قائمة الموقع

نظام تمييز عنصري أم كيان إحلالي؟

2018-10-22T05:43:08+03:00
جيش العدو
وكالة القدس للأنباء – متابعة

مقال بقلم / راغدة عسيران

في دراسته "الاستعمار الاستيطاني وإلغاء (الشعب) الأصلاني"، يشير الباحث الراحل باتريك وولف، مؤسس الدراسات حول "الاستعمار الاستيطاني" إلى عملية الإلغاء التي يتميّز بها الاستعمار الاستيطاني أينما حلّ، في أستراليا وأميركا وفلسطين على سبيل المثال، خلافا لاستعمار من نوع آخر يتعامل مع البلد المستعمَر كخزان للمواد الأولية ولليد العاملة وكسوق لمنتجاته، مع الاختلاف في التعامل مع الشعوب. يميّز مثلاً بين الأفارقة المستعبدين في أميركا والشعوب الهندية، صاحبة البلاد الأصلية من ناحية تعامل المستعمر معهم. لقد أباد الأمم الهندية لأنها صاحبة الأرض والبلاد التي يطمح إلى استملاكها، في حين مارس العبودية ثم التمييز العنصري إزاء الأفارقة، بل وشجعّهم على التكاثر، من أجل استغلالهم بأبشع الصور، دون الخشية من أن يطالبوا بحقهم في الأرض، الأساس في كل عملية استعمارية استيطانية. 

اختلاف التعامل مع الأفارقة (عبودية وتمييز عنصري) ومع الأمم الهندية صاحبة البلاد (الإبادة)، في القارة الشمالية الأميركية، من قبل المستوطنين الأوروبيين، يؤسس لاعتبار الكيان الصهيوني كيان "التمييز العنصري" أو كيان إحلالي في فلسطين. في الحالة الأولى، أي التمييز العنصري، يحافظ المستعمِر على اليد العاملة التي يستغلها ويبعدها عن القرار السياسي، ويسجنها في معازل سكنية، يتم إدارتها بشكل شبه مستقل (إدارة ذاتية في ظل سيطرة المستعمِر الأمنية). أما في الحالة الثانية، أي الإبادة أو الترحيل أو الإثنين معاً، يتم السطو على الأراض واستيطانها بشرياً، والاستغناء عن القوى العاملة (من الشعب الأصلاني) واستجلاب قوى عاملة أجنبية لا يمكنها مزاحمة المستعمِر الاستيطاني على الحق في الأرض.

في فلسطين بعد النكبتين، حيث تم تهجير أكثر من نصف سكانها، تبدو الأمور معقدّة بسبب اختلاف الأنظمة السياسية التي نجمت عن هذا الاستعمار الاستيطاني. لقد أفشلت مقاومة الشعب الفلسطيني والبيئة العربية والإسلامية الداعمة له استكمال الإبادة (أو الترحيل) بالشكل الذي يسمح بإقامة المعازل السكنية لمن بقي على أرضه، ومأسستها، كما هو الحال في الولايات المتحدة اليوم بالنسبة للشعوب الهندية، فمنعت الديمغرافيا الفلسطينية تطبيق نموذج المعازل الأميركية في فلسطين المحتلة، أي نموذج المعازل ما بعد الإبادة (أو الترحيل)، ما تأسف عليه الزعيم الصهيوني بن غوريون عندما تجوّل في الجليل بعد نكبة 1948 قائلاً إنه كان يجب عليهم "تطهير" المنطقة  كلياً من العرب.

الإلغاء، بالنسبة لوولف، يعني أيضا إلغاء "روح" الشعب الأصلاني، أي ثقافته، عاداته، عقائده وتاريخه ونمط حياته، والتعامل معه كأفراد وليس كأمة أو شعب. بعد عملية الإبادة في أميركا، عملت الجمعيات التربوية الإنسانية "المحبّة" للهنود، وفقاً لمبدأ "اقتل الهندي الذي في داخله وأنقذ الإنسان"، لأن الهندي يظل هندياً طالما بقيت الجماعة، التي تطالب بالأرض المسلوبة (الأرض كملكية جماعية وليست فردية)، أما الفرد الهندي فيفقد "هنديته" عندما يتم استيعابه في المجتمع الغازي (أو"توطينه" في المجتمعات الأخرى). يصف الباحث هذه العملية بـ"الإبادة"، وينتقد من يجزّئ الإبادات، كما يفعل الكثيرون بالنسبة للشعب الفلسطيني، بتوصيف حالته بـ"الإبادة الثقافية" أو "الإبادة السياسية" أو "الإبادة المجتمعية" لتجنّب كلمة "إبادة" التي اعتبروها خاصة باليهود في أوروبا، حيث عملية الإبادة، يقول وولف، لا تعني بالضرورة القتل الجماعي ولا القتل الجماعي يعني بالضرورة إبادة، مهما بلغ عدد الضحايا، لأن الإبادة هي أيضاً قتل روح الجماعة، والاستيلاء على أرضها التي من خلالها تنظّم حياتها، وتحريف تاريخها باعتبارها وافدة لا أصلانية. في الحالة الفلسطينية (بخلاف الحالة الاسترالية أو الكندية)، كما لاحظ الباحث، يتم أيضاً تبديل أسماء الأماكن بشكل منهجي لمحو تاريخ الشعب الأصلاني.

