وكالة القدس للأنباء - متابعة
رغم كل الظروف الصعبة التي يعيشها الفلسطينيون في الداخل الفلسطيني المحتل عام 48، لم ينسوا يوماً تراثهم وأرضهم، بل على العكس هم دائماً يرون ضرورة توحيد تضامنهم وصفهم لمواجهة ما تتعرض له قضيتهم الفلسطينية، وينظمون المعارض ويقيمون الندوات، ويحيون التراث الفلسطيني، ويشاركون في المظاهرات ويتحملون التمييز العنصري الذي يمارسه الكيان الصهيوني ضدهم.
وفي هذا السياق، نظّمت "جمعيّة الثّقافة العربيّة"، مؤخراً، ندوتها الثانية ضمن برنامج ندوات "حديث الأربعاء"، وذلك في مقهى "المها" في مدينة الناصرة، وكانت بعنوان "المدينة الفلسطينيّة الغائبة" بمشاركة الأكاديمية نسرين مزاوي، والكاتب إياد برغوثي، والباحث رامي صايغ، وأدارت الندوة أمل عون.
وناقشت الندوة المدينة الفلسطينيّة قبل النكبة، وفي أيامنا المعاصرة، وكانت مدن فلسطين في أوائل القرن العشرين تشهد نهضة ثقافيّة وعمرانيّة ملفتة، انعكست بالأساس في مدن يافا والقدس وحيفا. بعد عام 1948 وقعت هذه المدن ضمن مخططات البناء والاستيطان الصهيوني، وأُقصي الفلسطيني منها، وحوصر في أحياء فقر. وتشهد بعض مدن فلسطين التاريخيّة اليوم حراكًا ثقافيًا ملفتًا، بينما تواجه مدن أخرى ظاهرة ازدياد في أعداد السكان لكن من دون تحوّلها إلى مدن بالمفهوم الحضري/ المدني.
من جانبها، تحدثت نسرين مزاوي عن خصائص المدن ومفهوم النكبة الاجتماعي الثقافي وأبعاده على المدينة الفلسطينية، تحت عنوان "تحولات ثقافية في الحيّز المديني للناصرة"، حيث استعرضت الحالات الأساسية للمدن الفلسطينية في الداخل، ومنها التي استعمرت بالكامل وتلك التي تحولت إلى ما يُسمى "مدن مختلطة" أو تلك التي نالت اللقب الإداري "مدينة" بسبب عدد سكانها، وتوسعت في حالة مدينة الناصرة الخاصة - المدينة الفلسطينية الباقية - وفي التحولات الثقافية في الحيز المديني التي تنعكس في المبنى الاجتماعي والمعماري لأحيائها.
وبيّنت مزاوي أنه "حتى العام 1948 كانت الناصرة أصغر المدن الفلسطينية وأقلها أهمية، وخلال فترة قصيرة جدًا لا تزيد عن بضعة أشهر ضاعفت الناصرة عدد سكانها وتحولت إلى مدينة فلسطينية وحيدة منقطعة عن شبكة المدن الفلسطينية والعربية المحيطة بها وحظيت بلقب "عاصمة الفلسطينيين في الداخل"، مضيفة: "كمدينة منكوبة تطورت الناصرة على مدار سبعة عقود في دولة قامت على أنقاض مجتمعها – على نكبة المجتمع الفلسطيني وعلى تدمير كل ما هو فلسطيني بما في ذلك مدنه ومراكزه الحضرية".
وأكدت أنه "في النصف الثاني من سنوات التسعين من القرن الماضي التحقت الناصرة كباقي مدن العالم في ركب النيوليبرالية، وشمل هذا تحولات جذرية في الحياة اليومية لسكان المدينة وفي نمط السكن والبناء فيها وفي التركيبة الاجتماعية والاقتصادية لأحيائها التي تحولت من أحياء طائفية وعائلية إلى أحياء طبقية. وينعكس هذا التحول أيضًا في الحياة الثقافية العامة التي شهدت تقلبات وفقًا للظروف السياسية. ورأت أن حالة "المدنيين بدون مدينة" تنطبق على سكان الناصرة كما على فلسطينيي الداخل عامة، الذين يفتقدون الحق في المدينة كحق أساسي من حقوقهم الجماعية، ويفتقرون إلى الحق في الانتماء كحق أساسي من حقوقهم الإنسانية".
