راغدة عسيران
منذ إقامة "سلطة الحكم الإداري الذاتي المحدود" على جزء من الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 وتجزئة الوطن، وتغلغل الجمعيات غير الحكومية الأجنبية والوطنية في المجتمع الفلسطيني، ومنها الجمعيات الحقوقية، لاستبدال لغة الحق الفلسطيني المطلق بالأرض والمقدسات بلغة حقوقية تابعة للهيمنة الغربية على المنطقة، أصبح التوجه الى محاكم العدو سمة بارزة في العمل النضالي الفلسطيني، في الداخل المحتل عام 1948 أو في الأراضي المحتلة عام 1967.
ينطلق هذا التوجه من الشعور بأن القضاء الصهيوني، وخاصة ذراعه الأعلى، أي المحكمة العليا "الإسرائيلية"، قد يقف في وجه الأجهزة الصهيونية الأخرى، السياسية والأمنية، وقد يبطل قراراتها المعادية للشعب الفلسطيني، المتعلقة بنهب الأرض وتدمير المنازل وتعذيب الأسرى وانتهاك حقوق الفلسطينيين الانسانية والطبية والتعليمية وغيرها. وكان لإحراز "انتصار" في بعض القضايا خلال الفترة الماضية كاسترجاع أرض مسلوبة في بعلين أو وقف هدم منزل في القدس أو تأخير هدم قرية أم الحيران غير المعترف بها في النقب تشجيعا على المضي قدما في هذا التوجه، دون النظر الى انعكاسه على القضية الفلسطينية والى دلالاته الحالية والمستقبلية.
في الآونة الأخيرة، اتضحت الأمور، وظهرت هذه المحكمة الصهيونية على حقيقتها، كونها ليست سوى جهاز مكمّل للأجهزة الأخرى، يهدف الى تطبيق الإجرام الصهيوني بكل حذافيره، وذلك قبل تصويت الكنيست على "قانون القومية" الاقتلاعي الذي خلع القناع.
يكفي التذكير ببعض القرارات الأخيرة، حيث رفضت المحكمة العليا إلتماسا لوقف تنفيذ اعتقال شيخ العراقيب، الشيخ صياح الطوري، والتماسا لعدم تهجير أهل حيّ بطن الهوى في سلوان، ورفضت التماس عائلة فلسطينية لوقف هدم منزلها في مخيم الأمعري في رام الله، كما رفضت التماسا للنظر في شكوى الأسير المحرر فراس بطيش، من حركة حماس، ضد تعذيبه في السجن، واعتبرت أن "الأساليب الخاصة" التي استخدمت معه "هي وسائل شرعية". في المقابل، أصدرت أمرا احترازيا ضد هدم منزل البطل أشرف نعالوة، ليس حبا بالفدائي وأهله، بل لأن قرار الهدم "يعتبر غير مألوف"، "بسبب عدم القبض على منفذ العملية ولم يجر تحقيقا ولم تحصل السلطات على اعتراف بارتكاب العملية"، كما جاء على موقع "يديعوت أحرونوت" الالكتروني. كما أوقفت المحكمة قرار طرد طالبة أميركية (من أصل فلسطيني) قدمت الى الكيان للدراسة في جامعاتها وأوقفت هدم خان الأحمر.
تشير هذه النقاط الأخيرة الى محاولة المحكمة العليا، المؤلفة من كبار القضاة الصهاينة، الى إضفاء صفة "الحيادية" على قراراتها، وكأنها تقف على مسافة واحدة بين الشعب الفلسطيني والأجهزة الصهيونية الأخرى، لتبييض وجه الاحتلال لدى المجتمع الدولي وعدم إستفزازه (في الخان الأحمر) ولدى الفلسطينيين أيضا، ما يعني في نهاية المطاف، أن الجهاز القضائي الصهيوني، وخاصة محكمته العليا، يساهم في شرعنة وجود الكيان الصهيوني بادعائه العمل وفقا للمعايير الدولية.
في دراسته (1995) لموقف الشعب الإفريقي من القضاء العنصري في جنوب إفريقيا العنصرية، يعتبر الكاتب ستيفن إلمان أن ثمة عوامل تجعل المضطهدين يلجأون أحيانا الى قضاء المستعمِر، منها الشعور بالحاجة الى "نظام" يعلو فوق الاضطهاد والقرارات الجائرة بحق المستضعفين، والميل الى احترام القانون بشكل عام، وتصرّف القضاء أحيانا كوسيط بين "المتخاصمين"، وتأثير المحامين الليبراليين "البيض" الذين كسبوا بعض القضايا في الدفاع عن المعتقلين السياسيين، ما منح الثقة بالقضاء الاستعماري.
يجب إضافة الى هذه العوامل عدم الثقة بقدرات الشعب على مواجهة عنف المستعمِر وتدخّل المنظمات غير الحكومية على الساحة السياسية الفلسطينية، لا سيما في الداخل المحتل عام 1948، اذ يشير المحامي علاء محاجنة (جدل 2012) الى أنه كلما لجأ الفلسطينيون الى المحاكم الصهيونية للدفاع عن حقوقهم، كلما "تراجع اتباعهم لوسائل نضالية خارج حلبة القانون بغية تحقيق أهدافهم"، في حين أثبتت الأحداث أن النضال الجماهيري الواسع ضد الإعتداءات الصهيونية (أراضي الروحة في المثلث، قرية العراقيب وقانون برافر، مسألة الكاميرات على بوابات الأقصى) هو الطريق المؤكد للإنتصار على المحتل وتراجعه.
