قائمة الموقع

مواجهة الوعد - الصفقة

2020-02-03T11:16:48+02:00
بقلم: راغدة عسيران

بين وعد بلفور (1917) ووعد ترامب (2020)، التشابه كبير. بدايةً، تقدّم دولة أجنبية أرض ووطن شعب الى مجموعة بشرية غريبة وغربية (المستوطنين الصهاينة)، أي أن "من لا يملك يعطي لمن لا يستحق". ثانيا، تدعي هذه الدولة، بسبب كونها الأقوى اقتصاديا وعسكريا في العالم، أنه يحق لها العبث بالعالم كيفما تريد. ثالثا، ينطلق الوعدان من رواية كاذبة وتاريخ مزوّر صاغه مفكّرون أوروبيون عنصريون معادون للإسلام وللبشرية، من أجل تبرير مشروع إستيطاني اقتلاعي يخدم الغرب الاستعماري. رابعا، يقلّل الوعدان من أهمية تجذر الشعب الفلسطيني في أرضه منذ آلاف السنين، فيتم وصفه إما بـ"غير اليهود" (وعد بلفور)، وكأن المستوطنين اليهود هم الأساس رغم أنهم كانوا يشكلون أقل من 5% من سكان فلسطين قبل الاحتلال البريطاني، إما بـ"جماعة فقيرة" يجب إقناعها أنه من مصلحتها قبول تجريدها من أرضها وبلادها ومقدسات الأمة لصالح المستوطنين اليهود كي تعيش برفاهية في معازل مطوّقة بالمستوطنات. خامسا، من خلال السطو على الأرض الفلسطينية، يستهدف الوعدان المنطقة العربية والإسلامية، من خلال تكريس مستوطنة غربية في قلب الأمة تسيطر على بلدانها وتمنع وحدتها ونهوضها المستقل.

رغم هذا التشابه، يختلف الوعدان بالأمور التالية :

جاء وعد بلفور (هدية بريطانيا "العظمى" للحركة الصهيونية) في فترة صعود الامبرطورية البريطانية "حيث لا تغيب الشمس عنها"، واستغلت احتلالها العسكري على فلسطين لتطبيق هذا الوعد، إداريا واقتصاديا وأمنيا وسياسيا. لم تترك أي مجال إلا وتدخّلت فيه لتكريس وعدها المشؤوم للحركة الصهيونية، ما سهّل إقامة الكيان الصهيوني في العام 1948 بمكوّناته الاقتصادية والأمنية والسياسية والإدارية. أما وعد ترامب، فقد جاء في زمن التراجع الأميركي النسبي في العالم، بحيث لا تملك الولايات المتحدة القوة لفرضه على الفلسطينيين، كما فعلت بريطانيا قبل قرن من الزمن. والوعد الجديد يكمل الوعد القديم بإعادة صياغة تمنيات المستوطنين أنفسهم الذين يسعون الى شرعنة دولية لاستيلائهم على وطن بكامله، من خلال الدعم الأميركي.

لكن التمييز الأساسي بين الوعدين يكمن، من ناحية، في صعود المقاومة في المنطقة ضد الكيان الصهيوني، وتاريخ شعوبها المقاوم ضد الاستعمار الغربي المباشر وضد الأحلاف الأميركية، حيث لم تعد الشعوب العربية شعوبا تفرض عليها الدول الغربية خططها، كما كان وضعها بعد الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية. لقد خاضت حروبا دفاعية ضد الكيان الصهيوني والاحتلال الغربي ومنعت توسعه وسيطرته المباشرة على المنطقة، واستطاعت تكريس في لبنان وفلسطين (قطاع غزة) معادلة الردع، كما أن الشعوب أصبحت أكثر وعيا بمخططات الغرب، فلم تعد تؤمن بالوعود المعسولة حول التقدم والديمقراطية، وباتت مقتنعة أن الحرية تنتزع بالثورات ضد الاحتلال.

ومن الناحية الأخرى، المشاركة العربية في وعد ترامب للكيان الصهيوني أضفى عليه صفة "الصفقة"، أي أن "صفقة القرن" أكثر من هدية "من لا يملك لمن لا يستحق"، لأنها شرعنة الاستيلاء على فلسطين وإهدائها للمستوطنين الصهاينة بتمويل عربي خليجي للتعويض عن خسارة فلسطين والمقدسات وتصفية القضية الفلسطينية، وتكريس السيطرة الأميركية الصهيونية على المنطقة.

تعد المشاركة العربية في "الصفقة" أخطر بنودها، ليس على الشعب الفلسطيني والقضية العربية الفلسطينية فحسب، بل على الشعوب العربية برمتها، وليس فقط على مسألة "توطين" اللاجئين، كما يردّد السياسيون اللبنانيون، بل على استقلال وتنمية وحرية هذه الشعوب، في ظلّ توسّع نفوذ الكيان الصهيوني عبر أموال و"مساعدات" وتغلغل الولايات المتحدة في دول المنطقة.

