وكالة القدس للأنباء - ملاك الأموي
أصدر الكاتب والقاص الفلسطيني، عبد الغني سلامه، مؤخرا، كتابا جديدا، حمل عنوان "أساطير الأولين"، وهو عبارة عن مجموعة قصصية تضم تسعة عشرة قصة قصيرة، إصدار مكتبة كل شيء - حيفا (2020)، تقع المجموعة في 264 صفحة من القطع المتوسط. وتأتي هذه المجموعة استكمالا للمجموعتين السابقتين "قبل أن نرحل"، و"من سرق روايتي".
وفي هذا السياق، تحدث سلامه لـ"وكالة القدس للأنباء"، عن سبب اختياره لعنوان "أساطير الأولين، "قائلا: إن: "مسألة اختيار العنوان مسألة صعبة وحساسة، ونظراً لأهمية العنوان، فإن البعض يختاره أولاً، ثم يبني روايته عليه، والبعض يختار العنوان بعد أن يكمل العمل (على أن يكون متلائماً مع مضمون العمل)؛ بالنسبة لي اخترت هذا العنوان بالذات بعد أن أتممت العمل، وكان عنوان القسم الثالث من المجموعة، الذي تضمن خمس قصص أسطورية".
وأوضح أنه "كتبت الأسطورة لأنها مهمة جدا في حياة الشعوب، وكثيراً من الأحيان يُبنى الوعي الجمعي على أسطورة أو أكثر.. وبالمناسبة، الأسطورة ليس بالضرورة أن تكون كاذبة وخيالية؛ فقد يكون لها أساس تاريخي، وأشخاصها حقيقيون، لكن ما يميزها عن القصة والحكاية حجم المبالغات فيها، وأنها أصبحت "قصة مقدسة"، وجزءا من التراث الشعبي الشفهي؛ وبما أن القصص الواردة في المجموعة عبارة عن "أساطير دينية" فهذا لا يعني أبداً الإساءة إلى الدين، أو التشكيك بصحته".
وأشار إلى أن "الأسطورة إضافة لقيمتها الأدبية والجمالية، فإنها غالبا تتضمن جانباً فلسفياً عميقاً.. ما قصدته هو إجراء مقاربة واقعية، بحيث نقرأ الأساطير القديمة وكيف تعامل معها الناس آنذاك، نقرأها بمنظار الحاضر، فنكتشف مدى سذاجة وبساطة العقل الجمعي قديما، حين كان يؤمن بمثل هذه الخرافات، ولكن الصدمة التي يُفترض أن تُحدثها المجموعة أن الأساطير ما زالت حاضرة بقوة في وقتنا الراهن، وتفعل أفاعيلها، وما زال الوعي الجمعي يتقبلها ويصدقها، لأنه غير معتاد على القراءة النقدية والتفكير العلمي. وبالتالي فإن مهمة القصة إحداث الصدمة، بحيث نعيد التفكير مرة ثانية في تراثنا الثقافي".
وعن سؤاله حول الفرق ما بين الأساطير القديمة وما تدعي وجوده من أساطير موجودة حاليا، بين أنه "في بدايات عصر الأنسنة كان دور الأسطورة تفسير القوى العظمى، التي خلقت الكون والطبيعة، أو التي تسيرها، لذا ارتبطت الأسطورة قديما بالآلهة.. وبعد أن أجابت الأديان على سؤال خلق الكون (وهو الله سبحانه) لم تعد الأسطورة مقترنة بالآلهة، أو بأنصاف الآلهة والكائنات الخرافية، بل صارت مقترنة بالأنبياء والمصلحين والفلاسفة والحكماء والأبطال الشعبيين.. كما اقترنت الأساطير ولفترات طويلة بالحيوانات (الحية، الغراب، الهدهد، وبعض الحيوانات الوهمية كالتنين، والحصان المجنح، والأفعى ذات السبعة رؤوس..).. وكانت الحاجة ملحّة لبناء مثل تلك الأساطير، ونسج القصص حولها، وجعلها مقترنة بفهم ظواهر الطبيعة".
