لا تزال هجرة اللاجئين الفلسطينيين من مخيمات لبنان إلى الدول الأوروبية وغيرها، تجري بشكل علني حيناً وسري حيناً آخر، في إطار خطة يبدو بعضها ممنهج ، يهدف إلى تفريغ المخيمات من أبنائها ، بعد أن يروج لها أدعياؤها ي بأنها توفر لهم أمنية وحلماً وردياً جميلاً ، غير أن هؤلاء المغرر بهم ، ما أن يبدأ مشوارهم نحو جحيم المجهول ، حتى يصطدموا بالواقع المأساوي ، وهنا تتفاقم المشكلة، بعد أن تتراكم عليهم الديون، ويفشلون في إيجاد ضالتهم في الغربة !!
أما الذين مر على وصولهم فترة من الزمن، وحصلوا على أوراق تبوثية، فهم أيضا يعيشون في حرمان، لكي يتمكنوا من زيارة المخيم ولقاء الأهل والأصحاب كل عامين أو ثلاثة، رغم أن البعض ينظر إليهم على أنهم من المحظوظين.
عن أحوال المهاجرين ، تحدث بعضهم عبر الهاتف لـ"وكالة القدس للأنباء" ،عل أصواتهم تجد صدىً عند العازمين على الهجرة ، ويتعرفوا إلى حقيقة معاناتهم.
عامر خريج الهندسة المعمارية، قضى عامين في البحث عن العمل في لبنان إلا أن جنسيته الفلسطينية وقفت عائقاً بينه وبين أي وظيفة في تخصصه، فبدأ يطمح للهجرة في وقت كانت فيه الهجرة حديث الساعة حيث ترافقت مع هجرة السوريين.
اجتاز عامر الحدود بين عدة بلدان سيراً على الأقدام، وبعد رحلة طويلة وصل إلى ألمانيا ، غيرأن رحلته لم تتكلل بالنجاح.
يقول عامر : " الغربة تربة وألمانيا أكبر كذبة، كل شي انحكى كان كذباً، خصوصاً للفلسطينيين، عم ببهدلونا لا أوراق ولا عمل ولا في تسهيلات، التسهيلات بس للسوريين ما في شي بالمختصر"
بدوره عبدالله دحويش يتذكر جيداً بعد ثلاث سنوات ، انتظاره في البرد القارس نهاراً بأكمله، وفي مكان مفتوح لنيل المساعدة المالية، أو حتى إغلاق الهايم في وقت مبكر وشروطه المتعددة.
ينصح عبدالله " كل شخص بعدم الهجرة، حتى لو كان طعامه خبزاً فقط، فنحن انخدعنا بألمانيا ولا نريد أحداً أن يخطيء مثلنا، ومن يشجعكم على الهجرة ويغريكم بالطبابة المجانية يضحك عليكم، فنحن نموت في كل يوم. بعيداً عن العائلة، محرومون من الأصحاب وممنوعون من العمل والأوراق صعبة المنال". ويسم بالله أن "نبقى في أرض الرباط أفضل من الهجرة بكثير".
محمود إبن 16 سنة ترك المخيم منذ سنتين، لتحقيق حلمه وحلم أهله الذين يعيشون في مخيم برج الشمالي في ظروف صعبة.
محمود الذي يسعى إلى تحسين ظروف عائلته، وإلى تخفيف العبء عن والده المريض، والأعمال الشاقة التي يقوم بها لتأمين لقمة العيش، يشعر بالوحدة والحنين إلى أهله، يحذر من أن " الغربة مرة، خاصة عندما تترك أمك وأهلك واخواتك وأصدقاؤك، لتحلق بحلمك بعيداً عنهم، فكم كان صعباً علي أن أكون وحيداً دون يد أمي الحنونة على جبيني عندما أمرض، وصوت والدي الدافئ حين أدخل إلى البيت، لكن اليوم لا أجد أحداً سوى جدران المنزل وعتمتها".
ويتابع :" لا أنصح أحداً أن يترك أهله وإذا أراد السفر فليأخذ أمه معه."
حديثنا مع محمود ذكره بتلك الليالي التي بكى فيها كثيراً، بكى ليالي الغربة، كيف لا وهو طفل يحتاج إلى الرعاية، إلا أن الحياة جعلته أكبر بكثير من عمره، جعلته يقطع على نفسه وعداً لأمه و أبيه المريض بأن يحقق لهم شيئاً.
اختلفت أسماؤهم إلا أنهم تشابهوا في الوجهة والحلم، أحلامهم بسيطة تتلخص بالبحث عن حياة كريمة وعمل يكفيهم العوز، لكن الهجرة لم تكن حبلاً للنجاة بل كانت حبلاً للإعدام حسب توصيفهم .
يذكر أن بعض المصادر تشير إلى أن عدد المهاجرين عبر أحد المكاتب السرية الذائعة الصيت في المخيمات، بلغ ١٥٠٠ شخصاً، أما الذين هاجروا عبر البحر أو براً مع مكاتب أخرى، فلا تزال أعدادهم مجهولة !.