/مقالات/ عرض الخبر

من قضايا "السكان الأصليين"

2018/11/20 الساعة 08:46 ص

وكالة القدس للأنباء – متابعة

مقال بقلم / عامر محسن

كانت لديّ، منذ زمنٍ، مشكلة مع الاحتفاء العربي (المبالغ فيه) بأيّ باحثٍ أو اكاديمي غربي، وبخاصّة إن كان اسرائيلياً، إن كان في كتاباته منصفاً للتاريخ، أو اعترف بالنكبة والتهجير، أو أخذ خطّاً يعارض السرديّة الصهيونيّة وتأريخها. نعامل لقيةً كهذه على أنّها «نصر»، ودليلٌ على استدارة العالم صوبنا، وأنّ إحقاق الحقّ بدأ يدنو، طالما أنّه توثّق في دوائر الغربيين وقد «شهد شاهدٌ من أهله»، ونعتبر الشخص المعني «حليفاً» بشكلٍ تلقائي، ونقدّره من دون نقديّة (حتى ولو كان «صهيونيا معتدلاً» مثل نوام تشومسكي).

اعتراف «الآخر»

المشكلة من جزئين، الأوّل يتعلّق بنا نحن، وليس بهؤلاء الغربيين؛ وكتاباتهم ومواقفهم واعترافهم بمآسينا هي أمرٌ جيّد ومقدّر (وإن كان في الوقت نفسه طبيعياً و«متوقّعاً»، فلا باحث يحترم نفسه اليوم يمكنه أن يزعم، كما كان الصهاينة يفعلون في الماضي، بأنّ التهجير والتطهير العرقي لم يجرِيا في فلسطين، أو أن يسترشد بالتاريخ التوراتي، أو أن ينكر أحداثاً تراكمت عليها الدلائل والشهادات). المسألة هي أنّنا، ونحن نبتهج بالأجنبي حين يخبرنا أموراً كنّا نعرفها أصلاً (وبالخبرة والتجربة)، نخلط أحياناً بين الكتاب البحثي وبين الفعل السياسي، ونتخيّل أن «اعتراف» الآخر بنا يقرّبنا خطوةً الى استرجاع حقوقنا. ولكن، في الواقع، لا توجد أي علاقة، من أي نوع، بين أن «تعترف» الاكاديميا بحقّك وبتاريخك، وبين أن يتغيّر شيء على الأرض.

العالم البحثي بأسره يجمع، مثلاً، على أنّ أقاليم التيبت وشينجيانغ قد دمجتها الصّين بطريقة استعمارية خلال القرنين الماضيين، ولكن هذا لا يعني بأن هذه الأقاليم ستنفصل عن الصّين أو تحظى باستقلال، ولا أحد سيرجع الساعة الى الوراء. الأدبيات كلّها في الغرب تفصّل في تاريخ الاستيطان الاستعماري في «العالم الجديد»، وابادة السكّان الأصليين، وتراث العبودية واستغلال الأفارقة، ولكن هذا لم يصنع أيّ فارقٍ بالنسبة الى بقايا الهنود الحمر وأحفاد العبيد. بل إنّه أصبح في وسع مؤرّخ صهيوني مثل بيني موريس أن يعترف بحصول التهجير وجريمة النكبة، ثمّ يضيف ببساطةٍ أنّ هذا التطهير العرقي كان ضرورياً، بل إنّه كان «ناقصاً»، فلو اكتملت ابادة «السكان الأصليين»، لما كان هناك اليوم صراع عربي ــــ اسرائيلي.

أكثر من ذلك، ففي هذا «الاعتراف»، حين يأتي من المؤسسة الغربيّة، جانبٌ مكرب: في التقليد الأكاديمي الحديث، الأمم تتحدّث عن «خطاياها» الماضية بعد أن تطمئنّ الى أنّ الاعتراف لن تكون له قيمةٌ. أي أنّه، من وجهة نظر حركة تحرّرٍ وطني، حين يبدأ «الآخر» بالتعاطف معك، فهذا ليس أمراً يدعو الى الإطمئنان. كان صديقٌ يقول لي ما معناه إنّه من «الطبيعي» للأمم القويّة أن ترتكب جرائم وفظائع خلال صعودها، تجاه أهل الداخل وتجاه الآخرين. ولكن من «الطبيعي» ايضاً، بالمقابل، أن يعترف أحفاد هؤلاء بما جرى، ويكتبوا رسائل بحثية عن تاريخهم، ويشعروا بوخز الذنب ــــ حين لا يعود لذلك من نتائج عمليّة (أمّا أن تنكر «خطيئتك الأصلية» بعد مرور الزمن وتوالي الأجيال، وتكابر، فهذه تصبح وقاحة).

