قائمة الموقع

مظاهرات الداخل المحتل تدق ناقوس الخطر: جريمة التهجير لم تنتهِ

2021-02-02T09:00:31+02:00
فلسطينيو الداخل ينتفضون ضد الجريمة المنظمة وسلطات الاحتلال
بقلم: راغدة عسيران

منذ بضعة أسابيع، تجتاح المظاهرات الشعبية مدينة أم الفحم ومدن وبلدات أخرى في الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948 ضد الجريمة المنظمة المدعومة من قبل المؤسسة الأمنية الصهيونية، والتي حصدت العشرات من الفلسطينيين خلال الأشهر الماضية.

واجهت المؤسسة الأمنية الصهيونية هذه المظاهرات بمزيد من القمع، فاعتقلت العشرات منهم، وهجمت عليهم بالقنابل المسيلة للدموع والهراوات ومنعت الصحافيين الفلسطينيين من تغطية الحدث، باعتقالهم وضربهم، وكأن المحتجين هم المعتدين وليس من يقتل دون حساب.

ليست هذه المرة الأولى التي يحتج فيها فلسطينيو 48 ضد القتل والجريمة. لقد نظموا العديد من الوقفات الاحتجاجية، خلال العام الفائت في عدة مناطق، منها الاعتصامات أمام مراكز الشرطة الصهيونية لإدانة تقاعسها، بل تورّطها في الجريمة المتفشية، ومنها في شوارع البلدات والمدن.

فلم يعد خافيا على أحد كون المؤسسة الأمنية الصهيونية متورّطة في الجريمة، إن كانت الشرطة أم المخابرات أم أجهزة أخرى تابعة للدوائر الاستعمارية الصهيونية، وخاصة بعد ان طالت هذه الجريمة المنظمة شخصيات سياسية وطنية، كالشهيد الشيخ محمد أبو نجم، مسؤول الحركة الإسلامية في مدينة يافا، والدكتور سليمان أغبارية، القيادي في الحركة الإسلامية، الذي أصيب بجروح خطيرة في محاولة اغتياله في مدينة أم الفحم.  

وقد أفادت الدراسات حول هذه الظاهرة المخيفة أن المؤسسة الصهيونية نقلت الجريمة المنظمة من المستوطنات اليهودية الى البلدات الفلسطينية قبل سنوات، وأصبحت اليوم تستغّل تفشيها لتتخلّص من الوجوه الوطنية في الداخل، كما أكّد بيان "حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين"، الذي نعى الشهيد الشيخ أبو نجم، بالقول أن الجرائم المرتكبة هي "عمليات تصفية ممنهجة تنفذها أجهزة الأمن الصهيونية ضد كوادر الحركة الإسلامية تحت ستار الفوضى وانفلات السلاح".  

إضافة الى استهداف الكوادر الوطنية، وخاصة في هذه المرحلة الحساسة التي تمر فيها القضية الفلسطينية، تواصل المؤسسة الصهيونية سياسة غير معلنة، منذ غرس الكيان الاستيطاني في المنطقة، أي العمل على تهجير الشعب الفلسطيني من وطنه، بعد أن تأكدت أن كافة الإجراءات العنصرية التي اتخذتها سابقا، لم تنفع لبث اليأس في قلب أبنائه الصامدين على أرضهم، بل على العكس، لا سيما بعد النهوض الوطني العام خلال انتفاضة الأقصى عام 2000.

منذ تراجع هذه الانتفاضة والقضاء عليها، شرعت المؤسسة الصهيونية الى ضرب مكوّنات الصمود، عبر الملاحقة للكوادر الوطنية واتهامهم وزجهم بالسجون، وعبر القمع المؤسساتي لكافة أشكال التعبير عن الانتماء الوطني (إحياء النكبة، استعادة أسماء القرى العربية، العودة الى القرى المهجرة لإحيائها، التفاعل مع المكوّنات الأخرى للشعب الفلسطيني).

وقبل تفشي الجريمة الحالية التي صنعتها الأجهزة الأمنية الاحتلالية باستخدام أيادٍ محليّة، كانت الشرطة الصهيونية قد قتلت بدم بارد العشرات من الفلسطينيين بحجج واهية، للانتقام منهم بسبب صمودهم على أرضهم رغم الظلم، ولإشاعة شعور الإحباط والعجز، في الوقت الذي كان فيه العدو يشنّ حروبه على لبنان وعلى قطاع غزة، لضرب المقاومة.

وتصاعدت الحملة القمعية ضد الفلسطينيين بعد الحرب على قطاع غزة عام 2008-2009، مع استلام بنيامين نتنياهو لرئاسة الوزارة، حيث انطلقت الجماعات الإرهابية الصهيونية في كل من الضفة الغربية والداخل المحتل عام 1948 لتهدّد الوجود الفلسطيني، تزامنا مع اشتداد عملية التهويد للمقدسات، لا سيما المسجد الأقصى، ومحاصرة مدينة القدس، بوضع عراقيل أمام الوصول اليها، إن كان من الضفة الغربية أو قطاع غزة أم من الداخل المحتل عام 1948، وملاحقة المرابطين والمرابطات وإبعادهم وسجنهم.