الاكتفاء بالتصريحات المندّدة بـ"صفقة القرن" وكأنها موّجهة ضد الشعب الفلسطيني وحده، والتأكيد على دعم الفلسطينيين في محنتهم، وكأنها لا تمسّ غيرهم، دون التوجّه الى أصل البلاء، أي الولايات المتحدة الأميركية وسفاراتها في الوطن العربي وقواعدها العسكرية وشبه العسكرية وسيطرتها المالية، ودون إعادة النظر في مصالحها المتشعبة في بلداننا، لن يقدّم إلا القليل الى الشعب المنكوب في فلسطين.

كيف يمكن مواجهة هذا التحدي "الكبير لأمتنا" و"استقواء وبلطجة" الولايات المتحدة ؟ وكيف يمكن "تغيير منهجنا في التعامل مع كل شيء" (القائد زياد نخالة، الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين) ؟ فلسطينيا، إن كانت الوحدة الفلسطينية السياسية ضرورية لمواجهة صفقة القرن، فلا بد أولا من وقف التنسيق الأمني مع الصهاينة كي تكون هذه الوحدة فاعلة ومؤثرة، واطلاق سراح المعتقلين السياسيين من سجون السلطة، والكفّ عن ملاحقة المقاومين في المنطقة المهدّدة بالتهويد، وعدم الركون الى الدعم الدولي المزعوم أو الى "المجتمع الدولي" لإنصاف الشعب الفلسطيني، والتخلص من اتفاقيات أوسلو واستعادة وحدة الأرض والشعب والقضية إعلاميا وواقعيا، أي العودة الى أساس القضية منذ وعد بلفور وتجزئة الوطن العربي.

عربيا، مواجهة "صفقة القرن" تتطلب الوقوف الى جانب، وليس وراء، الشعب الفلسطيني، أي السعي للتخلص من النفوذ الأميركي في المنطقة وفي كل دولة عربية واسلامية، والخروج الى الشارع ليس لدعم شعب فلسطين ومقاومته فقط بل الانخراط في مواجهة الولايات المتحدة كونها أساس الشر ومنبع الفتن، وتحويل الشوارع والساحات في الوطن العربي للتعبير عن إرادة التخلّص من سيطرة منيقتل بسلاحه "الفلسطينيين واليمنيين"، كما صرّح القيادي خالد البطش في كلمته الى الجمهور اليمني المنتفض ضد "صفقة القرن"، ومن يقتلويحاصر ويبتز الشعوب العربية والإسلامية بلقمة عيشها. لم يتجرأ ترامب وغيره من طرح ما يسمى بصفقة القرن إلا بسبب وجود الجيش الأميركي والقواعد الأميركية في المنطقة، لحماية الكيان الصهيوني والمصالح الأميركية، وبسبب تغلغل النفوذ الأميركي عبر جيش من المثقفين والإعلاميين والسياسيين المتنفذين في بلادنا. التصدي للنفوذ الأميركي، الاقتصادي والعسكري والسياسي، ورفض إملاءاته على الشعوب، قد يفشل هذا المخطط وغيره من محاولات التسوية لمنع تحرير فلسطين.

كما تتطلب مواجهة صفقة القرن، عزل كل متورّط بالمشاريع الأميركية والغربية في وطننا، وفضح كل مطبّع مع كيان العدو لتصفية القضية الفلسطينية وإعاقة استقلال الشعوب العربية، بدعمه المالي والامني والإعلامي للمشروع الأميركي الصهيوني في المنطقة، وقد صرّح الرئيس التونسي قيس سعيّد مجددا، أن كلمة "تطبيع" التي تجاوزها داعمي مشروع ترامب، تعني فعلا الخيانة.

لبنانيا، يبقى التنديد بالصفقة دون تأثير إن اكتفى المندّدون برفض "التوطين"، ولم يرفضوا أيضا عملية التهجير القسري التي طالت مخيمات اللجوء الفلسطيني، لأن التوطين والتهجير هما وجهان لعملة واحدة، عنوانها الخطة الأميركية الغربية الصهيونية المموّلة عربيا، لشطب حق عودة اللاجئين الى ديارهم فلسطين. ومن أجل تحسين الظروف المعيشية للاجئين الفلسطينيين في لبنان ومنع تهجيرهم قسرا، وبالتالي تسهيل إلغاء الحق الفلسطيني، على داعمي ومناصري القضية الفلسطينية أن يطالبوا الإسراع بتوفير حقوقهم المدنية والاجتماعية، ومنها حق العمل، وفك الحصار الأمني والسياسي عن المخيمات، إذ لا يمكن التصدي للعدو الصهيوني وتعبئة الصفوف وطنيا وقوميا ضد النفوذ الأميركي دون توفير هذه الحقوق الأساسية، ودون التعامل مع اللاجئين كأخوة في درب واحد من أجل الحرية والاستقلال.

اخبار ذات صلة