في وقت تشهد فيه الأراضي الفلسطينية، عامة، والقدس بخاصة، أوسع وأكبر حملة تهويدية، تشمل إضافة إلى محاولات السيطرة على مئات آلاف الدونمات في منطقة النقب جنوباً، ومصادرة مشاعات وأملاك المدن والقرى الفلسطينية شمالاً، بالتلازم مع تهديد آلاف المباني الفلسطينية، بالداخل الفلسطيني المحتل بالهدم، بحجة البناء بدون ترخيص... وانتشار السرطان الاستيطاني الصهيوني في مختلف مناطق الضفة المحتلة، التي تحولت إلى أجزاء متناثرة من المدن والقرى يفصل فيما بينها أكثر من 840 حاجزا صهيونياً وطريقاً التفافية، ويشكل التركيز على مدينة القدس العنوان الأبرز في هذا المخطط التهويدي السرطاني، لما تحمله المدينة من قيم ومعان على كل الصعد والمستويات: الدينية والقومية والوطنية والانسانية، فهي تحتضن كنيسة القيامة، والمسجد الأقصى المبارك، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، المستهدف بالتدمير من قبل العصابات الصهيونية لإقامة الهيكل المزعوم...
في هذا الوقت جاء دعم الرئيس الأميركي دونالد ترامب لمخططات حكومة العدو ومشاريعها ومخططاتها الاستيطانية، محفزا لحكومة بنيامين نتنياهو لتسريع عمليات الاستيطان والتهويد، وإعلان رفضه المطلق لتفكيك أية مستوطنة، بخاصة بعد إعلان ترامب اعترافه بالقدس عاصمة للكيان ونقل سفارة بلاده إليها، وتقديم كل أشكال الدعم المادي والمعنوي والتغطية الشاملة على ممارسات حكومة تل أبيب الفاشية العنصرية ومشاريعها الاستيطانية والتهويدية، ودعوة "حلفاء" أميركا في المنطقة ممن يدعون بدول "الاعتدال" للمسارعة إلى تطبيع العلاقات مع حكومة تل أبيب، وفتح الأبواب المغلقة وبشكل علني أمام تبادل الزيارات والوفود السياسية والشعبية والرياضية والمهنية على اختلاف مسمياتها ومستوياتها، تحضيرا لإقامة الحلف الاستراتيجي و"الناتو العربي"...
في ظل هذه الظروف والتطورات الصعبة والمعقدة، والتي تتبارز فيها بعض الدول العربية عامة والخليجية بخاصة، لاستقبال قادة العدو وفرقه الرياضية، ورفع العلم الصهيوني في الملاعب وعلى طاولات المؤتمرات، تنطلق بعض الفتاوى والدعوات من حكام ومسؤولين وسياسيين وقوى "لتشجيع مواطنيها على زيارة" القدس المحتلة، بحجج ومبررات مختلفة، لكنها تصب في خانة واحدة هي "دعم صمود المقدسيين، وتعزيز وجودهم فوق أرضهم وفي بيوتهم ومتاجرهم وأملاكهم، والدفاع عن المقدسات وفي مقدمتها المسجد الأقصى المبارك...
وقد أثارت هذه الدعوات ولا زالت الكثير من النقاش والجدال حول صحة تلك المبررات والحجج والتي روجت لبعضها سلطة رام الله، كقولها "إن زيارة السجين لا تعتبر اعترافا بالسجان"، وقد ردد هذا القول الكثير من الوفود والشخصيات التي زارت المدينة والتقت مع قادة العدو، واستقبلها المقدسيون بالحجارة والأحذية والطرد...
فالرأي العام المقدسي يعتبر أن كل تلك الزيارات إنما تصب في خانة التطبيع مع كيان العدو الصهيوني، وهي لا تفيد المقدسيين ولا القضية الفلسطينية من قريب أو من بعيد، لا بل تختبئ وراء هذه الزيارات الكثير من المشاريع والمخططات التي تساهم بتسريب الأملاك العربية إلى المستوطنين.
وقد حذر قادة القدس من مثل هذه الزيارات ودعوا لوقفها. وكثيرا ما أعلنوا أن الطريق إلى دعم القدس والمقدسيين لا تمر بمثل هذه الزيارات السياحية التطبيعية التي لا يستفيد منها سوى العدو الصهيوني الذي يستغلها لتبييض صفحته إعلاميا باعتباره يوفر "الأمن" والأمان" لمثل هؤلاء "السواح"، الذين لا يدخلون إلى الأراضي المحتلة ولا يتجولون ولا يزورون الأماكن المقدسة ولا يصلون في باحات الأقصى إلا بإذن مسبق من سلطات الاحتلال، وبحماية أجهزة أمن ومخابرات العدو وشرطته...
فكيف إذن تدعم مثل هذه الزيارات السياحية المقدسيين؟.. وكيف تساهم في عدم "إطفاء قناديل المدينة المقدسة"؟.