قائمة الموقع

زمن إبتزاز الشعوب والاستعلاء هو الزمن الصهيوني

2020-04-05T09:48:48+03:00

بقلم: راغدة عسيران
لم نكن بحاجة الى جائحة كورونا لمعرفة ما هي الصهيونية وكيف يهدّد الصهاينة سلامة شعوب العالم وخاصة الفلسطينيين والعرب. ولكن يكفي الاستماع قليلا الى بعض رموزها الحاليين، في الولايات المتحدة وفي الكيان الصهيوني، وتصفح بعض كتاباتهم، للتأكد من أن الصهيونية العالمية التي فرضت ايديولوجيتها على العالم منذ قرن من الزمن، تمثل أخطر وباء حلّ على الانسانية في العصر الحديث.
قبل أيام، صدر تصريح لوزير الحرب الصهيوني نفتالي بينيت يبتز الشعب الفلسطيني في قطاع غزة بعدم إرسال له المستلزمات الصحية لمواجهة وباء كورونا إذا لم تفرج المقاومة عن "الإسرائيليين" المحتجزين لديها. فجاء ردّ المقاومة سريعا على لسان رئيس حركة حماس في غزة، يحيى السنوار، قائلا: "سنأحذ ما نريد من الاحتلال "خاوة"، رافضا منطق الابتزاز ومذكرا أن أساس القضية هو الاحتلال والحصار الصهيوني على غزة والخطر المهدّد بآلاف الأسرى في سجون الاحتلال، وحق المقاومة. 
الابتزاز لغة القوى الامبريالية المسيطرة على العالم. ولأنها تملك القوة الاقتصادية والمالية والعسكرية، تعتقد أن بمقدورها فرض شروطها على الشعوب والدول الأخرى. وبغض النظر عن أسباب وكيفية امتلاكها تلك القوة، تحاول القوى المسيطرة على العالم سرقة المزيد من موارد وثروات الشعوب عن طريق ابتزازها، وإخضاعها لقوانينها وسوقها. فالحصار المفروض على بعض دول العالم (إيران، كوبا وفنزويلا) وعلى قطاع غزة، وما يسمى ب"العقوبات" الإقتصادية ما هي إلا نوعا من الإبتزاز تمارسه دول وكيانات إرهابية ضد من يواجه سيطرتها ويرفض إملاءاتها ويتحدى هيمنتها. 
الابتزاز الذي مارسته الإدارة الأميركية بحق الجمهورية الإسلامية في إيران، بعدم تمكينها من محاربة وباء كورونا إلا إذا رضخت لشروطها، بل بتشديد الحصار على الدولة المنكوبة، يعبّر عن مدى وحشية هذه الكيانات الاستعمارية التي فقدت، بسبب جشعها وعنصريتها، كل معاني الإنسانية. 
ويمثل الكيان الصهيوني ومستوطنوه، منذ بداية القرن الماضي، خلاصة هذه القيم اللاانسانية عندما قرّر استيطان أرض فلسطين، مع إضافة رواية كاذبة ما زال يرددها ويستعين بها لتبرير جرائمه المتواصلة بحق الفلسطينيين.
يدلّ تعامل الكيان الصهيوني ومستوطنيه مع جائحة كورونا العالمية على مواصلة جرائمه بحق الشعب الفلسطيني. عمليا، لم تتوقف اعتداءات المستوطنين وجيش الاحتلال على القرى والبلدات الفلسطينية في الضفة الغربية ومحافظة القدس، ولا الاعتقلات والمداهمات التي يشنها الاحتلال يوميا، رغم خطر انتشار الوباء في هذه المناطق، من جراء هذه الاعتداءات إذ تبيّن منذ اللحظات الأولى تفشي الفيروس في أوساط المستوطنين وجنودهم. 
وأفاد تقرير "المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان" أن الكيان الصهيوني يتقصد انتشار الوباء في الضفة الغربية من خلال عرقلة الجهود الفلسطينية للحد منه، وفي القدس والبلدات المقدسية حيث يمنع المقدسيين من اتخاذ تدابير وقائية لمنع تفشيه في محيطهم ومساعدة الأهالي المتضررة من الحجر المنزلي. فاعتقل الصهاينة المبادرين المقدسيين الى تعقيم شوارعهم وأزقتهم وسرقوا أموال التبرعات والسلع التموينية المخصصة لدعم العائلات المحتاجة. يشير هذا التعامل الى استغلال الصهاينة لتفشي الوباء لفرض سيطرتهم على المجتمع المقدسي من ناحية، وتسهيل انتقاله بين الفلسطينيين وفقا لنظرية "مناعة القطيع" الدروينية، من ناحية ثانية، للتخلص من المقدسيين.
