العنوان الأصلي: Israel’s “Psychological Obstacles to Peace”
الكاتب: Lawrence Davidson
المصدر: Counter Punch
التاريخ: 18 تشرين أول / اكتوبر 2018
الفهم ليس تبريراً
ثمة فرق بين الفهم والعذر. فقد أفهم حجج دونالد ترامب وجون بولتون، لكن وبحكم هذا الفهم الشديد، أجد حججهم غير مبررة. الشيء نفسه ينطبق على حجج القيادة الإسرائيلية وحلفائها في الشتات. أسمع كلماتهم وأجد أنها لا تستطيع أبداً تبرير أفعالهم.
بالنظر إلى هذا الاختلاف بين الفهم والعذر، من الصعب معرفة ما يجب فعله مع الجهود الرامية إلى إفهامنا "العقبات النفسية" التي من المفترض أنها تمنع الإسرائيليين من صنع السلام. مثال جيد على هذا الجهد موجود في مقال مطبوع كتبه كارلو سترينجر، وهو طبيب نفسي إسرائيلي ومفكر بارز، ومعارض قوي للاحتلال. ظهر المقال في صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية بعنوان: "العوائق النفسية للسلام في إسرائيل".
على الرغم من أن سترينجر ناشط سلام إسرائيلي، إلا أن مقاله هو في الحقيقة محاولة لتحفيز القارئ على أن يأخذ على محمل الجد – نحو فهم أفضل - الشعور الإسرائيلي بالخوف "الوجودي" عندما يتعلق الأمر بآفاق السلام مع الفلسطينيين. إن مثل هذا الفهم سيؤدي بنا إلى "الاعتراف بأن التحرك نحو السلام يستلزم مخاطر أمنية حقيقية (على اليهود الإسرائيليين)، ومعالجة هذه المخاطر بلا هوادة". ثمة اشتباه في أن هذا المنطق قد تم تمريره منذ فترة طويلة في الكونغرس الأمريكي،
إضافة إلى حكومات أخرى. على أي حال، بالنسبة لسترينجر، هذا هو الشرط الضروري للسلام.
معوقات الأستاذ سترينجر:
يصف سترينجر ثلاثة "عقبات نفسية إسرائيلية للسلام" لا يمكن التغلب عليها إلا من خلال الجهد "غير المتردد" القائم على الفهم المتعاطف. لم يخطر ببالي أنه كان بصدد تقديم هذه العقبات كأعذار لأكثر من خمسين سنة من الحروب والاحتلال الإسرائيلي، لكن لسوء الحظ، في النهاية جاء الأمر على هذا النحو. ربما هذا تعبير عن المعضلة التي يواجهها معظم المعتدلين الإسرائيليين. وفي ما يلي عقبات سترينجر:
(1) مفهوم "النفور من الخسارة" - التأكيد على أن الناس "يسترشدون بالخوف من الخسارة أكثر من توقعات الربح". يخبرنا سترينجر أن الإسرائيليين العاديين يخافون من المخاطرة بفقدان "الأصول" الإقليمية [الأرض]، "التي يقرّ بها كل من الأمن القومي والتقاليد الدينية، مقابل المكاسب التي قد تأتي مع السلام. إنه تحيز طبيعي مزعوم للوضع الراهن. يمضي سترينجر ليقول إن الفلسطينيين مسؤولون عن هذا الخوف الإسرائيلي من السلام بسبب عنفهم خلال الانتفاضة الثانية والهجمات الصاروخية من غزة. إسرائيل نفسها هي التي خلقت الظروف التاريخية لأعمال المقاومة الفلسطينية هذه، وهو ما لا يأخذه سترينجر بعين الاعتبار.