أما رامي صايغ، استعرض في مداخلته التي كانت عن "نوادي كرة القدم في فلسطين قبل النكبة – يافا نموذجًا" استعرض تأسيس النوادي الرياضيّة بشكل عام، وكرة القدم بشكل خاص في فلسطين، إبان الانتداب البريطانيّ، وبالتحديد في مطلع سنوات العشرين من القرن العشرين الماضي، ولوحظت هذه الظاهرة في المدن الرئيسيّة مثل القدس وغزّة ويافا وحيفا وعكّا، وتطوّر هذا الفرع عبر السنوات ليصل إلى تنظيم وتأسيس منتخب فلسطين الوطني الذي شارك في تصفيات كأس العالم لعام 1930 وخسر أمام منتخب مصر في المباراتين المصيريّتين.
وأشار صايغ إلى أن "مدينة يافا قبل النكبة، وبالتحديد زمن الانتداب البريطانيّ، كانت "العاصمة" الثقافيّة لفلسطين، إذ شهدت المدينة ازدهارًا باهرًا في هذا المجال، تماشيًا مع الازدهار الاقتصادي الذي عاد بالفائدة على أهالي يافا وقراها وحتى على المهاجرين من بلاد الشام ومصر وشرق الأردن الذين قدموا للعمل في مجال زراعة الحمضيات وبشكل خاص زراعة برتقال يافا المشهور عالميًا آنذاك"، معتبراً أن "هذه الصحوة الاقتصاديّة أدت إلى الاستقرار والرفاهيّة في المجتمع اليافاوي، الذي استغل ساعات الفراغ لبناء نشاطات رياضيّة بشكل عام وكروية بشكل خاص، فتأسس نادي "الأرثوذكسي يافا" ونادي "إسلامي يافا" عام 1926، وكان لكل ناد ملعب خاص به، الأمر غير المفهوم ضمنًا في تلك الأيام!"، متحدثاً عن "تأسيس أول اتحاد رياضي في فلسطين عام 1944 الذي كان يشرف على جميع الألعاب وكان اسمه "الاتحاد الرياضي الفلسطيني" ومقره مدينة يافا".
وفي السياق ذاته، تحدث إياد برغوثي تحت عنوان "استحضار المدينة الغائبة أدبيًا – عكا نموذجًا" وطرح من خلالها أسئلة حول كيفية كتابة حكاية عن مدينة منكوبة؟ وكيف يمكن تجميع القطع المتناثرة لتفاصيل الحياة في المدينة المكسّرة؟ وما هي مصادر معرفة "الحقيقة"؟ وأين هي حدود الخيال في مسار الاستعادة المتخيلة؟، مستعرضاً "حكايات من كتابته لروايته "بردقانة" التي تحكي حكاية جرت أحداثها في مدينة عكا قبل النكبة. وقرأ برغوثي على المستمعين مجموعة من القصص التي تعكس الحياة الاجتماعيّة واليوميّة للفلسطينيين في عكا قبل النكبة من كتاب "بلدي وأهلي وأنا" للكاتب ذو النون الجراح."
يذكر أن الصحافي ربيع عيد، منسق ندوات "حديث الأربعاء" والمركز الإعلامي في جمعية الثقافة العربية، افتتح الندوة باستنكار حملة الملاحقة السياسية بحق المسؤولة عن قسم الثقافة العربية في وزارة الثقافة لبنى زعبي، التي تؤججها وزيرة الثقافة الإسرائيلية ميري ريغف. وأكد تضامن الجمعية مع حقّ ضحية هذه الحملة في التعبير عن رأيها وعن مواقفها الوطنية. وأكد أن ريغف تحاول أن تطبّق ميدانيًا "قانون الولاء في الثقافة" سيئ الصيت بعد أن فشلت في إقراره نهائيًا ضمن الكنيست.