بل إنّ جوّ السّماح الليبرالي هذا يعطي شرعيّةً، في حالاتٍ كثيرة، للمؤسسة الاستعمارية ذاتها؛ فيتفاخر بيني موريس (في مقالٍ نشره في «نيو ريببلك» منذ سنوات، يهاجم فيه ايلان بابيه) بأنّ كثرة من الاساتذة في أقسام العلوم الاجتماعية في اسرائيل هم اليوم «بعد صهيونيين» ويختلفون مع الايديولوجيا المؤسسة ولا يضيرهم ذلك بشيء (ولكن موريس يعترف بأنّ الحال لم تكن كذلك في الستينيات والسبعينيات. وفي وسعنا أن نضيف أنّه، حين يعود التهديد الوجودي ليحوم فوق الكيان، فسوف يختفي هذا «التسامح» من جديد).

الجزء الثاني من المشكلة يتعلّق بإخراج الصراع مع الصهيونية على أنّه محض خلاف على الأرض بين مستوطنين وبين «سكان أصليين»، هم العرب الذين كانوا يقطنون أرض فلسطين عشية النكبة. هذه النظرة هي التي أوصلت الى وهم «حلّ الدولتين» (والى وهمٍ أخطر، لدى نخبٍ عربية، بأنّ اسرائيل قد تعطي بالفعل دولة مستقلة للفلسطينيين)، وهي لا تستجيب الى المظهر الأهمّ للصهيونيّة. لشرح هذه النقطة فلنفترض، كتمرينٍ ذهنيّ، أنّ اسرائيل قد عقدت، بالمعنى القانوني والدبلوماسي، سلاماً مع الفلسطينيين، وأصبحت لهم دولة الى جانب الكيان الصهيوني. هذا شبه مستحيل لأسباب «بنيوية»»، ولكن فلنأخذه كافتراض: أن اسرائيل قد نجحت في فرض اتفاقٍ على النخب الفلسطينية، وقمعت حركات المقاومة والاعتراض، وحصل «سلام» وحلّ «النزاع». فهل هذا سيعني نهاية مشكلتنا مع الصهيونية؟

لو تحقق هذا السيناريو، فإن ما سيحصل مباشرةً بعده سهل التنبؤ، وهو أنّ اسرائيل ستلتفت الى المنطقة، هي واميركا والسعودية وباقي «الحلفاء»، وسيكملون سوية سياستهم الحالية في سحق الشعوب، في ساحات حربها في اليمن والعراق وسوريا وغيرها، وفي ابقاء ملايين آخرين من العرب الفقراء تحت حكم أنظمةٍ تابعة. سنعود، بالضبط، الى مكاننا الحالي. انحيازك الى الفلسطينيين سيصطدم سريعاً بـ«سقفٍ سياسي» إن لم يكن جزءاً من موقفٍ ضدّ الصهيونية وأخواتها. ولهذا السبب ايضاً، لا يمكن أن تكون هناك، يوماً ما، دولة فلسطينية من دون أن تكون دولةً «مقاومة». نحن كلّنا، في الجنوب العالمي، «سكان أصليّون»؛ نحن الشعوب التي نجت، وإن جزئياً، من موجة التوسّع الاوروبي التي انطلقت في القرن السادس عشر ــــ فكثير من الشعوب أبيدت، وقارات كاملة أفرغت من أهلها. نحن البلاد التي لم تمتلك يوماً سيادة، وحظيت بالموقع الاسوأ في النظام العالمي، ولم يتح لها حتّى أن تصبح بلاداً حقيقية. الجذرية هنا هي أن نواجه واقعنا كما هو.

المصدر: صحيفة "الأخبار" اللبنانية – بتصرف

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/133268

اقرأ أيضا