وكالة القدس للأنباء- خاص
وحده الموت في مخيمات لبنان .. مجاني
محمد وهبة ابن مخيم نهر البارد شمال لبنان،ضحية جديدة لغياب أبسط الحقوق الإنسانية للشعب الفلسطيني، ابن الثلاثة أعوام لقي حتفه "ببساطة" لأن ذويه لم يتمكنوا من إيجاد سرير شاغر في غرف الطوارئ بمستشفيات الشمال، فبقي راقداً ثلاثة أيام في غرفة عادية بالمستشفى الإسلامي، وبعد اتصالات مع وزارة الصحة والمعنيين تم تأمين سرير شاغر في مستشفى طرابلس الحكومي إلا أنه توفي بعد ساعات قليلة من وصوله إليه ..
خبر الوفاة لم يمر مرور الكرام هذه المرة، ولم تكن وفاة وهبي كوفاة غيره من الأطفال الذين توفوا سابقا ً بسبب غياب الخدمات الصحية في المخيمات وعجز الأونروا عن تغطيتها، فما إن انتشر خبر وفاته، عمَ الغضب مخيم نهر البارد وباقي مخيمات الشمال، وخرج الأهالي في مسيرات احتجاجية تندد وتطالب بمحاسبة المسؤولين.
وفي مشهد غير مسبوق، موجة الغضب هذه انتقلت إلى صفوف الللبنانين، إذ خرج الكثير منهم في مسيرات احتجاجية جابت شوراع عكار وطرابلس شمالاً، وصولاً إلى الحمرا وساحة الشهدا في بيروت. غضب شعبي تحول إلى قضية رأي عام انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي واستطاعت وحدها أن تنقل صرخة وجع اللبناني وتنقل مطلبه بضرورة التحرر من ذل الحاجة عند المرض، في وقت غاب فيه الإعلام اللبناني عن تغطية الحدث، حتى أن البعض اتهمها بتشويه الحقيقة ومحاولة تعتيم صورة التضامن اللبناني الفلسطيني لأسباب قد تكون سياسية ولبنان على عتبة تشكيل حكومة جديدة.
وفاة وهبي أشعل في قلوب اللبنانين ثورة ضد موت الإنسانية في ضمير المسؤولين، فنددوا وطالبوا باستمرار التحركات الشعبية حتى تولي الحكومة أهمية بملف المستشفيات في لبنان وتوقف مسلسل الموت.
ولم يقف الحدث المأساوي عند الاحتجاجات العفوية، فربطه الكثير بتقليص وكالة الأونروا خدماتها لا سيما بعد أن أوقفت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب التمويل كليًا عن وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين شهر آب العام 2018، وعجزها دائماً عن مساعدة الفلسطينيين صحيا ً.
واستدعى ذلك توضيحاً من الوكالة، أكدت فيه أن الطفل أُدخل الى المستشفى الإسلامي على نفقتها إلا أن حالته تدهورت بشكل سريع ما استدعى نقله الى غرفة عناية مركزة متخصصة للأطفال، وهي وحدة غير متوافرة في المستشفى ذاته. الأمر الذي وضع وزارة الصحة اللبنانية موضع المتهم ، فأصدرت الأخيرة بياناً يحمل الأونروا وحدها المسؤولية.
ولكن، قانونياً، وإن وضعنا الحديث عن الناحية الإنسانية جانباً، أيحق للمستشفى أن ترفض أي حالة طارئة؟ بالطبع لا، فبالعودة إلى نصوص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان واتفاقات دولية أخرى وقعت عليها لبنان يتضح أن الحق بالصحة عالمياً،هوحق أساسي من حقوق الإنسان المقوننة دولياً، حق يمتلكه جميع الناس بمعزل عن أي عنصر أو لون أو معتقد أو دين.
إذاً.. نص قانوني واضح، لا يعفي تهرب وزارة الصحة اللبنانية من تحمل مسؤولية ما حصل مع الطفل الفلسطيني وهبي وغيره من الأطفال الذين توفوا ضحية غياب الخدمات الصحية في لبنان ولا يعفي أيضاً مسؤولية وكالة "الأونروا" الراعي الرسمي لاستشفاء اللاجئين الفلسطينيين، لقد ساعدت الوكالة الطفل مادياً وأمنت له التحويلات اللازمة، ولكنها لم تستطع أن تمنع موته.الموت قضاء وقدر "نعم"، ولكن أقدر الفلسطينيين أن يموتوا بسبب غياب الخدمات الصحية في لبنان دوماً وتكراراً. وعليه،طالبت المسيرات والتحركات الشعبية في مخيم نهر البارد بفتح مستشفى خاص بالمخيم، مطلب ضروري بلا شك، إذ لا يجوز الاستمراربتقاعس تقديم الخدمات الصحية اللازمة لمخيم يضم أكثر من 25 ألف نسمة. ولكن،هل بناء المستشفى يحل المشكلة وينهيها؟ فهناك مستشفى "صفد" في مخيم البداوي، إلا أنها غير قادرة على تقديم الخدمات الصحية اللازمة لضعف الإمكانيات وعدم توفر غرفة عناية مشددة. إذا، ليست المشكلة خاصة بنهر البارد وحده ، بل هي مشكلة تعاني منها المخيمات الفلسطينية كافة، وعلى الأونروا تحمل مسؤوليتها بإيجاد حل دائم وجذري.
قصور صحي، حصد مجدداً أرواح الفلسطينيين في لبنان، ثلاثة أيام بقي فيها وهبي في غيبوبة بغرفة عادية في المستشفى الإسلامي بطرابلس دون التمكن من إيجاد بديل أو علاج نهائي، ثلاثة أيام صرخت والدة وهبي أمام أبواب المستشفيات.. إلا أن أحداً لم يسمع أنينها.. سوى الشعب .. "لا سيما اللبناني"
فهل يمكن القول أن باباً قد فتح أمام الفلسطينيين بوقفة اللبنانيين إلى جانبهم هذه المرة .. ويكون موت وهبي .. الموت الأخير؟؟