هناك مشاكل مع أطروحة "النفور من الخسارة". أحدها هو أن التقييمات الفردية لمخاطر الخسارة / الربح غير موضوعية. بعبارة أخرى، في حالة المخاوف الإسرائيلية، كانت هناك عقود من الدعاية الحكومية التي تقلل من فرص السلام والجهود الفلسطينية والعربية للتوصل إلى حل وسط - على سبيل المثال، الكذبة الصريحة بأن الإسرائيليين ليس لديهم أي شخص فلسطيني للتفاوض معه. هذا من جانب. وقد تزامن ذلك مع استمرار الزعم بالمخاطر الأمنية للانسحاب من الأراضي المحتلة. والنتيجة هي السياق النفسي الذي يضخم النفور الوطني من فقدان الأمن الذي قد يأتي من السلام. بعبارة أخرى، أنتج القادة الإسرائيليون بيئة سياسية ونفسية مصطنعة تحدد الأمن القومي بتجنب السلام. لقد لعبت جميع الحكومات الإسرائيلية هذه اللعبة الدعائية لأنها جميعها كانت ولا تزال مهتمة بالأرض أكثر من السلام.
(2) العائق النفسي الثاني بالنسبة لسترينغر هو "عدم قدرة إسرائيل على التخلي عن الصهيونية كحركة ثورية". النقطة المثيرة للدهشة هنا هي أنه يحصر "الحركة الثورية" للصهيونية في فترة ما بعد حرب 1967. وهكذا، يقول لنا "إن تاريخ الاحتلال الإسرائيلي والاستعمار التدريجي للضفة الغربية لا يمكن فهمه دون الحركة الدينية الصهيونية التي نشأت جراء حرب 1967". ومع ذلك، تماماً مثل فكرة النفور من الخسارة، فإن هذا التأكيد مضلل. اقتصار التوسع العدواني للصهيونية، ومفهومها للمصير الإقليمي المصاحب لها، بالمستوطنين المتعصبين وحدهم أمر خاطىء. كان قادة حزب العمال العلمانيين وضباط الجيش الذين بدأوا الاحتلال بعد حرب عام 1967، وكانوا (وما زال الكثيرون منهم على الأرجح) مترددين في ترك تلك المنطقة مثل أي متطرف ديني إسرائيلي متوحش.
(3) وأخيرًا، فإن العائق النفسي الثالث الذي وضعه سترينجر هو "الحاجة إلى تبرير الاحتلال". ألم يسبق الرد على هذا لدى الحديث عن النفور من الخسارة؟ بلى. لكنه يريد منا أن نفهم أن تبرير الاحتلال يعني أيضاً تبرير الذنب الذي يعرف أنه يجب أن يتوافق معه. ويشرح: "تقريباً، كل إسرائيلي خلال السنوات الـ47 الماضية أدّى الخدمة العسكرية في المناطق [الأراضي المحتلة عام 1976]". لقد اضطروا جميعاً، تقريباً، إلى القيام بأشياء [الخط المائل مضاف من كاتب المقال للتشديد] تتعارض مع الحشمة الإنسانية والأخلاق - غالباً ليس من أجل أمن إسرائيل بشكل عام، ولكن لحماية بعض المواقع الاستيطانية المعزولة". التخلي عن الأراضي من أجل السلام سيكون بمثابة اعتراف بأن كل شيء كان بلا مقابل، وبحسب سترينجر، "هذه الفكرة صعبة للغاية ولا يمكن تحملها، والأسف سيكون أمراً لا يطاق". هذه الحاجة إلى الإنكار تدعم الحاجة إلى رؤية الاحتلال "ضروريًا لبقاء إسرائيل".
في حين أن عبارات مثل "من الصعب جداً تحملها" و "الأسف سيكون أمراً يطاق" هي مبالغات، إلا أنني أستطيع أن أفهم هذه الحجة. إنها نفس الحجة القائلة بأن حرب فيتنام كانت نضالاً لإبقاء الولايات المتحدة حرة. كثير من الأميركيين لا يزالون يتشبثون بهذه الأسطورة. كما يشير سترينجر، فإنه يجعل كل التضحيات والخطايا مبررة. ومع ذلك، على المدى الطويل، فإن عدم مواجهة المرء لذنبه، من شأنه أن يسمم الحياة الفردية والوطنية، على السواء. يمكننا أن نرى ذلك يحدث فعلاً داخل المجتمع الإسرائيلي.