وبيّن أنه "للإجابة على الأسئلة الوجودية والفلسفية والدينية، لأن العقل البشري آنذاك كان محدود القدرات، مقارنة بالحاضر، وقاصرا عن فهم المجرد والمنطقي.. فالخالق العظيم غير مرئي، وغير متجسد، لذا فإن تجسيده عبر الرسل والمصلحين والأولياء يسهّل على الناس فهم الدين، أو فهم ما عجزوا عنه بالتجريد. أو لجعل الدين مقترنا بحياتهم وجزءا منها، بدلا من كونه مفارق ومنعزل عنهم، وموجود فقط في النظريات والكتب المقدسة"، مشيرا إلى أنه "اليوم، ورغم تطور العقل البشري، ورغم كل ما أنجزه من علوم وتكنولوجيا وفلسفة، للأسف ما زال الوعي الجمعي يفكر بعقليته البدائية، وأقصد هنا عامة الناس البسطاء".
وعن الجزء الأخير من المجموعة، قال إنه "تضمن خمس قصص، هي: "الأم جمالات"، وتحكي عن مجتمعات الأمومة ومرحلة المشاع الأول والآلهة المؤنثة، والقصة الثانية "إله الشمس"، وتحكي عن فكرة الإله المجسم في الفلكلور القديم، أما الثالثة، هي "الطوفان"، وهي قصة مصلح اجتماعي نبذه قومه، وبالمناسبة، قصة الطوفان العظيم موجودة في جميع الأساطير القديمة لمختلف الشعوب، أما قصة "القيامة"، فتحكي عن استغلال الدين من قبل تحالف السلطة مع طبقة رجال الدين، وأخيرا "أساطير يونانية"، تتضمن قصة متخيلة تتداخل فيها حكايات شعبية موروثة عديدة ضمن محاولة لتفكيك الأسطورة الدينية والشعبية، ونقد العقلية الخرافية والذهنية الغيبية.. وكشف هشاشة الأسطورة من جهة، وقوة تأثيرها في الوعي الجمعي من جهة ثانية، لعل القارئ يتنبه إلى مجموع الأساطير التي ما زالت تهيمن على فكره وتوجهاته، بالرغم أننا نحيا في القرن الحادي والعشرين".
وأشار إلى أن "هذه المجموعة تأتي استكمالا للمجموعتين السابقتين، "قبل أن نرحل"، و"من سرق روايتي"، بالمجمل تختلف موضوعات القصص، وإن كانت جميعها بشكل عام تتمحور حول قضية الإنسان، ومعاناته، وأشكال صراعاته المتعددة. تدور أحداثها في شتى بقاع العالم، حيث تتنقل القصص في الأمكنة وصولا إلى الفضاء الخارجي.. كما تتنقل في الأزمنة بين الماضي السحيق، والقريب، والحاضر، والمستقبل.. تبدأ بالهم الوطني، وطرح مشكلة الاحتلال الإسرائيلي، ومعاناة الفلسطيني منه وقضية الصراع بصورة عامة، ثم تنتقل القصص إلى هموم الإنسان العربي، وخاصة تلك التي نجمت عن الصراعات البينية والحروب الداخلية في سوريا والسودان والعراق، كمثال على مأساة الإنسان العربي الراهنة، ثم تنتقل إلى محيط أوسع باستعراض أشكال متعددة لمعاناة الإنسان المعاصر في دول الإقليم والعالم".
وفي سياق تنوع مواضيع القصص بين الإنسان والمجتمع والوطن والسياسة، قال إنه "ضمن هذا التنوع قد يجد القارئ خيطا مشتركا ورسالة ضمنية مفادها أن مأساة البشر واحدة، ومعاناتهم متشابهة، وأهم أسبابها الحروب والصراعات والرأسمالية المتوحشة، والنظم الاستبدادية، وتحكم القوى الطفيلية بمصائر الشعوب المغلوب على أمرها..
هناك قصص تعود إلى البيئة المحلية لتحكي عن ثقافة المجتمع تجاه المرأة والحب والعلاقات الاجتماعية، وتناقضاتها، وفي قصص أخرى أحاول سبر أغوار النفس البشرية، في عزلتها، وأشد حالاتها ضعفا".
وفي نهاية حديثه، أوضح أن "القصص تباينت من حيث الطول، فبعضها قصيرة جدا، وبعضها متوسط، بيد أن قصة "حسنين" كانت الأطول، والتي يمكن وصفها برواية مصغرة.. وتتناول قضية الإسلام السياسي"، مبينا أنه " لا أدري كيف استقبلها الناس، فنحن في وقت يتسم بعزوف الناس عن القراءة، وأيضا نعاني من كسل نقدي، بمعنى أن الحركة النقدية عندنا ضعيفة ومقلة، لا أقصد ضعيفة بالمعنى النوعي، بل بمعنى قلة إنتاجها، فمن بين كل مائة كتاب بالكاد نقرأ نقداً أو استعراضاُ لواحد منها فقط".