فهم يتعاملون بالطريقة ذاتها مع الأسرى الفلسطينيين، بمنعهم عن حماية أنفسهم من جهة وتشديد سيطرتهم على السجون من جهة أخرى. فمنعوا زيارة الأهل متحججين بالوباء، ولكنهم سمحوا لنفسهم إدخال الفيروس عبر محققيهم وسجانيهم. لم يتخذوا تدابير لحماية الأسرى المرضى وكبار السن، بل حافظوا على الاكتظاظ في سجونهم بعد الإفراج عن مساجينهم الجنائيين، ويرفضون الى اليوم الإفراج عن الأسرى المرضى وكبار السن والأطفال والأسيرات، الذين يعانون من ظروف اعتقالية سيئة، وخاصة في سجون تفتقد الى أدنى المعايير الصحية والانسانية، كما يرفضون الإفراج عن الأسرى بعد انتهاء فترة محكوميتهم.
تزامنا مع هذا التعامل اللاانساني والعنصري مع الفلسطينيين، بهدف عرقلة جهودهم للتصدي للوباء، اعتبر بعض الصحافيين الصهاينة أن كيانهم سينقذ الفلسطينيين من الوباء، في حين أنه يعمل على انتشاره بينهم. 
كتب "أليكس فيشمان" في "يديعوت أحرونوت" يوم 29/3 : "سيناريو كابوسي .. يشمل تدفق أعداد غفيرة من الفلسطينيين إلى السياج الحدودي لإنقاذ أنفسهم من تفشي الوباء في القطاع المحاصر.  هؤلاء لن يكونوا متظاهرين عنيفين، بل من الخائفين والمدنيين العاجزين، والعديد منهم يمكن أن يكونوا من المصابين" ("مختارات من الصحافة الإسرائيلية" م.د.ف.) في حين أن القطاع بقي شبه خالِ من فيروس الكورونا، ويمكن تصوّر "سيناريو كابوسي" معاكس، مع تدفّق المستوطنين الى القطاع هربا من الوباء الذي يجتاح المستوطنات. كما يزوّر الصهاينة الماضي لتبرير استيطانهم في فلسطين، يزوّرون أيضا الحاضر ويقلبون الحقائق للإدعاء أن "إسرائيل" ستنقذ الفلسطينيين من الوباء، المنتشر أصلا في تجمعاتها ومستوطناتها، وأن الفلسطينيين ينظرون الى الكيان كأنه "المنقذ"، مثلما أدعى المستعمرون الأوروبيون سابقا بأن الشعوب الإفريقية تنتظرهم للتخلص من "فقرها". 
وفي القدس، وبعد تفشي الوباء في المستوطنات الحريدية، ركّز الصحافي الصهيوني نداف سرغاي (يسرائيل هيوم، 2/4) على "القدس الشرقية" ومخيم شعفاط وكفر عقب في مقال "القدس الشرقية مدينة موبوءة" ليقول أن "الوضع خطير" من "جراء غياب السلطة الإسرائيلية"، دون الإلتفات الى هجوم هذه السلطة الإستعمارية على المخيم في الأشهر الماضية لإقفال مقر الأونروا وهدم المنازل واعتقال الشبان، أي أن "السلطة الإسرائيلية" هي التي تدمّر مكونات الصمود في القدس ومخيماتها، عبر سياسة الإفقار والحصار والاعتقال. يعتبر هؤلاء الصحافيين الصهاينة أن الوباء المتفشي في التجمعات الفلسطينية سينتقل الى المستعمرين، في الوقت الذي يرى فيه العالم أن الوباء المتفشي في المجتمع الصهيوني يهدّد المجتمع الفلسطيني، في الأراضي المحتلة عام 1948 وفي السجون وفي الضفة الغربية حيث تجثو المستوطنات اليهودية.
لقد ثبت أن قطاع غزة شبه خال من الوباء وأن المخيمات الفلسطينية في لبنان، خالية تماما منه، بعد حوالي شهر من دخوله الى لبنان، ما يؤكد على الأمور التالية: أولا، التدابير المتخذة من قبل الجماهير ومؤسساتها وتنظيماتها تبقى الأنجع لأنها نابعة من القناعة الذاتية. ثانيا: ثبت أن الشعب الفلسطيني أكثر وعيا وتمسكا بسلامته، بسبب خبرته التاريخية في مواجهة وباء الصهيونية، الذي يعد أشد فتكا على المدى الطويل وعلى المستوى الجماعي. وما تعامل الصهاينة مع هذا الوباء واستهتارهم بحياة الفلسطينيين ونظرتهم العنصرية الى شعب يستوطنون على أرضه إلا دليلا آخر على همجيتهم وفقدانهم للمشاعر الانسانية.

اخبار ذات صلة