دراسة التاريخ المعاصر الفلسطيني يقود إلى اعتبار أن الغزو الصهيوني لفلسطين يهدف إلى الاستيلاء على الأرض واستيطانها وطرد شعبها، أي إحلال الجماعات اليهودية مكانه وعلى أرضه. وهي عملية متواصلة؛ لأن النكبة ليست حدثاً، بل "بُنية" كما جاء في كلام وولف: "الغزو الاستيطاني بُنية وليس حدثاً"، في نقده للدراسات المصنّفة "ما بعد الاستعمارية"، لأن الغزو الصهيوني، وما نتج عنه من نكبات متتالية، مؤسِّس ليس للمجتمع الاستيطاني فحسب، بل لممارساته اليومية مع الآخر الفلسطيني والعربي، ويتمحور حول عملية الغزو والإبادة والإحلال وتحريف التاريخ والسطو على المقدسات وتشريع قوانين عنصرية وأنظمة متنوعة بتنوع درجة سيطرته على الأرض، وهو يواصل ابتلاعها والإغارة على ما لم يبتلعه بعد.

الصراع هو إذاً صراع وجود، بين المستوطنين والسكان الأصليين، كما ورد في الوثيقة السياسية لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين (2018): "الصراع مع الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، هو صراع وجود لا صراع حدود، ولا صراع ضد نظام تمييز عنصري "أبارتهايد". فـ"إسرائيل" موجودة لتغييب فلسطين من الوجود، واليهود الغرباء موجودون حيث هم، لأن الفلسطينيين، أصحاب الأرض الشرعيين، طردوا من أرض آبائهم وأجدادهم بقوة السلاح وبالإرهاب الصهيوني"، ما يعني أن الأساس هو عملية الإبادة أو الترحيل والاستيطان، وقد تم الاستعانة، بعد الترحيل القسري، بالقوانين العنصرية وممارسات التمييز العنصري والاعتقال والتضييق على الحركة والعمل، كأدوات للوصول إلى الهدف الاساسي، عبر الترحيل الطوعي. وتعتبر محاولة إلغاء صفة اللاجئ عنه إحدى الوسائل لقتل روحه الجماعية (إلغاء الهوية الفلسطينية عبر التوطين) ومنعه من العودة إلى أرضه.

بعد إصدار قانون القومية الصهيوني، تصاعدت الأصوات المندّدة بهذا القانون المؤسس لـ"التمييز العنصري" في الكيان الاستيطاني إزاء من بقي في أرضه ومن يتصدى لاقتلاعه منها. إلا أن هذا القانون الذي يُهدي الأرض الفلسطينية للجشع الاستيطاني على "أرض إسرائيل" هو فعلياً قانون يكرّس إلغاء فلسطين من خارطة العالم، كما هدفت إليه الحركة الصهيونية، كجغرافيا وتاريخ وحضارة، ويؤكد على عملية الإبادة، بحيث أن النكبة ليست حدثاً بل عملية متواصلة.

التركيز على "التمييز العنصري" لا يأخذ بعين الاعتبار إلا نصف المشهد الحالي أو أقل، لأن تدمير القرى، وعدم الاعتراف بوجودها أصلاً، وعدم اعتراف بوجود الشعب الفلسطيني كوحدة متكاملة بكل مكوناتها، وتغيير أسماء الأماكن المحتلة، وتهويد مدينتي القدس والخليل، وتحريف التاريخ، ومواصلة الزحف الاستيطاني، ومنع البلدات الفلسطينية في الجليل والمثلث من التوسع الطبيعي، أمور تندرج أساساً تحت بند الإلغاء والإحلال، وبشكل ثانوي، تحت بند العنصرية والتمييز العنصري، وفقط عند المقارنة مع المستوطنين. إضافة إلى أن اعتبار الكيان الصهيوني "نظام تمييز عنصري" يلغي أو يبعد أو يقلل من أهمية عملية التهجير التي تمت في 1948 وما بعد، في حين تمثل هذه العملية لبّ القضية، لأن المشروع الصهيوني يتميّز عن أي مشروع استعماري آخر بالتهجير والإحلال وسرقة الأرض.

فاعتبار الكيان الصهيوني الاستيطاني الاحلالي عبارة عن "نظام تمييز عنصري" يجزئ الأرض والشعب والقضية، لأنه يستند إلى بعض تجلياته بدلاً من الاستناد إلى مشروعه بتجلياته كافة، أولها عملية التهجير ومسألة اللاجئين، وينطلق من شرعنة وجود المستوطنين وكيانهم على أرض فلسطين، كما أقرت به "الشرعية الدولية"، عندما تتم مقارنة تعامل المؤسسة الصهيونية مع الفلسطينيين بتعاملها مع المستوطنين (المواطنين اليهود)، للمطالبة بالمساواة والاعتراف بحقوق الآخر (الفلسطيني). وأخيراً، ورغم الاختلاف الكبير بين قضية إفريقيا الجنوبية التي يأخذها المنادون بـ"التمييز العنصري" نموذجاً للنضال، والقضية الفلسطينية، تشير الإحصائيات إلى أن المستوطنين البيض الذين كانوا يمتلكون 85% من الأراضي يوم انتهاء نظام الفصل العنصري (1993) ما زالوا يمتلكون 72% منها في عام 2018، في حين لا يشكلون أكثر من 10% من سكانها.

اخبار ذات صلة