بقلم: راغدة عسيران
لم يمرّ يوم منذ شهر حزيران/يونيو 2019 إلا ويقتحم العدو بلدة العيسوية في القدس المحتلة، ولا يوم إلا ويعتقل العشرات من أهلها والتنكيل بهم، وفرض غرامات عليهم. قبل أسبوع، في الأيام الأخيرة من العام 2019، قرّرت سلطات الاحتلال تطبيق أنظمة "قوانين الطوارئ" التي فرضها الاحتلال البريطاني على أهل فلسطين في العام 1945 لقمع الثورة الفلسطينية ضد وجوده وضد الغزو الصهيوني.
بموجب هذه الأنظمة التي يمكن وصفها بـ"إرهاب دولة"، يحق للجيش المحتل أن يطبّق سياسة "الحبس المنزلي" على من يطاله من الشبان الذين يتحدّونه ليلا نهارا منذ بضع سنوات، إذ قام بفرض "الحبس المنزلي الليلي" على تسعة شبان بحجة "خطورتهم على أمن الدولة" لمدة تتراوح من شهرين الى 4 أشهر. و"الحبس المنزلي الليلي" يعني أنه يتم تحويل بيوت المقدسيين الى سجون، كما صرّح النائب المقدسي أحمد عطون، وأنه يتم توكيل عوائل الشبان بمهمة مراقبة أبنائهم ومنعهم من الخروج من الساعة الثامنة مساءً حتى الساعة السادسة صباحا، وهي الطريقة الخبيثة التي تستعملها الكيانات الاستعمارية القمعية لبث الفتنة داخل العائلة وبين الأجيال للتفرّغ الى السيطرة على المشهد العام.
لكن رفض الشبان المستهدفون بهذا النوع من القمع، وقرّروا الاعتصام ليلا في وسط البلدة، معتبرين أنه يحقّ لهم التنقل بكل حرية، في الليل والنهار، في بلدتهم، وجابت البلدة مسيرة تندّد بقرار "الحبس المنزلي". وبعد اعتقال ستة منهم يوم الجمعة، أفرجت سلطات الاحتلال عنهم يوم السبت 4 يناير/كانون الثاني.
اضافة الى "الحبس المنزلي"، هدّدت قوات الاحتلال شبّان آخرين بتجريدهم وأهاليهم من حقّهم في الإقامة ببلدتهم، التي يعتبرها الاحتلال تابعة لبلديته في القدس المحتلة. رغم اعتبار بعض المحللّين أن هذا الإجراء غير واقعي ويتطلبّ عدة شهور من المداولة في المحاكم الصهيونية، إلا أن التهديد يؤشر بحد ذاته الى أهداف الاحتلال من وراء الحملات القمعية والاستفزازية ضد أهالي العيسوية، التي تمثلت باقتحام يومي وإقفال بعض الطرقات وتفتيش المنازل بطريقة همجية، وتوقيف المواطنين وإبعاد البعض منهم عن منازلهم وضربهم، كما حصل مع عضو لجنة المتابعة في العيسوية، محمد ابو حمص، الذي نصب خيمة على المدخل الغربي للبلدة، وفرض الغرامات الخاصة بالسيارات أو المحلات التجارية بشكل عشوائي.
يذكر أهالي البلدة أن حملة القمع هذه تشبه ما كان يقوم به جيش الاحتلال أبان الانتفاضة الأولى (1987- 1993)، ما يدلّ على أنه لم يفرض حتى الآن على المقدسيين نظرته حول "المدينة الموّحدة" التي يطمح لها، رغم العقود من محاولات "أسرلة" الشارع المقدسي. ويعدّ فرض "أنظمة الطوارئ" البريطانية على القدس "الموحدة" والأراضي المحتلة عام 1948 إجراءا نادرا لا يستخدمه الاحتلال إلا عندما يفقد السيطرة الميدانية خلال المواجهة مع الفلسطينيين.
لقد بلغ عدد المعتقلين من أبناء العيسوية خلال الستة أشهر الماضية أكثر من 500 مواطنا وقد تم إطلاق سراح معظمهم، لكن حملة الاعتقالات الواسعة والمستمرة، التي طالت الشباب والشابات والأطفال، تدلّ على نيّة الاحتلال في كسر روح المقاومة وتطويع هؤلاء المقدسيين الذين لم يستكينوا منذ سنوات، وواصلوا انتفاضتهم ضد الإرهاب الصهيوني المنظم.
بلدة العيسوية هي إحدى البلدات المقدسية التي احتلت بالكامل في العام 1967، بعد أن كانت قبل ذلك تابعة إداريا للسلطات الأردنية، فيما كانت تخضع منذ 1947 لسيطرة قوات الأمم المتحدة، كونها تقع في "جيب" مستوطنة الجامعة العبرية.
لم تنج البلدة من سرقة أراضيها منذ احتلالها، ومن تطويقها بالمستعمرات الصهيونية، إذ تحيط بها غربا وجنوبا مستوطنات "جعفاك شابيرا" و"رامات اشكول" والجامعة العبرية التي أقيمت على أكثر من ألف دونم تابعة للبلدة. أقام المستعمرون قواعد عسكرية، التي تحتل أكثر من 600 دونما من أراضي البلدة، واحدة منهم على مدخلها الجنوبي، وواحدة لحماية "رامات أشكول" والأخرى "معسكر الكتيبة"من الجهة الشرقية، حيث تقع أراضيها والتجمعات البدوية المستهدفة بالترحيل، كونها قريبة من الأراضي المنهوبة لإقامة مستوطنتي "معالي أدوميم" و"ميشور أدوميم" المركز الصناعي الاستيطاني.
