، يجب القول بأن الطريق الواقعية والناجعة لمحاربة نظام التفوق اليهودي، تمر في مرحلة البداية بالتحرير الوطني للفلسطينيين في إطار دولتهم السيادية في المناطق المحتلة في العام 1967.

خلافاً للرأي السائد في أوساط كثير من الفلسطينيين – "الإسرائيليين"، فإن إقامة هذه الدولة لا تعني ترك الأقلية الفلسطينية في "إسرائيل" تحت رحمة التفوق اليهودي، بل هي الخطوة الأولى الحقيقية قبل تأسيس مساواة حقيقية بين اليهود والفلسطينيين في كل الفضاء، بما في ذلك داخل "إسرائيل". هكذا فإن إخلاء واسعاً للمستوطنات التي أقيمت لتخليد التفوق اليهودي في المنطقة، سيكون مثابة هزيمة خطيرة للقوة العرقية القومية المتطرفة في "إسرائيل"، ونهضة جديدة لقوتها الديمقراطية.

وثيقة “بتسيلم” لم تمتنع فقط عن الإشارة بصورة صريحة إلى الطريق السياسية المطلوبة لمكافحة التفوق اليهودي، بل أيضاً لا تذكر الوسائل الملموسة التي يجب استخدامها للدفع قدماً بهذا النضال بصورة فعالة. ولكن الحقيقة أن طرحها وترسيخها لمفهوم الأبرتهايد فيما يتعلق بالنظام "الإسرائيلي" بين النهر والبحر يكفي كي ترمز إلى الوسائل التي يدور الحديث عنها، لأن مكافحة الأبرتهايد تتم كما هو معروف بوسائل دولية، تشمل المقاطعة والعقوبات الاقتصادية.

نعم، من أجل أن نرفع عن وجه "إسرائيل" عار الأبرتهايد، وإعادة تشكيل نظامها بروح مبادئ المساواة والعدالة لصهيونية هرتسل، يجب أن يستخدم ضغطاً دولياً شاملاً لا هوادة فيه، هذا لهدف واضح، وهو إجبارها على إخلاء المستوطنات التي أقيمت خلافاً للقانون الدولي، والموافقة على إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة. ويبدو أن ضغطاً كهذا لا يتوقع أن يأتي في الزمن المنظور. مع ذلك، كلما نشرت مبادئ وثيقة “هذا أبرتهايد” في أوساط المجتمع الدولي وتسربت إلى وعيهم، فسيصبح الضغط واقعياً.

---------------------

الكاتب: ديميتري شومسكي

المصدر: هآرتس

التاريخ: 9/2/2021

انشر عبر
المزيد