ولكن، يضيف محاجنة، "ازداد الاعتماد على استخدام الفلسطينيين للمحاكم "الإسرائيلية"، وأصبح ذا طابع مؤسسي" و"الخيار الوحيد"، وأمرا "مقبولا وواسع النطاق لدى معظم الفئات والأحزاب السياسية الفلسطينية في إسرائيل"، ما يعكس "قدرا كبيرا من الثقة في النظام القضائي "الإسرائيلي"، وعلى رأسه المحكمة العليا".
من جهة أخرى، قد يتمكن الفرد الفلسطيني من استرداد حقه في بعض الأمور، من خلال المحاكم الصهيونية، كما حصل في قضية "قعدان"، الفلسطيني الذي أراد شراء قطعة أرض للسكن في مستعمرة صهيونية مقامة على أراضي قريته، فواجه قرار المستوطنين الرافضين له باللجوء الى المحكمة الصهيونية. غير أن انتصاره الفردي لا يتعارض مع ايديولوجية المحكمة العليا التي تتعامل، كباقي الأجهزة الصهيونية، مع الأفراد وليس مع الشعب غير المعترف به وبحقوقه، وليس مع المجتمع الذي جزأه الاحتلال الى أقليات ضمن الأقلية. قد ينتصر أحيانا الفرد، الذي آمن بـ"عدالة" القضاء الصهيوني، ولكن هذا الانتصار الفردي لا يدلّ على "عدالة" المحتل بقدر ما يدلّ على عملية تفتيت المجتمع الفلسطيني وطمس هويته الجماعية.
تشير الكاتبة حنين معامنة (2013) الى خطورة التوجه الى المحاكم الصهيونية للبت في قضايا وطنية، كما فعلت جمعية "عدالة" و"جمعية حقوق المواطن في إسرائيل" (جمعية "إسرائيلية") عندما قدمتا التماسا الى المحكمة العليا الصهيونية ضد دستورية "قانون النكبة" الذي يحرم تمويل أي نشاط يعتبر أن "يوم الاستقلال" الصهيوني يوم حداد.
تكمن الخطورة في تلك الخطوة كونها تجعل هذه الأمور الوطنية "عرضة للتباحث بها لدى الآخر وفق لغته ومعاييرة وأدواته"، حيث يضطر المتوجّه الى المحاكم الصهيونية صياغة شكواه باللغة التي يقبلها العدو، أي بنفي الصفة الوطنية الجامعة لمعنى النكبة، في هذه الحالة. اضطرت الجمعيتان الى طرح موضوع النكبة كقضية "حق التعبير عن الرأي والحرية الأكاديمية" بعد "نزع الصبغة السياسية والمحتوى التاريخي للنضال"، وكقضية خاصة بفلسطينيي 48، كما ورد في فاتحة الإلتماس: "تطوّر هذا المعنى (مصطلح "النكبة") لم يبدأ في الشتات الفلسطيني، وإنما تحديداً بين المثقفين والأدباء والشعراء الفلسطينيين مواطني دولة إسرائيل"، ما يعني أن أحد الشروط للاحتجاج أمام المحاكم الصهيونية هو التماهي مع مشروع تجزئة الشعب الفلسطيني، حتى في قضاياه الوطنية الجامعة. ولكن الأخطر في الموضوع، كما كتبت حنين معامنة، هو إفراغ معنى النكبة من محتواه التاريخي والسياسي والأخلاقي، الذي يدين كيان العدو ومستوطنيه ويؤسس للنضال الفلسطيني، ليصبح فقط "رمزا" وذاكرة، يجب المحافظة عليها كجزء من تأسيس الكيان. ورغم كل هذا التفريط، رفضت المحكمة العليا الصهيونية الإلتماس.
حوّل التوجّه الى المحاكم الصهيونية من قبل الفلسطينيين وجمعياتهم القانونية ساحة النضال الجماهيري إلى ساحة مغلقة يتحكّم بها المستعمِر، فارضا على الخصوم الإعتراف بشرعيته كأحد أجهزة الكيان الاستيطاني وبشرعية قراراته، التي تنفي حق الشعب الفلسطيني بأرضه وتاريخه وهويته. و"القانون الإسرائيلي هو جزء لا يتجزأ من الأدوات الاستعمارية القمعية التي لازمت المشروع الصهيوني" (مرح خليفة، مدى الكرمل، 2018). واليوم، بعد إصدار "قانون القومية" الإقتلاعي، توضّح المشهد أكثر، حيث سيشكل هذا القانون "الأساس" المعيار الأول للبت في القضايا المطروحة أمام القضاء الصهيوني. لذلك، فإن مقاطعة القضاء الصهيوني يعني نزع الشرعية عنه والعودة الى النضال الجماهيري ضد العدو.
راغدة عسيران