تفصل المستوطنات الغربية – الجنوبية بين العيسوية من جهة والصوانة والشيخ جراح من جهة أخرى، ما يعني أن البلدة، التي تعتبر ضمن بلدية الاحتلال، مطوّقة، كما هو حال سائر بلدات القدس، تبعا لسياسة منهجية صهيونية تهدف الى محاصرة وعزل الفلسطينيين في تجمعات سكنية ضيقة لتوسيع عملية نهب الأراضي وتمدّد الاستيطان والتهويد. ومن هذه المشاريع التهويدية الأخيرة، مشروع "الحديقة الوطنية" التي ينوي المحتل إقامتها على 740 دونما منهوبة من أراضي العيسوية وقرية الطور المجاورة.
تشير التقديرات الديمغرافية الى أن ما بين 20 الى 30 ألف نسمة تسكن في بلدة العيسوية، جزء منهم مقدسيون دفعت بهم أزمة السكن الى الانتقال اليها. شهدت البلدة حركة عمران واسعة، ولكن كانت جرافات الاحتلال بالمرصاد، إذ طالت عمليات الهدم عشرات من المساكن والمنشآت الزراعية والصناعية في العقد الأخير، وقد تصاعدت وتيرة الهدم في السنوات الأخيرة، وفقا لخطة الاحتلال الساعية الى تقليص عدد المقدسيين داخل إطار بلدية الاحتلال، وحثهم على الرحيل الى المناطق الأخرى في الضفة الغربية المحتلة.
كان لاتفاقيات أوسلو أثرا سلبيا على البلدة، إذ تم فصل البلدة الى جزئين، الجزء العمراني الذي يتبع لبلدية الاحتلال وأراضي البلدة الشرقية التي تم إلحاقها بما يسمى "المنطقة ج"، وهي المنطقة التابعة لكيان الاحتلال، إداريا وأمنيا، والتي يهدف الى ضمها اليه، دون تبعات ديموغرافية. وتشكّل أراضي العيسوية المعزولة شرقا 72% من المساحة الكلية للبلدة. وكرّس جدار الضم والفصل تجزئة البلدة، وعزل المنطقة العمرانية عن باقي الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية من جهة وعن البلدات المجاورة مثل عناتا والزعيم، والتي تربطها معها علاقة تاريخية، من جهة أخرى.
لم تمنع إجراءات الاحتلال التهويدية المتلاحقة أهل العيسوية من التصدي لها، ويتعلّم الجيل الصاعد من الأجيال السابقة كيفية مواجهة المحتل الاستعماري، وهو ينشأ على أصوات القنابل والطلقات النارية والصراخ خلال الاقتحامات، ويشهد التفتيش الهمجي للبيوت والتنكيل لأفراد عائلته، وملاحقة الشبان واغتيالهم بدم بارد.
منذ أكثر من عشرة أعوام، تنتفض العيسوية على ايقاع إعدام الشهيد محمد أبو خضير من شعفاط (2 تموز/ يوليو 2014)، ودعم الأسير المحرر سامر العيساوي الذي خاض إضرابا مفتوحا عن الطعام في سجون الحتلال لمدة 277 يوما في 2013، بنصب خيمة اعتصام والمشاركة في مسيرات شعبية، وقد هدمت قوات الاحتلال خيمة الاعتصام مرتين، والمشاركة في انتفاضة القدس في 2015 و2016، من خلال المواجهات اليومية والليلية مع قوات الاحتلال، وقد تم محاصرة البلدة بالمكعبات الأسمنتية لأيام طويلة، حيث تعرّض أهاليها لحملات دهم واعتقالات.
وتعيش بلدة العيسوية حالة انتفاضة مستمرة منذ شهر حزيران/يونيو الماضي، خاصة بعد اعدام الأسير المحرر محمد سمير عبيد بدم بارد في27/6/2019، خلال إحدى اقتحامات البلدة. أعلن أهل العيسوية الإضراب الشامل وانطلقت المسيرات المؤيدة لعائلة الشهيد والمطالبة بجثمانه الذي احتجزه الاحتلال لمدة ثلاثة أيام، محاولا فرض شروطه على العائلة فيما يخص التشييع. لم يرضخ شباب العيسوية الى محاولات إذلالهم وإسكات صوتهم، وتصدوا لاستفزاز الاحتلال عندما حطّم النصب التذكاري للشهيد محمد سمير عبيد الذي كتب عليه "لا تمت قبل أن تكون ندا"، باندلاع مواجهات أخرى، وكان قرار تحطيم النصب التذكاري قد جاء بأمر من نتنياهو شخصيا، ما يدلّ على مستوى التحدي الذي يشكله شباب العيسوية لرئيس وزراء العدو.
بعد ستة أشهر من المواجهة اليومية بين قوات القمع التهويدية وأهل العيسوية، يبدو أن العدو يمارس أعلى مستويات الضغط الأمني والاجتماعي والاقتصادي على أهلها لجعلهم يرحلون عن بلدتهم وخفض عدد المقدسيين في نطاق بلدية الاحتلال، ويشير المحللون الى أن العيسوية مكان اختبار الترحيل القسري لبلدات أخرى، مثل جبل المكبّر ومخيم شعفاط وصور باهر. ما يتطلب الدعم الواسع لأبناء العيسوية والمقدسيين بشكل عام، لأن صمودهم في وجه الإرهاب المنظم الصهيوني يعزّز روح المقاومة ويمنع "الأسرلة" والتطبيع الفكري والمعنوي مع المحتلين.