ثمة مشاكل أخرى تتعلق بفهم سترينجر للعقبات النفسية الإسرائيلية. وهو يقترب منها بطريقة أحادية البعد، كما لو أنه لا يوجد طرف آخر ذو صلة بهذه الصدمات. إذ أن المخاوف الإسرائيلية من السلام مرتبطة بشكل لا يمكن تجاهله بالمطالبة
الفلسطينية بالعدالة. في الواقع، كلما "نفهم" مخاوف الإسرائيليين ونستوعبها، كلما أجبرنا على تجاهل الحاجة النفسية والمادية للفلسطينيين للعدالة. والعدالة بالنسبة للفلسطينيين هي أمر لا غنى عنه لتحقيق السلام.
أخيرًا، أخفق سترينجر في إدراك أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني لا يتعلق فقط بالاحتلال. ترتبط نهايته بحفظ إسرائيل على أنها "دولة يهودية ديمقراطية" ضمن حدود 1967. ومع ذلك، فإن مفهوم الدولة اليهودية الديمقراطية هو في الواقع تعبير متناقض. لا يمكن أن تكون هناك ديمقراطية لمجموعة واحدة مختارة مغمورة وسط مجموعة كبيرة من "الآخرين". هذا الطريق يؤدي إلى الفصل العنصري. وسواء كان سترينجر يحب ذلك أم لا، فقد تجاوزنا الآن الوقت المناسب لحل "الدولتين".
الحاجة للإكراه
ليس مجرد أن احتمال وجود دولتين قد ولى. ماتت "عملية السلام" ذاتها منذ زمن طويل. وهكذا، تم تشريد العقل، ورددنا مرة أخرى على الحاجة إلى الإكراه، تماماً مثلما كان الحال عليه أثناء مواجهة نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.
في هذه المرحلة، لا يتمثل هدف الإكراه في انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة. بل في أن تُجبر على الانضمام إلى القانون الدولي من خلال التخلي عن الإيديولوجية العنصرية للصهيونية والمفهوم التقييدي للحقوق. إذا كان البروفيسور سترينجر بأي حال من الأحوال نموذجياً، فإن معظم نشطاء السلام الإسرائيليين لن يتمكنوا من دفع القضية إلى هذا الحد. ومع ذلك، فإن أولئك القلائل الذين وصلوا إلى هذه النتيجة، كما فعل معظم الفلسطينيين، سيحتاجون إلى الكثير من المساعدة الخارجية لإنجاز هذه المهمة.
وهذا واضح في مقابلة أجريت مؤخراً (22 سبتمبر 2018) مع الناشط الإسرائيلي للسلام، ميكو بيليد. يقول بيليد، وهو ابن جنرال إسرائيلي، نحن في مرحلة ما مراحل الصراع حيث "لا يمكن سوى تحقيق استراتيجية مركزة ومنسقة بشكل جيد لنزع الشرعية وإسقاط النظام الصهيوني لتحقيق العدالة لفلسطين". هدف بيليد هو خلق "ديمقراطية واحدة متساوية في الحقوق في كل فلسطين التاريخية". هذا هو الهدف ذاته لدى معظم الفلسطينيين. تستلزم أفضل إستراتيجية للتحرك في هذا الاتجاه حاليًا جهدًا دوليًا لعزل إسرائيل ووصم إيديولوجيتها العنصرية. الآن، يتجسد هذا في حركة المقاطعة - المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات. يعتقد بيليد أن "BDS هي الشكل المثالي للمقاومة المتاحة". ودعو مؤيديها إلى "احتضان
أهدافها بشكل كامل، والعمل الجاد، والمطالبة بطرد جميع الدبلوماسيين الإسرائيليين، وعزل كامل لإسرائيل". كما يدرك أن ذلك سيكون "عملية بطيئة".
يبدو أنه لا يوجد خيار آخر. ولا يبدو مهماً حقاً ذلك الجزء من التفكير الذي ينظر إلى المخاوف "الوجودية" لدى العديد من الإسرائيليين في هذه المرحلة. فلا شك أن هذه المخاوف ليست عذراً لتدمير فلسطين وشعبها وثقافتها والقانون الدولي أيضاً. ومع ذلك، إن كانت هذه المخاوف كفيلة للحيلولة دون استخدام العقل لإنهاء النزاع، فعندئذ يجب أن تكون قسرية - تدار عالمياً، مهما طالت المدة التي قد تستغرقها.