تمثّلت عملية ترهيب الفلسطينيين في الداخل بتكثيف الاعتداءات التهويدية على المقدسات (طبريا ويافا مثالا، والمقابر الإسلامية والمسيحية، والكنائس والمساجد)، والقوانين الإلغائية التي تبناها الكنيست الصهيوني، كقانون القومية الذي يلغي شرعية وجود الشعب الفلسطيني على أرضه، أو قانون "كمينتس" الذي يشرعن هدم منازل الفلسطينيين، والممارسات الإلغائية ضد أبناء النقب المحتل، حيث تواصل المؤسسة الصهيونية هدم القرى (قرية العراقيب المنكوبة وغيرها) وإقامة المستوطنات على أراضيه وتهجير سكانه.

تفيد الدراسات المتخصصة الى زيادة نسبة الفقر والبطالة في المناطق الفلسطينية والمدن "المختلطة"، إذ لم تحظ هذه المناطق بمشاريع اقتصادية تستوعب اليد العاملة، بسبب التمييز العنصري المتأصل في الكيان ضد كل من هو ليس يهودي.

ورغم الوعود الانتخابية، تعاني البلديات الفلسطينية من فقر ميزانياتها للقيام بمشاريع تنموية تدعم العمل الفلسطيني. ورغم تصاعد عدد الطلاب الفلسطينيين في الجامعات "الإسرائيلية"، إلا أنهم يعانون من الأجواء العنصرية المسيطرة ومن القمع لكل صوت وطني يصدر، إن كان لدعم معارك الأسرى في سجون الاحتلال أم لأية قضية وطنية أخرى، وهذا ما يجعل الطلاب يتوجهون أكثر فأكثر الى الجامعات الفلسطينية في الضفة الغربية والى الجامعات الأردنية.

تؤشر هذه المعطيات الإجمالية الى أن سلطات الاحتلال تواصل سياسة التضييق الممنهج على فلسطينيي 48، سياسيا واجتماعيا، لجعلهم يهاجرون عن وطنهم، طوعا إن أمكن (في حالات "السلم"). وتأتي ظاهرة تفشي الجريمة في أوساطهم لتفاقم الشعور الفلسطيني بعدم الاطمئنان والخوف وعدم الاستقرار، وهذا تحديدا ما تسعى اليه المؤسسة الصهيونية بدعمها وتواطؤها وتسهيل مهمة المافيات المجرمة في الوسط الفلسطيني. وهذا ما أكّد عليه قبل أيام، رجا إغبارية، العضو في المكتب السياسي في حركة أبناء البلد، الذي صرّح أن تفشي الجريمة المدعومة من الأجهزة الأمنية الصهيونية هي مرحلة جديدة لسياسة تهجير الفلسطينيين من وطنهم، بعد فشل الأساليب الأخرى لإضعاف المجتمع الفلسطيني الذي بات واعيا لما يدبّره العدو.

لقد كتب الراحل باتيرك وولف، الذي ركّز اهتمامه الأكاديمي على الاستعمار الاستيطاني في العالم، أن "الدور الذي حدده الاستعمار للشعوب الأصلانية هو الإختفاء". ولكن، بعد أكثر من سبعين عاما على االنكبة التي تسبّبت بتهجير ما يقارب 800 ألف فلسطيني من الأراضي المحتلة عام 1948، وبعد أكثر من 50 عاما على احتلال كل فلسطين، وتهجير مئات الآلاف منه، لم يختف الشعب الفلسطيني عن أرضه، وفشل الصهاينة من تحقيق كيانهم العنصري الخال من الفلسطينيين، رغم كل جرائمهم ومجازرهم المتلاحقة التي ارتكبوها ويرتكبونها يوميا، ورغم الصعوبات التي يضعونها أمام الفلسطينيين ورغم كل الدعم الذي يتلقونه من المجتمع الدولي والأنظمة العربية والإسلامية المطبّعة، جديدا وقديما، ورغم الإعلام الكاذب والمنحاز الى الصهاينة الذي يشرعن وجود الكيان الإلغائي على أرض فلسطين.

لقد فشل المشروع الصهيوني ولم يختف الشعب الفلسطيني، بسبب مقاومته الشرسة منذ بداية الاستعمار الاستيطاني الصهيوني وتطوّره، وبسبب الحاضنة العربية والإسلامية، رغم علاتها وضعفها، التي وفرتها الشعوب العربية والإسلامية، وأحيانا أنظمتها، للشعب الفلسطيني وثورته.

 

اخبار ذات صلة